أخر الاخبار

شرح طرق اثبات القضايا وعب الاثبات وحجية الأحكام

 

تابعنا ليصلك الجديد

 بحث هام عن طرق اثبات الدعاوى المدنى وعبء الاثبات بين المدعى والمدعى عليه ، وشروط حجية الأحكام القضائية المدنية ويتضمن ثلاث موضوعات على النحو الأتى :

  • حجية الأمر المقضي
  • عبء اثبات الدعوى المدنى 
  • طرق اثبات الطلبات والدفاع والدفوع فى الدعوى المقررة قانونا
عب الاثبات وحجية الأحكام


أولا حجية الأمر المقضي

حجية الأمر المقضى فيه مسألة قانونية هامة من حيث الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها ولحجية الأمر المقضى فيه ونتناوله لوجوب التفرقة بين القضايا والدعاوى من حيث حجية السبب والموضوع والخصوم مع العلم من وجوب توافر الثلاث أركان مجتمعة فاذا انتفى أحدهم فلا حجية للحكم على الدعوى الجديدة ، وسنتبين أجزاء الحكم التى تثبت لها الحجية منطوقا وأسبابا

تمهيد : هذا البحث مصدره الوسيط للسنهوري قبل اصدار قانون الاثبات عام 1968 والغاء نصوص الاثبات فى كلا من القانون المدنى وقانون المرافعات

سنرى أن حجية الأمر المقضى تكون غالباً فى صورة دفع بعدم جواز سماع الدعوى ، أو بعدم قبولها ، لسبق الفضل فيها وكان هذا التكييف يقتضى أن يدرس الموضوع فى مباحث قانون المرافعات مع سائر أوجه الدفع بعدم قبول الدعوى 

 والدفع بعدم جواز سماع الدعوى لسبق الفصل فيها أساسه على كل حال قاعدة موضوعية ، لا قرينة قانونية .

ولكن التقنين المدنى الجديد – وهو فى ذلك يساير التقنين المدنى السابق والتقنين المدنى الفرنسى والتقنينات المدنية الحديثة - خرج بحجية الأمر المقضى من أن تكون قاعدة موضوعية (   ) ( Regle de Fond ) إلى جعلها قرينة قانونية  ( Presomption legale ) . وهى قرينة قانونية قاطعة ، فقد نص صراحة على عدم جواز قبول دليل ينقض هذه القرينة .

ولما كان المشرع ، كما قدمنا ، هو الذى يمسك فى يده زمام القواعد الموضوعية والقرائن القانونية ، إلى منزلة القاعدة الموضوعية ، ويهبط إن شاء بالقاعدة الموضوعية إلى مرتبة القرينة القانونية ، فلا بد إذن من بحث حجية الأمر المقضى متصلة بالقرائن القانونية ، نزولا على حكم القانون(   ) .

حجية الأمر المقضى وقوة الأمر المقضى : ولما كانت  التعبيرات الفنية فى هذا الموضوع مضطربة ، وقد أدى اضطرابها إلى وقوع كثير من اللبس ، وجب البدء فى تحرير هذه التعبيرات ، وتنقية الموضوع مما يحوطه من إبهام واضطراب .

فيجب التمييز بين حجية الأمر المقضى ( Autorite de la chose jugee ) وقوة الأمر المقضى ( Force de la chose jugee ) 

فحجية الأمر المقضى معناه أن للحكم حجية فيما بين الخصوم وبالنسبة إلى ذات الحق محلا وسبباً . فيكون الحكم حجة فى هذه الحدود ، حجة لا تقبل الدحض ولا تتزحزح إلا بطريق من طرق الطعن فى الحكم ، وتثبت هذه الحجية لكل حكم قطعى ، أى لكل حكم موضوعى يفصل فى خصومة ،وساء كان هذا الحكم نهائياً أو ابتدائياً ، حضورياً أو غيابياً . وتبقى للحكم حجيته إلى أن يزول ، فإن كان غيابياً حتى يزول بإلغائه فى المعارضة ، وإن كان ابتدائياً حتى يزول بإلغائه فى الاستئناف ، وإن كان نهائيا حتى يزول بنقضه أو بقبول التمسا إعادة النظر فيه

وقوة الأمر المقضى مرتبة يصل إليها الحكم إذا أصبح نهائياً غير قابل لا للمعارضة ولا للاستئناف ، أى غير قابل للطعن فين بطريق من طرق الطعن الاعتيادية ، وإن ظل قابلا للطعن فيه بطريق غير اعتيادى .

ويجب التمييز فى كثير من العناية بين حجية الأمر المقضى وقوة الأمر المقضى ، فكثيراً ما يقع الخلط بينهما فى الفقه والقضاء والتشريع (   ) ، وكثيراً ما تستعمل  إحدى العبارتين ويكون المقصود بها العبارة الأخرى . والتقنين المدنى الجديد نفسه قد وقع فى هذا الخلط حين قال فى الفقرة الأولى من المادة 405 :

الأحكام التى حازت قوة الأمر المقضى " وهو يقصد " حجية الأمر المقضى. فالحكم القطعى ، نهائياً كان أو ابتدائياً ، حضورياً أو غيابياً ، تثبت له حجية الأمر المقضى كما قدمنا ، لأنه حكم قضائى فصل فى خصومة . ولكن هذا الحكم لا يجوز قوة الأمر المقضى إلا إذا أصبح نهائياً غير قابل لا للمعارضة ولا للاستئناف ، بأن كان فى ذاته غير قابل للطعن ، أو كان يقبل الطعن وانقضت مواعيده ، أو طعن فيه ورفض الطعن . ففى جميع هذه الأحوال يكون الحكم نهائياً حائزاً لقوة الأمر المقضى ، ولو كان قابلا للطعن بطريق غير اعتيادى كما أسلفنا . أما إذا كان الحكم قابلا للمعارضة أو للاستئناف فإنه لا يجوز قوة الأمر المقضى ، ولكن تكون له حجية الأمر المقضى ، وتبقى هذه الحجية قائمة ما دام الحكم قائماً ، حتى لو طعن فيه بالمعارضة أو الاستئناف (   ) . فإذا ألغى نتيجة للطعن ، زال وزالت معه حجيته . أما إذا تأيد ، ولم يعد قابلا لا للمعارضة ولا للاستئناف ، بقيت له حجية الأمر المقضى يكون حتما حائزاً لحجية الأمر المقضى ، والعكس غير صحيح . ويتبين كذلك أن الحكم القطعى فى أدنى مراتبه – وهى مرتبة الحكم الابتدائى الغيابى - يكون : 

( أولا ) له حجية الأمر المقضى ، ولا تزول هذه الحجية إلا بإلغاء الحكم عن طريق الطعن فيه . 

 

( ثانيا ) ليست له قوة الأمر المقضى ، إلى أن يصبح نهائياً ، فيجوز هذه القوة بالإضافة إلى الحجية . ( ثالثاً ) على أن الحكم ، حتى إذا وصل إلى هذه المرتبة من القوة ، يبقى ، بالرغم من حيازته لحجية الأمر المقضى ولقوة الأمر المقضى ،معرضاً للإلغاء عن طريق طعن غير اعتيادى . فإذا لم يلغ ، أو فات الميعاد دون أن يطعن فيه ، أو كان منذ البداية غير قابل للطعن فيه بطريق غير اعتيادى ، استقر له الحجية والقوة على وجه غير قابل للزوال

الدفع بحجية الأمر المقضى والتمسك بحجية الأمر المقضى :

 والذى نقف عنده هو حجية الأمر المقضى ، فهو وحده الذى يعنينا هنا 

فللحكم حجية على الخصوم تمنع من طرق النزاع بينهم من جديد . ومتى صدر حكم ، ولو كان حكماً ابتدائياً غيابياً ، وجب على الخصوم احترامه ، فلا يجوز لأحد منهم أن يجدد النزاع بدعوى مبتدأة . ولو رفعت هذه الدعوى لم يجز قبولها ، بل تدفع بحجية الأمر المقضى ، ويطلب الحكم بعدم جواز سماعها لسبق الفصل فيها . ولكن حجية المر المقضى لا تمنع من الطعن فى الحكم بالطرق المقررة ، سواء كانت طرقاً عادية أو طرقاً غير عادية . وعند ذلك يطرح النزاع $ 636 $ من جديد أمام القضاء ، المحكمة ذاتها التى أصدرت الحكم أو محكمة أعلى فتؤيد الحكم أو تلغيه . ولكنها فى الحالتين لا تكون قد أصدرت حكماً قائماً إلى جانب الحكم الأول ، فهى إذا أيدته بقى الحكم واحداً ، وإذا ألغته زال الحكم الأول وبقى الحكم الثانى وحده ، فالذى لا يجوز ، بمقتضى حجية الأمر المقضى ، هو رفع دعوى مبتدأة بالخصومة ذاتها ، أو رفع دعوى ببطلان الحكم الذى ثبتت له الحجية (   ) . بل إنه لا يجوز ، بعد أن تدفع الدعوى الجديدة بحجية الأمر المقضى ، أن يطلب المدعى استجواب خصمه للحصول منه على إقرار بأن الحكم الذى صدر فى الدعوى الأولى غير صحيح ، أو أن يوجه إليه اليمين الحاسمة ليحلف على أن هذا الحكم صحيح فيما يعلمن فالحكم عنوان الحقيقة ، ولا تدحض حجيته حتى بالإقرار أو اليمين (   ) .

وقد أخذ الفقه أخيراً يميز ، فى حجية الأمر المقضى ، بين الدفع بهذه الحجية وبين التمسك بها . فهذان شيئان منفصلان . الأول هو ، كما رأينا ، دفع موضوعى يهدف إلى عدم قبول الدعوى الجديدة ، والمدعى عليه هو الذى يدفع به هذه الدعوى . أما الثانى فليس بدفع ، بل هى حجية الأمر المقضى ذاتها يتمسك بها المدعى فى دعوى يقيمها هو . فقد يكون مجنياً عليه فى جريمة وصدر حكم جنائى بإدانة المتهم ، فيتمسك فى دعوى التعويض المدنية التى يرفعها ضد المحكوم عليه بحجية الحكم الجنائى فيما يتعلق بالوقائع التى فصل فيها هذا الحكم وكان فصله فيها ضرورياً ( م 406 مدنى ) . وقد يستصدر حكماً من المحكمة الشرعية بثبوت نسبة من المورث فى مواجهة الورثة ، ثم يرفع على هؤلاء الورثة دعوى استحقاق لنصيبه فى الإرث ، يتمسك فيها بحجية الحكم الصادر من المحكمة الشرعية ففى الحالتين يتمسك بحجية الأمر المقضى كمدع –ولا يدفع بها كمدعى عليه - أمام المحكمة المدنية . غير أنه فى الحالة الأولى يتمسك بحجية الأمر المقضى فى حكم صدر من محكمة جنائية ، وفى الحالة الثانية يتمسك بهذه الحجية فى حكم صدر من محكمة شرعية . ويجوز أن يتمسك بهذه الحجية أمام المحكمة المدنية فى حكم صدر من محكمة مدنية أخرى . ويتحقق ذلك فى الفرض الآتى : يحصل المستأجر على حكم بصحة عقد الإيجار فى مواجهة المؤجر ، وقبل أن يتسلم العين المؤجرة يبيعها المؤجر من آخر ، فيرفع المستأجر دعوى على المشترى يطالبه فيها بتسليمه العين ، ويتمسك فى هذه الدعوى بحجية الحكم الصادر بصحة عقد الإيجار فى الدعوى السابقة(   ) .

وقد قيل ، إمعاناً فى التمييز بين التمسك بحجية الأمر المقضى والدفع بهذه الحجية ، إن لكل منهما شروطاً تتميز عن شروط الآخر . فالشروط الواجب توافرها فى الحكم لتثبت له الحجية ، وسنذكرها فيما يلى ، هى شروط التمسك بحجية الأمر المقضى . أما شروط الدفع فهى الشروط الواجب توافرها فى الخصوم والمحل والسبب ، التى سيرد ذكرها تفصيلا . وقيل أيضاً إن هناك أحكاما يمكن فيها التمسك بالحجية دون الدفع ، وهى الأحكام التى يقتصر فيها القاضى على أن يقرر ثبوت بعض الوقائع أو نفيها دون إصدار أمر إلى الخصوم ، كالحكم بصحة التوقيع والحكم بصحة التعاقد . وعلى العكس من ذلك هناك أحكام يمكن فيها استعمال الدفع دون التمسك بالحجية ، وهى الأحكام التى يقتصر فيها القاضى على إصدار أمر للخصوم دون أن يقرر شيئاً من حيث ثبوت الوقائع المتنازع عليها أو نفيها ، كالحكم بتعيين خبير أو بالإحالة على التحقيق أو بفرض نفقة مؤقتة

على أننا لا نرى الإغراق فى التمييز ما بين الدفع بحجية الأمر المقضى والتمسك بهذه الحجية . فهما وجهان متقابلان لشيء واحد . وحجية الأمر المقضى قد يتمسك بها المدعى كما رأينا فى الأمثلة المتقدمة ، وقد يتمسك بها المدعى عليه كدفع يطلب فيه دعم جواز سماع الدعوى لسبق الفصل فيها وهذا ما يقع فى الغالب . وفى الحالتين تبقى حجية الأمر المقضى شيئاً واحداً ، له شروط واحدة ، دفعاً كان أو غير دفع(   ) .

 الأساس الذى تقوم عليه حجية الأمر المقضى : 

تقوم حجية الأمر المقضى ، دفعاً كانت أو غير دفع ، كما صورها المشرع فى التقنين المدنى المصرى ، على أساس قرينة قانونية قاطعة ، ما فى ذلك من شك . فقد جاء نص المشرع صريحاً فى هذا المعنى ، إذ يقرر أن \" الأحكام التى حازت قوة الأمر المقضى تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق ، ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة \" . فالمشرع يفرض فرضاً غير قابل لإثبات العكس أن الحكم هو عنوان الحقيقة ، وأن الحقيقة القضائية قرينة قاطعة على الحقيقة الواقعة ( Res Judicata Pro Veritate Habetur ) . قد تنحرف الحقيقة القضائية ، فى القلة النادرة من الأحوال ، عن الحقيقة الواقعة ، ولكنها فى الكثرة الغالبة من الأحوال تطابقها . فتقول القرينة إذن –ككحل قرينة قانونية أخرى - على الراجح الغالب الوقوع . ووجب أن تكون هذه القرينة قاطعة لا يجوز دحضها ، بصريح النص ، لاعتبارين أساسين :

( الاعتبار الأول )

 

أن الحكم متى فصل فى خصومة كان لابد من الوقوف عنده ، لوضع حد لتجدد الخصومات والمنازعات . فلا يجوز للخصم المحكوم عليه أن يعيد طرح النزاع على القضاء بدعوى مبتدأه . ولو سمح القانون بذلك لما أمكن أن يقف عند حد . إذ يصبح لكل من الخصمين أن يجدد النزاع مرة بعد أخرى : هذا يحصل على حكم لمصلحته ، ثم يعيد خصمه طرح النزاع بدعوى جديدة وقد حصل هو الآخر على حكم لمصلحته ، ثم يعود الخصم الأول إلى تجديد النزاع فيحصل على حكم ثالث ، وهكذا . فتتأبد الخصومات والمنازعات ، وليس هذا من مصلحة الناس فى شيء .

 

( الاعتبار الثانى )

 

أنه إذا سمع القانون بتجديد النزاع بدعاوى مبتدأه ، لجاز لكل من الخصمين أن يحصل على حكم يتعارض مع الحكم الذى حصل عليه الخصم الآخر . فتقوم أحكام متعارضة فى ذات النزاع وبين نفس الخصوم . ولاشك فى أن هذا التعارض يجعل من المتعذر تنفيذ الأحكام القضائية ، إذ لا يعرف على وجه اليقين من مِن الخصمين صاحب الحق ، فكل منهما قد قضى لصالحه . هذا إلى أن التعارض ما بين الأحكام من شأنه أن يغض من كرامة القضاء ، وأن يفقده احترامه فى النفوس

والصحيح أن حجية الأمر المقضى ، كما قدمنا ، قاعدة موضوعية  ( Regle de Fond ) العلة فيها قد اختفت ، ولم تعد بارزة كما تبرز العلة إلى جانب القرينة القانونية . و هى ، ككل قاعدة موضوعية أخرى ، قد استغرقت عليها ، ولم يعد للعلة محل للعمل معها . فالمشرع ، عندما يقرر حجية الأمر المقضى يقرر –كما يقرر فى أية قاعدة موضوعية - أن الحقيقة التى قررها الحكم هى الحقيقة الواقعة ، ما فى ذلك من معدى ولا من مناص ، كما يقرر أن حائز المنقول مالك له ، وأن من حائز عقاراً مدة معينة يكون هو المالك ، وما إلى ذلك من القواعد الموضوعية التى سبقت الإشارة إليها . والذى يقطع فى أن حجية الأمر المقضى ينبغى أن تكون قاعدة موضوعية لا قرينة قانونية ، أن هذه الحجية لا تدحض ، كما رأينا ، لا بالإقرار ولا باليمين وهذه علامة حاسمة على أنها قاعدة موضوعية ، فالقرائن القانونية ولو كانت قاطعة تدحض دائماً ، كما قدمنا ، بالإقرار واليمين 

ومهما يكن من أمر ، فالمشرع هو الذى يمسك بزمام القواعد الموضوعية والقرائن القانونية ، كما سبق القول ، وقد رأى أن يجعل من حجية الأمر المقضى قرينة قانونية ، فلابد من التسليم بهذا التكييف ، وقد مضت الإشارة إلى ذلك

 حجية الأمر المقضى ليست من النظام العام فى المسائل المدنية : 

قد يبدو لأول وهلة ، بعد أن استعرضنا الاعتبارين الأساسيين اللذين تقوم عليهما حجية الأمر المقضى ، أن هذه الحجية هى من النظام العام ، فوضع حد لتجدد الخصومات ، وعدم جواز قيام أحكام متعارضة مما يغض من كرامة القضاء ، كل هذه اعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة .

 

ولو قلنا إن حجية الأمر المقضى هى من النظام العام لترتب على ذلك أن الخصوم لا يملكون النزول عن التمسك بها الخصوم ، بل ويجوز للخصوم أن يتمسكوا بها لأول مرة أمام محكمة النقض . أما إذا لم تتعلق حجية الأمر المقضى بالنظام العام ، فإن عكس هذه النتائج هو الذى يترتب : فيجوز للخصوم النزول عنها ، ولا يجوز للقاضى إثارتها من تلقاء نفسه إذا لم تتمسك بها الخصوم ، ولا يجوز للخصوم أن يتمسكوا بها لأول مرة أمام محكمة النقض .

 

هناك مسألة انعقد عليها الإجماع ، هى أن حجية الأمر المقضى تعتبر من النظام العام فى المسائل الجنائية ، أى فى حكم يصدر من محكمة جنائية ويحتج به أمام محكمة جنائية . والعلة فى ذلك ظاهرة . فإن الحكم الذى يصدر فى جريمة بالإدانة أو بالبراءة يعنى النظام العام فى المقام الأول ، ولا يجوز أن يترك أمر هذا الحكم للخصوم يتصرفون فيه كما يشاءون . بل متى صدر الحكم الجنائى وجب أن تكون له حجية مطلقة ، لا بالنسبة إلى الخصوم فحسب ، بل أيضاً فى حق الكافة ( erga omnes ) . ذلك أن المتهم إنما يدان أو يبرأ باسم المجتمع ولمصلحة المجتمع العليا ، فالمجتمع ممثل دائماً فى المحاكم الجنائية . ولهذه المحاكم سلطة واسعة فى تحرى الحقائق ، فما تكشفه منها يكون أقرب غلى الصدق ، وهو حجة على المحاكم المدنية والجنائية ، بل هو حجة على الناس جميعا . ومن ثم كان للقاضى فى الدعوى الجنائية أن يثير من تلقاء نفسه حجية الأمر المقضى ولو لم تتمسك بها الخصوم ، ويجوز للخصوم التمسك بها لأول مرة أمام محكمة النقض  ، ولا يجوز لهم النزول عنها .

أما فى الدعوى المدنية ، ولو كانت تنظر أمام المحاكم الجنائية ، فيكاد الإجماع ينعقد على أن حجية الأمر المقضى ليست من النظام العام (   ) . بل هى لا تعدو أن  تكون دليلاً على الحق ، والخصم يملك الحق نفسه ، ويملك النزول عنه ، ويستطيع أن يتفق مع خصمه على الطرق التى تتبع لإثباته كما قدمنا . فيجوز إذن للخصم أن ينزل عن حجية الأمر المقضى  ، ولا يجوز للقاضى إثارتها من تلقاء نفسه  إذا لم يتمسك بها الخصم (   ) ، ولا يجوز للخصم التمسك بها لأول مرة أمام محكمة النقض ، وإن كان يجوز له التمسك بها فى أية حالة كانت عليها الدعوى أمام  محكمة الموضوع فى الدرجة الابتدائية وفى الدرجة الاستئنافية  . وقد قضت الفقرة الثانية من المادة 405 من التقنين المدنى ، تأييداً لهذا الحكم ، بأنه لا يجوز للمحكمة أن تأخذ بحجية الأمر المقضى من تلقاء نفسها 

 حجية الأمر المقضى لا تمنع من تفسير الحكم ولا من تصحيحه :

 ولا تمنع حجية الأمر المقضى من تفسير الحكم الذى ثبتت له هذه الحجية ، وفقاً للأوضاع المقررة فى تقنين المرافعات ( م 366 - 367 ) ، ولا من الفصل فيما عسى أن تكون المحكمة قد أغفلت الفصل فيه من بعض الطلبات الموضوعية ( م 368 مرافعات ) ، ولا من تصحيح ما عسى أن يكون قد وقع فى الحكم من أخطاء مادية بحته ، كتابية كانت أو حسابية ، بشرط ألا يتخذ التصحيح ذريعة لإعادة النظر فى موضوع الحكم 

 الصور المختلفة لحجية الأمر المقضى : 

ولحجية الأمر المقضى صور مختلفة . فقد يحتج بحكم جنائى أمام محكمة جنائية ، وهذا لا شأن لنا به وهو من مباحث القانون الجنائى . والذى يعنينا هو أن يحتج بالحكم أمام محكمة مدنية ، سواء صدر هذا الحكم من محكمة مدنية أو من محكمة جنائية .

أما الاحتجاج بالحكم الصادر من محكمة جنائية أمام محكمة مدنية – وهو ما عرضت له المادة 406 من التقنين المدنى إذ تنص على أنه \" لا يرتبط القاضى المدنى بالحكم الجنائى إلا فى الوقائع التى فصل فيها هذا الحكم وكان فصله فيما ضرورياً \" – فقد مضى القول فيه فى الجزء الأول من الوسيط

فلا يبقى إلا الاحتجاج بحكم صادر من محكمة مدنية أمام محكمة مدنية . وهذا الذى نقتصر عليه فى بحثنا هنا .

 

النصوص القانونية : 

وفى هذا الصدد تنص المادة 405 من التقنين المدنى على ما يأتى :

 

  1 - الأحكام التى حازت قوة الأمر المقضى تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق ، ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة . ولكن لا تكون لتلك  الأحكام هذه الحجية إلا فى نزاع قام بين الخصوم أنفسهم ، دون أن تتغير صفاتهم ، وتعلق بذات الحق محلاً وسبباً \" .

 

2 - ولا يجوز للمحكمة أن تأخذ بهذه القرينة من تلقاء نفسها " 

 

ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 232 / 297 

 

ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 90 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 503 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدينة اللبنانى المادة 304 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 393

 

ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1351

شروط قيام حجية الأمر المقضى : ويتبين من نص التقنين المدنى المصرى المقدم الذكر أن هناك شروطاً يجب أن تتوافر لقيام حجية الأمر المقضى .

وهذه الشروط قسمان : قسم يتعلق بالحكم ، وآخر يتعلق بالحق المدعى به 

الشروط الواجب توافرها فى الحكم

شروط ثلاثة : لا تقوم حجية الأمر المقضى إلا إذا توافرت فى الحكم شروط ثلاثة :

 

( أولاً ) أن يكون حكماً قضائياً .

 

( ثانياً ) أن يكون حكماً قطعياً .

 

( ثالثاً ) أن يكون التمسك بالحجية فى منطوق الحكم لا فى أسبابه .

 

حكم قضائى

 

حكم صادر من جهة قضائية : يجب للتمسك بحجية الأمر المقضى أن يكون هناك حكم صادر من جهة قضائية .

 

فالفتوى – أياً كانت جهة الإفتاء – لا حجية لها (   ) .

 

والقرار الإدارى ، وهو صادر من جهة إدارية لا من جهة قضائية ، لا تكون له حجية الأمر المقضى . فيجوز للجهة الإدارية التى أصدرته ، أو جهة إدارية أعلى منها ، أن تسحبه . ولكن هناك جهات إدارية ذات اختصاص قضائى ، كلجان مخالفات الرى ولجان الشياخات ولجان الإجارات ، فهذه تكون القرارات الصادرة منها حائزة لحجية الأمر المقضى ما دامت قد صدرت فى حدود اختصاص الجهة التى أصدرتها (   ) . ولا حجية لهذه القرارات فيما جاوز هذه الحدود . فمجالس التأديب جهات إدارية ذات اختصاص قضائى ، ولكن اختصاصها مقصور على المحاكمة التأديبية ، فلا تحول القرارات الصادرة من الهيئات التأديبية إذن دون المحاكمة أمام المحاكم الجنائية بالنسبة إلى العقوبة الجنائية ، ولا دون المحاكمة أمام المحاكم المدينة بالنسبة إلى التعويض (   ) .

 

ولا يكون لقرارات الحفظ الصادرة من النيابة العامة أو قاضى التحقيق أو غرفة الاتهام حجية الأمر المقضى (   ) .

 

فلابد إذن أن يصدر الحكم من جهة قضائية . ويستوفى فى ذلك أن تكون جهة القضاء مدنية أو تجارية أو شرعية أو ملية أو إدارية 

 

كما يستوى أن تكون جهة قضاء عادية أو جهة قضاء استثنائية ، فثبت حجية الأمر المقضى للأحكام الصادرة من المحاكم العسكرية  ، وذلك بشرط  ألا تجاوز الجهات الاستثنائية حدود اختصاصها  كذلك تثبت حجية الأمر المقضى لجهة قضاء كانت موجودة ثم ألغيت ، كمجلس الأحكام فى الماضى وكالمحاكم المختلطة منذ عهد قريب .

 

ويكون للحكم الصادر من المحكمين حجية الأمر المقضى ، إذ التحكيم جهة قضاء نظمها القانون

 

أما الحكم الصادر من محكمة أجنبية ، ففى فرنسا يحوز حجية الأمر المقضى إذا ذيل بالصيغة التنفيذية (   ) ( exequatur ) ، وفى مصر يميل القضاء إلى تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل .

 

ويجوز الحكم حجية الأمر المقضى حتى لو كان مشوباً يعيب فى الشكل ، أو صادراً ضد خصم غير أهل للتقاضى ، أو اشتمل على خطأ فى تطبيق القانون وحتى لو كان البطلان بسبب مخالفة النظام العام ، ما لم يكن الحكم مشوباً بالغش أو كان نتيجة تواطؤ بين الخصمين 

وجهة قضائية لها الولاية فى الحكم الذى أصدرته :

 ويجب أن تكون جهة القضاء التى أصدرت الحكم له الولاية ( juridiction ) فى الحكم الذى أصدرته . فإذا لم تكن للمحكمة ولاية ، لم يكن لحكمها حجية الأمر  المقضى . ومن ثم لا تثبت حدية الأمر المقضى لحكم صدر من محكمة مدنية أو مجلس ملى فى مسألة تدخل فى ولاية المحاكم الشرعية ، ولا لحكم صدر من محكمة شرعية أو مجلس ملى فى مسألة تدخل فى ولاية المحاكم الوطنية ، ولا لحكم صدر من محكمة مدنية فى مسألة تدخل فى ولاية القضاء الإدارى . على أنه إذا صدر الحكم من محكمة لا ولاية لها ، كانت له مع ذلك حجية الأمر المقضى بالنسبة إلى هذه المحكمة أو إلى غيرها من محاكم الجهة ذاتها ، ولكن لا حجية للحكم بالنسبة إلى الجهات القضائية الأخرى 

 

ويكون للحكم حجية الأمر المقضى إذا صدر من محكمة لها الولاية فى إصداره ، حتى لو كانت هذه المحكمة غير مختصة ، سواء رجع عدم الاختصاص إلى الموضوع أو رجع إلى المكان . فالحكم الصادر من محكمة مدنية تكون له حجية الأمر المقضى ولو كان المختص هو القضاء التجارى . كذلك الحكم الصادر من محكمة جزئية تكون له هذه الحجية ولو كان المختص هو المحكمة الكلية . ومن باب أولى يحوز حجية الأمر المقضى الحكم الصادر من محكمة كلية وهو من اختصاص محكمة كلية أخرى ، أو من محكمة جزئية وهو من اختصاص محكمة جزئية أخرى.

 وبموجب سلطتها القضائية لا سلطاتها الولائية : 

ثم أن المحكمة ذات الولاية يجب أن تكون قد أصدرت الحكم بموجب سلطتها القضائية ( jurisdiction contentieuse ) لا بموجب سلطتها الولائية ( jurisdiction gracieuse ) .

 

ومعرفة ما إذا كان الحكم صادراً بموجب السلطة القضائية للمحكمة من مباحث قانون المرافعات . ولكن يمكن القول بوجه عام أن العبرة بطبيعة الموضوع الذى يصدر فيه أمر القاضى وطبيعة ما يجريه القاضى فى إصداره ، فإن كان الأمر يتعلق بخصومة بين طرفين فصل فيها فهو قضاء ، وإلا فهو أمر ولائى .

 

فالتصديق على الصلح  ، وإجراء القسمة قضائياً ، والتصديق على القسمة إذا كان بين الشركاء غائب أو كان بينهم من لم تتوافر فيه الأهلية ( م 840 مدنى )  ، وتصديق المحكمة الحسبية على الحساب الذى يقدمه الأوصياء والقوام ، كل هذه أوار تصدر من المحكمة بموجب سلطتها الولائية فلا تحوز حجية الأمر المقضى ، وذلك ما لم تفصل فى خصومة بين طرفين . فإذا فصلت المحكمة فى المنازعات التى قد تعترض دعوى القسمة ( م 838 مدنى ) ، فهذا فصل فى خصومة يحوز حجية الأمر المقضى . أما التصديق على الصلح مع المفلس ( concordat ) فقد كانت محكمة الاستئناف المختلطة تميل إلى اعتباره منطوياً على فصل فى خصومة ، فيجوز حجية الأمر المقضى 

 

والحكم يتعين وصى أو قيم فى غير خصومة  ، وإقامة ناظر على الوقف فى غير خصومه كذلك ، كل هذه أوامر ولائية لا تحوز حجية الأمر المقضى . أما الحكم بتوقيع الحجز فهو حكم قطعى يحوز حجية الأمر المقضى 

 

والإذن للأوصياء والقوام فى مباشرة التصرفات، والإذن فى استبدال الوقف  ، لا يعتبر أى منهما حكماً قضائياً ، بل هو أمر ولائى لا يحوز حجية الأمر المقضى ، إذ هو لا يفصل فى خصومة بل يمكن من إجراء تصرف معين . وكذلك الحكم بمرسى المزاد ليس إلا إجراء تصرف فى العين التى رسا فيها المزاد ، فهو أمر ولائى لا يحوز حجية الأمر المقضى

 

والأمر الصادر من رئيس المحكمة بإعطاء الدائن حق اختصاص بعقارات مدينة ، وقائمة التوزيع بين الدائنين فى غير ما يفصل فيه من مناقضات ومعارضات ، كل هذه أوامر ولائية لا تحو حجية الأمر المقضى .

كذلك تعتبر أوامر ولائية لا تحوز حجية الأمر المقضى قرارات لجان المعافاة من الرسوم القضائية  ، وأوامر رئيس محكمة القضاء الإدارى بتقصير المواعيد ، أما حكم محكمة القضاء الإدارى بوقف تنفذ أمر إدارى ، وكذلك حكم محكمة النقض بوقف تنفيذ حكم نهائى ، فهذا فصل فى خصومة يحوز حجية الأمر المقضى .

حكم قطعى

 

 الحكم القطعى والحكم النهائى : لا تكون حجية الأمر المقضى إلا لحكم قطعى (   )( jugement definitif ) ، وهو الحكم الصادر فى الموضوع بالبت فيه ، ولو كان حكماً ابتدائياً غيابياً قابلاً للطعن فيه بالمعارضة وبالاستئناف . ولا ضرورة ، حتى تكون للحكم حجية الأمر المقضى ، أن يصبح الحكم القطعى حكماً نهائياً ( jugement passé en force de chose jugee ) ، باستنفاده لطرق لطعن العادية من معارضة واستئناف . فالحجية تثبت للحكم الغيابى ثبوتها للحكم الحضورى ، وللحكم الابتدائى ثبوتها للحكم النهائى (   ) ، وتثبت للحكم النهائى حتى لو طعن فيه بالنقض أو بالتماس إعادة النظر أو باعتراض الخارج عن الخصومة . وقد سبق أن أشرنا إلى وجوب التمييز بين حجية الحكم ( autorite ) ونهائيته ( irevocabilite ) ، فالنهائية لا شأن لها بالحجية ، بل هى تتصل بقابلية الحكم للتنفيذ (   ) .

متى يثبت للحكم القطعى حجية الأمر المقضى :

وكل حكم قطعى بت فى الخصومة يحوز حجية الأمر المقضى . فالحكم القطعى الصادر في الموضوع بالبت فيه ، كله أو بعضه (   ) ، تكون له هذه الحجية . كذلك ثبت الحجية للحكم القطعى الذى يبت فى الدفع ، سواء كان الدفع موضوعياً أو شكلياً ، كالحكم بعدم الاختصاص وبعدم قبول الدعوى وبعدم جواز نظر الدعوى وببطلان صحيفة الدعوى . وتثبت الحجية كذلك للحكم القطعى الذى يبت فى نزاع يتصل بإجراءات الدعوى ، كالحكم بسقوط الخصومة وبانقضائها بمضى المدة وبتركها وباعتبار الدعوى كأن لم تكن (   ) .

ولكن هناك أحكاماً قطعية لا تبت فى الخصومة على وجه حاسم ، فهذه لا تحوز حجية الأمر المقضى . مثل ذلك الأحكام التهديدية ( jugements comminatoires ) ، فالحكم بغرامة تهديدية ( astreintes ) لا يحوز حجية الأمر المقضى ، إذ أن الغرامة التهديدية تحوز إعادة النظر فيها بالزيادة أو الإنقاص أو الإلغاء ( م 213 و 214 مدنى ) (   ) . ومثل ذلك أيضاً الحكم على وجه حاسم ، وإن كانت له حجية فهى حجية مقصورة على الحالة التى كانت عليها الدعوى حين رفعها أول مرة ، فيجوز رفع الدعوى من جددي بعد تصحيح هذه الحالة أو تغيرها (   ) . كذلك الحكم بإخراج خصم من الدعوى ، أو بعدم قبل تدخله ، لا يحوز حجية الأمر المقضى فى موضوع الدعوى ، لأنه لم يبت فى هذا الموضوع أصلاً ، بل اقتصر على البت فى رفض اشتراك شخص معين فى خصومة قائمة ، والحكم بذلك لا يمنع هذا الشخص من رفع دعوى مستقلة بطلباته دون أن يدخل فى الخصومة التى حكم برفض اشتراكه فيها (   ) .

 الأحكام الصادرة قبل الفصل فى الموضوع :

 أما الأحكام الصادرة قبل الفصل فى الموضوع ( jugements d\'avant - dire droit ) فهى ليست بأحكام قطعية ، ولا تحوز حجية الأمر المقضى (   ) .

وهذه الأحكام هى : الأحكام التحضيرية ( jugements preparatoires ) ، والأحكام التمهيدية ( jugements interlocutoires ) ، والأحكام الوقتية ( jugements provisoires ) .

الأحكام التحضيرية :

 وهى أحكام تسبق الحكم فى الموضوع تحضيراً لهذا الحكم ، دون أن تبين رأى المحكمة فى نقطة النزاع . وذلك كالحكم بتعيين خبير لمعاينة محل النزاع ، أو الحكم بانتقال المحكمة إلى محل النزاع ، أو الحكم بالإحالة على التحقيق . مثل هذه الأحكام لا تكون له حجية الأمر المقضى ، بل يجوز للمحكمة العدول عنها بعد إصدارها وقبل تنفيذها ، وإذا هى نفذتها لم تتقيد بالنتيجة التى أدت إليها .

الأحكام التمهيدية : 

وهى أحكام تسبق الحكم فى الموضوع  تمهيداً لهذا الحكم ، وتبين رأى المحكمة فى نقطة النزاع . وذلك كالحكم يتعين خبير لتقدير الضرر الذى أصاب المدعى ، أو بإحالة القضية على التحقيق لإثبات وقوع الفعل الموجب للمسئولية ، فإن المحكمة إذا قضت بذلك قبل أن تقضى فى قيام المسئولية ذاتها تكون ، دون أن تقطع فى قيام المسئولية ، قد كشفت عن ميلها للقضاء بذلك ، ومن أجل هذا عينت خبيراً لتقدير الضرر أو أحالت القضية على التحقيق لإثبات وقوع الفعل الموجب للمسئولية .

وكان الأمر فى تقنين المرافعات السابق أن الكم التمهيدى ، إذا أصدرته المحكمة من تلقاء نفسها دون طلب أحد من الخصوم ، فلا تكون له حجية الأمر المقضى ، ويجوز للمحكمة العدول عن تنفيذه . أما إذا كان صادراً بناء على طلب أحد الخصوم ، فإنه يعتبر قد فصل فى أمر تنازع فيه ، وتثبت له الحجية ، فلا يجوز للمحكمة العدول عن تنفيذه  . على أنه إذا نفذ فى الحالتين لم يقيد  المحكمة بالنتيجة التى أدى إليها 

 

ولكن تقنين المرافعات الجديد نص فى المادة 165 منه على أن \" للمحكمة أن تعدل عما أمرت به من إجراءات الإثبات ، بشرط أن تبين أسباب العدول بالمحضر . ويجوز لها ألا تأخذ بنتيجة الإجراء ، بشر أن تبين أسباب ذلك فى حكمها \" . فألحق الحكم التمهيدى بالحكم التحضيرى ، وأنزل الحكمان منزله سواء فى جواز عدول المحكمة عن تنفيذ الحكم بعد إصداره ، ولو كان حكماً تمهيدياً صدر بناء على طلب أحد الخصوم . وقد نبذ تقنين المرافعات الجديد تقسيم الأحكام إلى تحضيرية وتمهيدية بعد أن سوى بينهما فى الحكم . فلا يحوز الحكم التمهيدى حجية الأمر المقضى ، سواء أصدرته المحكمة من تلقاء نفسها أو صدر بناء على طلب أحد الخصوم ، ففى الحالتين يجوز للمحكمة العدول عن تنفيذه ، وإذا هى نفذته لم تتقيد بالنتيجة التى أدى إليها كما سبق القول .

 

غير أنه يجوز أن يتضمن الحكم التمهيدى – أو الحكم التحضيرى – حكماً قطعياً يفصل فى مسألة من مسائل النزاع ، فيحوز هذا الحكم القطعى فى هذه الحالة حجية الأمر المقضى . وذلك كالحكم الصادر بإحالة القضية على التحقيق ، قد تصرح فيه المحكمة بجواز إثبات الحق المتنازع فيه بالبينة ، أو بتحميل أحد الخصمين عبء الإثبات ، أو برفض الدفع بعدم قبول الدعوى ، أو بغير ذلك من الأحكام القطعية

 الأحكام الوقتية : 

وهى أحكام تسبق الحكم فى الموضوع للفضل فى مسائل وقتية لا تمس جوهر النزاع . وذلك كالحكم فى دعاوى إثبات الحالة  ، والحكم بالحراسة (   ) ، والحكم بنفقة وقتية للمصاب حتى يفصل فى دعوى التعويض ، والحكم بإلزام ناظر الوقف أن يدفع لأحد المستحقين نفقة شهرية إلى أن يفصل فى دعوى الحساب 

ويعتبر الحكم الصادر من قاضى الأمور المستعجلة أو فى المسائل المستعجلة حكماً وقتياً لا يحوز حجية الأمر المقضى 

على أنه يلاحظ ألا محل للمساس بحكم وقتى إذا بقى سببه قائماً ، ولا يجوز  العدول عنه إلا إذا تغيرت الظروف التى أدت إلى إصداره . فالحكم الوقتى تكون له إذن حجية مؤقتة ، وتبقى هذه الحجية ما دام سببه المؤقت قائماً ، فإذا زال السبب زالت الحجية 

التمسك بالحجية فى منطوق الحكم لا فى أسبابه

 منطوق الحكم : لا تثبت الحجية فى الأصل إلا لمنطوق الحكم ( dispositif ) دون أسبابه ( motifs ) ، والمنطوق هو الجزء من الحكم الذى يفصل فى نقط النزاع 

وقد يفصل المنطوق فى بعض نقط النزاع ، لا على وجه صريح ، بل بطريق ضمنى ( implicitement ) ، فثبت الحجية لهذا المنطوق الضمنى ما دام هو النتيجة الحتمية للمنطوق الصريح  ( suite necessaire d\'une disposition expresse ) . فالحكم الذى يقضى بصحة الإجراءات التى اتخذت لتنفيذ سند تكون له حجية الأمر المقضى فى صحة هذا السند ونفاذه ، لأنه ما دام قد حكم بصحة الإجراءات التى اتخذت لتنفيذ سند فإن هذا يقتضى ضرورة صحة هذا السند وقابليته للتنفيذ (   ) . أما الحكم الذى يصدر برفض دعوى الاستحقاق لعجز المدعى عن إثبات ملكتيه للعين فلا تثبت له حجية الأمر المقضى ، إذا أتيح للمدعى أن يصبح هو الحائز ، فأقام الخصم الآخر دعوى الاستحقاق بدوره وأراد أن يستند إلى الحكم الأول لإثبات ملكيته ، لأن هذا الحكم إنما قضى بأن خصمه غير مالك والحكم بذلك لا يستتبع حتماً أن يكون هو المالك . لكن إذا كان هذا الخصم الآخر قد تمسك فى الدعوى الأولى بملكيته للعين ، وأمكنه إثبات سبب الملكية ، ورفضت دعوى المدعى على هذا الأساس ، كان لهذا الحكم الأول حجية الأمر المقضى فى الدعوى الثانية 

كذلك يشمل المنطوق الذى تثبت له الحجية ما قضى به فى الدعوى الأصلية وفى الدعاوى والدفوع التبعية . فإذا دفع المدعى عليه الدعوى بدفع ، أو أقام  دعوى عارضة (   ) ( demande reconventionnelle ) ، أو أثيرت مسألة أولية ( question prejudicielle ) من أى الخصمين ، فقضى الحكم فى كل هذا ، فإن المنطوق الصادر فى جميع هذه المسائل الفرعية تكون له حجية الأمر المقضى كالمنطوق الصادر فى الدعوى الأصلية (   ) .

 

على أن المنطوق لا تكون له حجية الأمر المقضى إلا حيث يفصل فى مسألة واقع لا فى مسألة قانون (   ) . ويجب أن يفصل فى نزاع كان محل مناقشة بين الخصمين ، وتقدم فيه كل منهما بدفاعه وطلباته (   ) . أما ما عسى أن يرد فى المنطوق من عبارات عارضة لم تكن محل مناقشة ، فليست لها حجية الأمر المقضى (   ) . مثل ذلك أن يقضى الحكم على المدين بدفع فوائد الدين دون أن يناقش مقدار هذا الدين بين الخصمين فى الدعوى ، فالمنطوق الذى يرد فيه ذكر مقدار الدين  على نحو عارض لا تكون له حجية الأمر المقضى بالنسبة إلى هذه المسألة (   ) .

أسباب الحكم :

ما أسباب الحكم فلا تكون لها حجية الأمر المقضى فيما عرضت له من المسائل ، أياً كانت هذه المسائل ، ومهما بلغ من صراحة الأسباب ، ما لم تكن هذه المسائل قد ذكرت فى منطوق الحكم قبولاً أو رفضاً على النحو الذى بيناه فيما تقدم

على أن هناك من الأسباب ما تكون له الحجية . وهى الأسباب التى ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنطوق الحكم ، تحدد معناه أو تكمله ، بحيث لا يقوم المنطوق بدون هذه الأسباب ، وبحيث إذا عزل عنها صار مبهماً أو ناقصاً . وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان منطوق الحكم مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأسبابه ونتيجة لازمة لها ، فإن هذه الأسباب تحوز حجية الأمر المقضى ، فإذا كان مدار النزاع فى الدعوى هو ما إذا كانت ملكية المدعى للأرض خالصة له وحده أو أن له  شركاء على الشيوع فيها ، وقد قضت المحكمة للمدعى بطلباته أخذاً بما انتهى غليه الخبير من أن الأرض موضوع النزاع هى ضمن مساحة مملوكة كلها للمدعى ومحدودة غير شائعة فى أطيان أخرى وكان هذا الحكم نتيجة لازمة لما قدمته المحكمة فى أسباب حكمها المشار إليه من أن قسمة نهائية واقعية حصلت بين المدعى وشركائه فى الملك الشائع اختص بموجبها المدعى بأطيانه مفرزة ، فإن هذا الحكم يكون حائزاً فى خصوص مسألة القسمة حجية الأمر المقضى ، مانعاً من العود إلى المناقشة فيها فى أى دعوى تالية يثار فيها هذا النزاع (   ) . وقضت أيضاً بأنه لا مانع من أن بعض المقضى به يكون فى الأسباب ، فإذا قضت المحكمة ببطلان عقد بيع بعد أن استعرضت فى أسباب حكمها الأوجه التى دار النزاع حولها طلباً ودفعاً ، وبحثت هذه الأوجه ، وفصلت فيها فصلاً قاطعاً ، وخلصت من بحثها إلى النتيجة التى حكمت بها ، فمعنى ذلك أنه بعد أن قضت فى هذه المسائل وضعت قضاءها فيها فى أسباب الحكم ، ثم وضعت بالمنطوق الحكم ببطلان البيع ، وهو نتيجة ما وضعته فى الأسباب ، فأصبح الحم فاصلاً فى جميع نقط النزاع المتقدمة الذكر طلباً ودفعاً (   ) . أما إذا كانت المحكمة قد عرضت ، تزيداً  فى بعض أسبابها ، إلى مسألة خارجة عن حدود النزاع المطروح عليها ، أو لم تكن بها حاجة إليها للفصل فى الدعوى ، فإن ما عرضت له من ذلك فى أسباب حكمها لا تكون له حجية الأمر المقضى

على أن أسباب الحكم التى لا تحوز حجية الأمر المقضى ، وهى التى لا تتصل اتصالاً وثيقاً بالمنطوق ، قد يتمسك بها الخصوم أنفسهم فى دعوى أخرى تالية ، وتكون من بين أدلة الإثبات التى يتقدمون بها ، فيقدر القاضى دلالتها كما يقدر أى دليل آخر

وقائع الدعوى :

 أما وقائع الدعوى فهى فى الأصل لا حجية لها فى دعوى أخرى . وإنما هى حجة بما جاء فيها فى نفس الدعوى إذا طعن فى الحكم بالنقض ، فتتقيد محكمة النقض بما أثبتته محكمة الموضوع من الوقائع ولا تستطيع أن تحيد عنها . ولا تبسط رقابتها إلى فى مسائل القانون .

ولكن قد تكمل بعض وقائع الدعوى منطوق الحكم بحيث يكون المنطوق ناقصاً بدونها ، فتكون للوقائع عندئذ حجية الأمر المقضى فيما تكمل فيه المنطوق . وقد قضت محكمة استئناف مصر بأنه إذا لم يوضح فى منطوق الحكم مقدار الشئ المحكوم به ، وكان هذا المقدار مبيناً فى عريضة افتتاح الدعوى وفى وقائع الحكم ، ولم ينازع فيه الخصم ، ولم تمس المحكمة من جهتها المقدار المذكور بأى نقصان ، فإنه فى هذه الحالة الخاصة يتعين اعتبار وقائع الحكم ومنطوقه مكونين فى هذه النقطة لمجموع واحد لا يتجرأ ، بحيث يكون للحكم فيما يختص بذلك المقدار حجية الأمر المقضى (   ) .

الشروط الواجب توافرها فى الحق المدعى به

 شروط ثلاثة : لا يكون للحكم حجية الأمر المقضى إلا إذا توافر أيضاً فى الحق المدعى به شروط ثلاثة :

( أولاً ) اتحاد الخصوم ( identite de personnes ) .

 

( ثانياً ) اتحاد المحل ( identite d\'objet ) .

 

( ثالثاً ) اتحاد السبب ( identite de cause ) .

وهذا هو ما نصت عليه المادة 405 من التقنين المدنى فيما قدمناه إذ تقول \" ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه الحجية إلا فى نزاع قام بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير فتهم ، وتعلق بذات الحق محلاً وسبباً (   ) \" .

اتحاد الخصوم

- الحكم حجة على الخصوم أنفسهم :

 

 لا يكون للحكم حجية إلا بالنسبة إلى الخصوم أنفسهم ، فالحكم كالعقد لا يسرى أثره إلا فى حق من كان طرفاً فيه ، ولا يمتد هذا الأثر إلى الغير . فإذا حصل المستأجر على حكم ضد المؤجر بتسليمه العين المؤجرة ، فإن هذا الحكم لا يكون حجة إلا على من كان خصماً فى الدعوى ، أى من المؤجر والمستأجر . أما غير هذين ، كالمشترى للعين المؤجرة ، فلا يكون الحكم حجة عليه ، وله بالرغم من هذا الحكم أن يرفع دعوى على المستأجر يطالبه فيها بالعين إذا لم يكن لعقد الإيجار تاريخ ثابت سابق على البيع . أما المؤجر ، وهو أحد الخصوم فى الحكم ، فلا يستطيع أن يرفع الدعوى من جديد على المستأجر ليطرح نفس النزاع الذى سبق أن فصل فيه الحكم 

ويرجع اشتراط اتحاد الخصوم فى حجية الأمر المقضى إلى مبدأ حياد القاضى الذى أسلفنا الإشارة إليه ، لا إلى الخشية من تعارض الأحكام . فقد كان يكفى لمنع تعارض الأحكام أن نشترط اتحاد المحل واتحاد السبب ، فيكون الحكم فى مسألة معينة حجة فى نفس المسألة متى اتحد المحل والسبب ، فيكون الحكم فى مسألة معينة حجة فى نفس المسألة متى اتحد المحل والسبب ، ويمتنع بذلك صدور حكم متعارض مع الحكم الأول . ولكننا اشترطنا أيضاً اتحاد الخصوم ، حتى إذا ما اختلف الخصوم لا يكون الحكم حجة ولو مع اتحاد المحل والسبب . ذلك بأن الخصوم فى الحكم الأول هم الذين تقدموا بإثبات ادعاءاتهم ودفوعهم بالطرق التى ارتأوها والتى كانت فى أيديهم ، والقاضى محايد فى كل ذلك ، يترك الخصوم إلى أنفسهم يقوم كل بما يستطيع القيام به لإثبات ما يدعيه . فلا يجوز أن يكون الحكم الذى يصدره فى هذا الجو المحايد حجة على خصوم آخرين لم يدخلوا فى الدعوى الأولى ، ولم يتمكنوا من تقدير ما بأيديهم من وسائل  لإثبات ما يدعون . والحقيقة القضائية ليست حقيقة مطلقة ، بل هى حقيقة نسبية كما سبق القول .

 وعلى الخصوم بنفس صفاتهم : 

والمراد باتحاد الخصوم هو اتحادهم قانوناً لا طبيعة . فإذا كان لأحد الخصوم نائب مثله فى الدعوى – وكيل أو وصى أو قيم أو سنديك أو غير ذلك (   ) - فالحك حجة على الأصيل لا على النائب . ولا تمنع هذه الحجية النائب من أن يعود إلى رفع الدعوى من جديد بصفته أصيلاً لا نائباً . فإذا طالب ب بحق ادعاه لابنه بصفته ولياً عليه ، فرفضت دعواه ، فإن هذا الحكم لا يمنع الأب من أن يعود إلى المطالبة بهذا الحق لنفسه هو بصفته أصيلاً (   ) . والحكم على سنديك بهذه الصفة ليس حجة عليه بصفته الشخصية (   ) . والحكم على مستحق فى الوقف ليس حجة على الوقف ذاته ، ولا مقاصة بين حق للوقف ودين على أحد  المستحقين (   ) . والحكم على خصم بصفته صاحب الحق المدعى به لا يكون حجة عليه إذا رفع الدعوى من جديد باعتباره متنازلاً له عن هذا الحق من صاحبه (   ) .

 وهو حجة على خلف الخصوم : 

وليس الحكم حجة على الخصوم وحدهم ، بل هو حجة أيضاً على خلف الخصم ، سواء كان الخلف عاماً أو خاصاً .

فهو حجة على الخلف العام

 وتكون له حجية الأمر المقضى بالنسبة إلى ورثة كل من الخصمين ، والموصى لهم بجزء من مجموع التركة . فهؤلاء يكونون محكوماً لهم أو محكوماً عليهم تبعاً لما إذا كان السلف هو الخصم الذى كسب الدعوى أو الخصم الذى خسرها . ولكنهم لا يكنون خلفاً عاماً إلا باعتبار أنهم يتلقون هذا الحق من مورثهم . فلو أن المورث باع عيناً واحتفظ بحيازتها وبحق الانتفاع فيها ، ثم رفع عليه المشترى دعوى يطلب الحكم فيها بصحة البيع ، فحكم له بذلك ، فإن هذا الحكم لا يكون حجة على الورثة الذين يتمسكون بأن البيع حقيقته وصية تزيد على الثلث ، مستندين فى ذلك إلى المادة 917 من التقنين المدنى . ذلك بأن الورثة ، وهم يطعنون فى البيع ، يستعملون حقاً خاصاً بهم لاحقاً تلقوه عن مورثهم ، فلا يكون الحكم الصادر فى مواجهة مورثهم حجة عليهم 

وهو حجة على الخلف الخاص

 ويشترط فى ذلك أن يكون الحكم متعلقاً بالعين التى انتقلت إلى الخلف الخاص ، وأن تكون الدعوى التى صدر فيها الحكم قد رفعت وسجلت صحيفتها قبل انتقال العين إلى الخلف الخاص (   ) . مثل ذلك أن يصدر حكم على مالك ارض بوجود حق ارتفاق على هذه الأرض ، وبعد رفع الدعوى وتسجيل صحيفتها ، يبيع المالك الأرض ، فيكون الحكم فى هذه الحالة حجة على المشترى لأنه الخلف الخاص للبائع (   ) . أما إذا كان تسجيل البيع سابقاً على تسجيل صحيفة الدعوى التى صدر فيها الحكم ، فلا يكون المشترى خلفاً خاصاً ، ولا يكون الحكم حجة عليه (   ) . وقد قضت محكمة النقض بأن الحم الصادر فى نزاع على ملكية عقار لا يكون نافذاً على من اشتروا وسجلوا عقدهم قبل رفع الدعوى التى صدر فيها هذا الحكم ، لأن من اشتروا قد أصبحوا بعد البيع ذوى حق خاص ، ولم يبق للبائع صفة فى المخاصمة بالنيابة عنهم بشأن هذا الحق ، وعلى ذلك فلا يكون للحكم الصادر فى دعوى تثبيت الملكية ضد البائع حجية الأمر المقضى بالنسبة إلى المشترى (   ) . وعلى العكس من ذلك ، إذا  وقع شخص دعوى استحقاق على المشترى دون إدخال البائع خصماً فى الدعوى وحكم للمدعى بالاستحقاق ، فإن هذا الحكم لا يكون حجة على البائع 

كما هو حجة على الدائنين

ويكون الحكم حجة أيضاً على دائني الخصم . فإذا صدر حكم علي شخص باستحقاق العين التي وضع يده عليها ، فإن هذا الحكم يكون حجة علي دائني هذا الشخص ، ومن ثم لا تعتبر العين مملوكة لمدينهم ، ولا يستطيعون التنفيذ عليها . ويستوي في ذلك أن تكون حقوق الدائنين تالية لرفع دعوي الاستحقاق أو سابقة عليها. كذلك إذا صدر الحكم في دعوي الاستحقاق لصالح المدين وقضي برفض دعوي المستحق ، فإن هذا الحكم يكون حجة للدائنين .وإذا كان المدين يمثل دائنه في الأحكام التي تصدر عليه أو له ، فإن الدائن علي العكس من ذلك لا يمثل المدين(   ) ويترتب علي ذلك أنه إذا رفع الدائن دعوي باسم مدينه ، مستعملا حق المدين وفقا للمادة 235 من التقنين المدني ، فإن الحكم الذي يصدر في هذه الدعوي لا يكون حجة علي المدين ما لم يكن قد أدخل في الدعوي ، وبذلك قضت المادة 235 سالفة الذكر إذ نصت علي أنه \" لا يشترط إعذار المدين لاستعمال حقه ، ولكن يجب إدخاله خصما في الدعوي \" . ولا يكون الحكم كذلك حجة علي الدائنين الآخرين إلا إذا أدخلهم المدعي عليه في الدعوي

علي أن تمثيل المدين لدائنه ، في الأحكام التي تصدر عليه ، لا يستقيم في جميع الأحوال . فهناك أحوال ثلاثة يكون الدائن فيها من الغير بالنسبة إلي الحكم الذي يصدر ضد المدين ، ولا يسري هذا الحكم في حقه :

( الحالة الأولي )

إذا تواطأ المدين مع خصمه في الدعوي التي صدر فيها الحكم ضده ، أو تعمد خسارة الدعوي إضراراً بدائنه ، أو أهمل إهمالا جسيما في الدفاع عن حقه . ففي هذه الحالة يحق للدائن أن يطلب اعتباره من الغير ، فلا يسري الحكم في حقه . وهذا ما يفعله الدائن أيضا في الدعوي البولصية عندما يطعن في التصرف الصادر من مدينة إضراراً بحقه . وهو إذا كان يلجأ في اعتبار التصرف غير سار في حقه إلي الدعوي البولصية ، فإنه يلجأ في اعتبار الحكم غير سار في حقه إلي اعتراض الخارج عن الخصومة ( tierce - opposition ) وتنص الفقرة الأولي من المادة 450 من تقنين المرافعات علي أنه \" يجوز لمن يعتبر الحكم الصادر في الدعوي حجة عليه ، ولم يكن قد أدخل أو تدخل فيها ، أن يعترض علي هذا الحكم بشرط إثبات غش من كان يمثله أو تواطئه أو إهمال الجسيم \" (   ) . وسنري فيما يلي أن الغير الذي لا يسري الحكم في حقه ، كالدائن المتضامين والمدين المتضامين ، يستطيع أيضاً أن يلجأ إلي اعتراض الخارج عن الخصومة (   ) . ولكن هناك فرقا جوهريا بين الدائن والغير . فالحكم الصادر ضد المدين يسري في حق الدائن ، إلي أن يتمكن هذا من إلغائه عن طريق اعتراض الخارج عن الخصومة ، وهو الطريق الوحيد المفتوح أمامه لتحقيق هذا الغرض أما الغير - والحكم لا يسري في حقه - يستطيع أن يتجاهل هذا الحكم دون أن يلجأ إلي اعتراض الخارج عن الخصومة ، ويستطيع أن يرفع دعوي مبتدأة دون أن يحتج عليه بالحكم فهو غير سار في حقه كما قدمنا

ويلاحظ أن الدائن ، عندما يطعن في الحكم الصادر ضد المدين باعتراض الخارج عن الخصومة ، إنما يستعمل حقا خاصا به جعله القانون لحمايته ، لا حقا مستمداً من المدين وهذا هو أيضا ما يفعل في الدعوي البولصية ، فهو يستعمل حقا خاصا به ، لا حقا مستمداً من المدين ، عندما يطعن في التصرف الصادر من هذا المدين .

( الحالة الثانية )

 إذ صدر حكم فيما بين المدين وأحد دائنيه بأن للدائن حق  امتياز أو حق أولوية من أي نوع كان . فإن هذا الحكم لا يكون حجة علي بقية الدائنين . ذلك أن التفاصيل ما بين الدائنين أمر يخص هؤلاء الدائنين وحدهم ، ولا يمثلهم فيه المدين . فالدائن الذي لا يدخل خصما في الدعوي لا يكون الحكم بتأخره عن دائن آخر حجة عليه  . بل إن الحكم بصحة الدين الصادر في مواجهة المدين لا يمنع دائنا آخر لنفس المدين من أن يطغي في هذا الدين بالصورية . والدائن ، وهو يتمسك بصحة الدين أو بحق الأولوية ، إنما يستعمل هنا أيضا حقا خاصا به ، لاحقا مستمداً من المدين 

( الحالة الثالثة )

 الدائن المرتهن لا يمثله المدين ، بالنسبة إلي العين المرهونة ، إذا كان حق الرهن قد أصبح نافذا في حق الغير قبل رفع الدعوي ، فإذا رفعت علي المدين دعوي باستحقاق العين المرهونة ، وكسب المدعي دعواه ، فإن الحكم الصادر باستحقاق العين المرهونة ، وكسب المدعي دعواه ، فإن الحكم الصادر باستحقاق العين لا يكون حجة علي الدائن المرتهن الذي قيد رهنه قبل تسجيل صحيفة دعوي الاستحقاق ، ما لم يكن هذا الدائن قد أدخل خصما في هذه الدعوي . ونري من ذلك أن الدائن المرتهن يعامل ، بالنسبة إلي العين المرهونة ، معاملة الخلف الخاص (   ) .

ولكنه ليس حجة علي الغير :

أما غير الخلف العام والخلف الخاص والدائن العادي ، فلا يكون الحكم حجة عليه ( Res inter alios ) (   ) .فالغيرية في الحكم لا تختلف في جوهرها عن الغيرية في العقد (   ) .

ومن الأمثلة علي الغير ، الذي لا يسري في حقه الحكم الصادر ضد المدين ، المالك في الشيوع ، والمدين المتضامن ، والدائن المتضامن ، والكفيل ، والوارث بالنسبة إلي سائر الورثة .

فلو صدر حكم ضد أحد الملاك في الشيوع ، فإن لا يكون حجة علي بقية الملاك في الشيوع الآخرين ما داموا لم يختصموا في الدعوي 

أما المدينون المتضامنون أو الدائنون المتضامنون ، والكفلاء ولو كانوا متضامنين ، فإن الحكم الصادر لمصلحة أحد منهم يفيد الباقي ، ولكن الحكم الصادر ضد أحد لا يكون حجة علي الباقين . وقد طبقت المادة 296  من التقنين المدني هذا المبدأ علي المدينين المتضامنين ، فنصت علي ما يأتي :

1 - إذا صدر حكم علي أحد المدينين المتضامنين ، فلا يحتج بهذا الحكم علي الباقين .

 2 - أما إذا صدر الحكم الصالح أحدهم ، فيستفيد منه الباقون ، إلا إذا كان الحكم مبنيا علي سبب خاص بالمدين الذي صدر الحكم لصالحه. والأصل في ذلك أن التضامن فيه معني النيابة فيما ينفع لا فيما يضر. وكالتضامن عدم قابلية الالتزام للتجزئة .

الورثة فلا يمثل بعضهم بعضا

 ولا يسري الحكم الصادر في مواجهة أحدهم في حق الباقي ، إلا إذا ثبت أن الوارث قد كان خصما في الدعوي باعتباره ممثلا للتركة . وقد قضت محكمة النقض بأن القاعدة الشرعية التي تقضي بأن الوارث ينتصب خصما عن باقي الورثة في الدعاوي التي ترفع من التركة أو عليها قد تكون صحيحة ممكنا الأخ بها لو أن الوارث الواحد كان قد خاصم أو خوصم في الدعوي طالباً الحكم للتركة نفسها بكل حقها أو مطلوبا في مواجهته الحكم علي التركة نفسها بكل ما عليها ، أما إذا كانت دعوي الوارث لم يكن مقصوده الأول منها سوي تبرئة ذمته من نصيبه في الدين ، ذلك النصيب المحدد المطلوب منه في الدعوي ، فإن الواحد أنه يعمل لنفسه فقط في حدود هذا النصيب المطلوب منه ولمصلحته الشخصية فقط في تلك الحدود ، لا لمصلحة عموم التركة كنائب شرعي عنها وقائم في الخصومة مقامها ومقام باقي الورثة  وقد قدمنا أن الغير لا يجبر علي الطعن في الحكم الصادر ضد المدين باعتراض الخارج عن الخصومة ، لأن ها الحكم ليس حجة عليه ولا يسري في حقه ، فهو في غير حاجة إلي مهاجمته . ولكنه مع ذلك يستطيع أن يستبق الحوادث وأن يهاجم هذا لحكم ، فيطعن فيه باعتراض الخارج عن الخصومة ، ويؤكد عن طريق القضاء أنه من الغير بالنسبة إليه فلا يجوز أن يسري في حقه . ولا يشترط لنجاح هذا الطعن إثبات التواطؤ أو الغش أو الإهمال الجسيم كما يشترط لك في نجاح طعن الدائن . وقد قضت الفقرة الثانية من المادة 450 من تقنين المرافعات بذلك إذ نصت علي ما يأتي : \" وكذلك يجوز للدائنين والمدينين المتضامنين وللدائنين والمدينين بالتزام غير قابل للتجزئة الاعتراض علي الحكم الصادر علي دائن أو مدين آخر منهم \" 

 بالنسبة إلي أشخاص لم يدخلوا . مثل الحالة الأولي أن يكون الشخص الذي دخل في الدعوي ليس خصما حقيقيا فيها(   ) . مثل الحالة الثانية أن يكون الحكم  شيئا لحالة مدنية ( etate civil ) ، كالحكم الصادر بتوقيع الحجر فأنه يكون حجية علي الناس كافة ، من دخل الدعوي ومن لم يدخل ، وسيأتي تفصيل ذلك .

اتحاد المحل

العبرة بما طلبه الخصم لا بما لم يطلبه أو بما احتفظ به : ولا يكون للحكم حجية الأمر المقضي إلا بالنسبة إلي المحل ذاته الذي سبق طلبه في الدعوي التي صدر فيها الحكم . فإذا رفعت دعوي جديدة بهذا المحل ذاته ، أمكن دفعها بحجية الأمر المقضي . ويترتب علي ذلك أن الحكم بتعويض عن ضرر يمنع من تجديد المطالبة بالتعويض عن نفس الضرر ، ولكنه لا يمنع من الحكم بتعويض آخر عن ضرر استجد من نفس العمل الضار. وإذا صدر حكم يقضي بصحة عقد إيجار ، فلا يجوز بعد ذلك للمؤجر أو للمستأجر أن يرفع الدعوي من جديد يناقش في حجة هذا العقد . أما إذا صدر للمؤجر باستحقاق الأجرة عن مدة معينة ، فإن هذا الحكم لا يجوز حجية الأمر المقضي بالنسبة إلي استحقاق الأجرة عن مدة أخري ، إذ محل الدعوي هنا يختلف عن المحل في الدعوي الأولي . وإذا قضي في حساب الدين عن مدة مضت ، فلا يجوز الرجوع إلي حساب الدين مرة أخري وإعادة تقدير ريع الأرض المرهونة والموازنة بين هذا الريع والفائدة عن المدة التي قضي في حسابها 

 ووحدة المحل تبقي قائمة ، أيا كانت التغيرات التي تصيب هذا المحل بعد ذلك من نقص أو زيادة أو تعديل 

والقاعدة في معرفة ما إذا كان محل الدعويين متحداً أن يتحقق القاضي من أن قضاءه في الدعوي الجديدة لا يعدو أن يكون مجرد تكرار للحكم السابق فلا تكون هناك فائدة منه ، أو أن يكون مناقضا للحكم السابق سواء بإقرار حق أنكره أو بإنكار حق أقره فيكون هناك حكمان متناقضان 

والعبرة بطلبات الخصوم التي فصل فيها الحكم . فإذا لم يطلب الخصم الحكم  علي المدين وكفيله المتضامن بالتضامن ، فإن الحكم الصادر باعتبار الكفيل غير متضامن لا يمنع من العودة إلي المطالبة بالتضامن ، فإن هذا طلب جديد لم يكن موضوعا للخصومة الأولي 

كذلك إذا حفظ المدعي لنفسه الحق في بعض الطلبات ، فالحكم فيما قدمه من الطلبات لا يمنعه من رفع دعوي جديدة للمطالبة بما احتفظ به من قبل . وقد قضت محكمة الاستئناف الأهلية بأنه إذا طلب المدعي الحكم برد العين المغصوبة ، وحفظ لنفسه الحق في طلب الريع بدعوي علي حدتها ، وحكم المحكمة له بالعين ولم تذكر شيئا من الريع ، وختمت الحكم بقولها \" ورفضت باقي الطلبات \" ، فلا يعتبر هذا الرفض ساريا علي طلب \" حفظ الحق \" وما منا من طلب الريع في المستقبل ، لأن هذا الحق محفوظ للمدعي دون أن تحكم له المحكمة بحفظه ، وتكون عبارة \" رفضت باقي الطلبات \" عبارة زائدة مكتوبة حسب العادة الجارية ولا تأثيرها وإذا حفظ الحكم الصادر في دعوي التملك لأحد الخصوم الحق في رفع الريع أو بالتعويض ، فذلك لا يعتبر فصلا في المسئولية عن الريع أو التعويض 

 الحكم في شيء حكم فيما يتفرع عنه : 

والحكم في شيء يعتبر حكما فيه وفيما يتفرغ عنه . فلا يجوز رفع الدعوي من جديد للمطالبة بما يتفرع عن شيء حكم برفضه .

ويترتب علي ذلك أنه إذا صدر حكم برفض الإدعاء بملكيه عين أو برفض الإدعاء بالدين ، فلا يجوز بعد ذلك رفع الدعوي من جديد للمطالبة بريع العين أو بفوائد الدين . وإذا صدر حكم ببطلان سند الدين ، فلا تجوز المطالبة بعد ذلك بقسط جديد غير القسط الذي صدر فيه الحكم السابق . وقد قضت محكمة النقض بأن المسألة الواحدة بعينها إذا كانت كلية شاملة ، وكان ثبوتها أو عدم ثبوتها هو الذي ترتب عليه القضاء بثبوت الحق الجزئي المطلوب في الدعوي أو بانتقائه ، فإن هذا القضاء يجوز حجية الأمر المقضي في تلك المسألة الكلية الشاملة بين الخصوم أنفسهم ، ويمنع الخصوم أنفسهم من التنازع بطريق الدعوي أو بطريق الدفع في شأن حق جزئي آخر متوقف ثبوته أو انتفاؤه علي ثبوت تلك المسألة الكلية السابق الفصل فيها بين الخصوم أنفسهم أو علي انتفائها 

 الحكم في الكل والحكم في الجزء :

 كذلك إذا كان الكل متكونا من أجزاء تعتبر ، بطبيعتها أو بطريق العادة ، غير متجزئة ، فالحكم في الكل حكم في الجزء ، والحكم في الجزء حكم في الكل .

فإذا حكم برفض دعوي الملك في أرض زراعية بما يتبعها من أبنية وآلات ومواسير ونحو ذلك ، فلا تجوز المطالبة بعد ذلك بملكية شيء من هذه الأشياء التابعة . والحكم بالدين حكم بكل قسط من أقساطه (   ) . والحكم بصحة بيع  حجة في بيع كل عنصر من عناصره

والحكم في جزء من التركة حجة في جميع أجزائها 

. وقد قضت محكمة استئناف مصر بأنه إذا كان المحكوم به جزءاً من كل ، وكان النزاع في ملك هذا الجزء مبنيا علي اعتبار أنه بعض من هذا الكل وعلي اعتبار أن هذا الكل مملوك للمدعي ، وكان الفصل في ملكية هذا الجزء يقتضي البحث في هذا الكل ، وفصلت المحكمة في منطوق حكمها في هذا الجزء فقط باعتبار أنه جزء من كل متنازع عليه بحثت فيه في أسباب حكمها فأن الحكم يتصل بالكل ويكسب بالنسبة إليه حجية الأمر المقضي ، بشرط أن يكون الخصوم قد تنازعوا في ذلك تنازعا جديا وتبادلوا بحثه بحثا دقيقا حقيقيا مقصوداً من جميع نواحيه حتي يكون الحكم الصادر حجة عليهم فيما جعلوا تبادل بحثهم دائراً عليه . فالحكم الصادر في النزاع في ملكية جزء من منزل ، إذ تناول بحث النزاع الخاص بملكية المنزل جميعه بالشرط المتقدم ، يجوز حجية الأمر المضي بالنسبة إلي ملكية المنزل جميعه.

ومع ذلك فإن الحكم في الكل لا يتضمن حتما الحكم في الجزء .

 فإذا صدر حكم برفض إدعاء الملكية في أرض ، لم يمنع ذلك من إدعاء الملكية في جزء شائع   في الأرض ، ما لم يكن الحكم السابق قد بت في أن المدعي لا يملك الأرض ولا أي جزء منها . والحكم برفض إدعاء الملكية لا يمنع من إدعاء حق ارتفاق أو حق انتفاع

كذلك الحكم في الجزء لا يتضمن حتما الحكم في الكل . فالحكم برفض إدعاء حق ارتفاق أو حق انتفاع لا يمنع من ادعاء الملكية كاملة . والحكم برفض الفوائد لا يمنع من المطالبة برأس المال

 الحكم في صفة عارضة :

 وإذا قضي الحكم في طلب ، وكان قضاؤه هذا يستلزم الفصل في صفة عارضة ( qualite simplement accidentelle ) للخصم ، فلا يكون الحكم حجة في دعوي أخري تثار فيها هذه الصفة من جديد . مثل ذك أن تقضي المحكمة التجارية باختصاصها بنظر نزاع بين شخصين ، علي أساس أن المدعي عليه تاجر . فصفة التاجر التي خلعها الحكم علي المدعي عليه – وهي صفة عارضة - لا تحوز حجية الأمر المقضي في دعوي أخري يطلب فيها نفس المدعي شهر إفلاس نفس المدعي عليه . وللمحكمة في الدعوي الثانية أن ترفض شهر الإفلاس ، علي أساس أن المدعي عليه ليس بتاجر (   ) .

 الحكم في الحالة المدنية :

 والحكم الذي يقر لأحد الخصوم حالة مدنية ( etat civil ) يخضع هو أيضا لحجية الأمر المقضي وما تصطبغ به هذه الحجية من النسبية ( caractere relative ) فلا يكون لهذا الحكم حجية إلا فيما بين الخصوم ، ولا تتعدي حجيته إلي الغير .

وقد كان القضاء الفرنسي إلي عهد قريب يذهب إلي أن هذا الحكم تكون له حجية مطلقة ( erga omnes ) ، فيسري في حق الناس كافة ، خصوما كانوا أو غير خصوم . فإذا خلع الحكم علي شخص صفة الأب أو الأبن أو الزوج أو المحجور أو الوصي أو غير ذلك من الصفات التي تتعلق بالحالة المدنية ، كان الحكم حجة علي جميع الناس في هذه الصفة . ذلك بأن الحالة المدنية لا تقبل التجزئة ( indivisible )ولا يجوز أن تبقي قلقة مضطربة يحتج بها علي بعض دون بعض  ولكن القضاء الفرنسي عدل أخيرا عن هذا الرأي في حكم له مشهور (   ) . وقرر أن الحكم في الحالة المدنية حجيته هو أيضا نسبية فيما بين الخصوم ، ولا تتعدي هذه الحجية إلي الغير 

عل أن هناك نوعا من الأحكام تأبي طبيعته إلا أن تكون له حجية مطلقة . وهذه هي الأحكام التي تنشيء الحالة المدنية ( jugements constiutifs detat ) ولا تقتصر علي الكشف عنها . فالحكم بالطلاق ، والحكم بإبطال الزواج ، والحكم بالحجر ، والحكم بتعيين وصي أو قيم ، كل هذه أحكام تنشيء حالة مدنية جديدة ، وهي بطبيعتها تسري في حق الناس كافة ، ولذلك يهييء لها القانون عادة أوضاعا معينة تكفل لها العلانية

وقد ذهب القضاء في مصر أيضا إلي أن الأحكام التي تنشيء الحالة المدنية تكون حجة علي الناس كافة

اتحاد السبب

 تحديد معني السبب : 

ويجب أخيرا ، حتي يكون للحكم حجية الأمر المقضي ، أن يتحد السبب . والسبب هو المصدر القانوني للحق المدعي به أو المنفعة القانونية المدعاة . وهو لا يعدو أن يكون الواقعة المراد إثباتها ، واقعة مادية ، أو تصرفا قانونيا ، وقد سبق بيان ذلك .

  فالمستأجر حين يطالب المؤجر بتسليم العين المؤجرة يكون السبب في دعواه هو عقد الإيجار فإذا رفضت دعواه علي هذا الأساس ، لم يجز له أن يعود إلي رفعها من جديد مستنداً إلي عقد الإيجار مرة أخري ، أي إلي نفس السبب الذي استند إليه في الدعوي السابقة ، وإلا دفعت دعواه بحجية الأمر المقضي . أما إذا رفع دعوي جديدة بتسليم العين ، ولكن استند في طلبه إلي سبب جديد ، كعقد بيع مثلا ، فإن الدعوي الجديدة لا يجوز دفعها بحجية الأمر المقضي لاختلاف السبب ، فقد كان في الدعوي الأولي إيجاراً وهو الدعوي الثانية بيع . كذلك إذا طالب شخص بتسليم عين بسبب الميراث ورفضت دعواه ، فإن هذا لا يمنعه من العودة إلي المطالبة بها بسبب الوصية وإذا رفضت الدعوي بملكية عين بسبب الشراء فلا مانع من المطالبة بها ثانية بسبب التقادم المكسب . بل لا يوجد ما يمنع من المطالبة بملكية العين ذاتها بسبب عقد بيع آخر غير عقد البيع الذي رفضت الدعوي الأولي علي أساسه ، فإن المماثلة بين السببين لا تمنع من ازدواجهما ، وحجية الأمر المقضي تقتضي أن يكون السبب التالي هو عين السبب الأول فلا يكفي أن مماثلا له 

 وإذا كان تعدد السبب يمنع من التمسك بحجية الأمر المقضي ، فمن باب أولي يكون تعدد كل من السبب والمحل مانعا من التمسك بهذه الحجيو . ويترتب علي ذلك أن الحكم الصادر في دعوي من دعاوي وضع اليد ( ireions possessoires ) لا يكون حجة في دعوي الملكية ( action petitoire ) ، ففي الدعوي الأولي المحل هو الحيازة والسبب هو وضع اليد مدة محدودة ، وفي الدعوي الثانية المحل هو الملكية والسبب هو وضع اليد مدة أطول أو سبب آخر غير وضع اليد

فلا بد إذن من الإبقاء علي شرط اتحاد السبب ، مع عدم التوسع فيه . فإذا تعدد السبب ، لم يجز التمسك بحجية الأمر المقضي ، حتي لو اتحد المحل . لكن إذا اتحد السبب - مع اتحاد المحل والخصوم - جاز التمسك بحجية الأمر المقضي ، حتي لو تعددت أدلة الإثبات علي هذا السبب الواحد ، أو تعددت الدعاوي التي تنشأ من هذا السبب الواحد 

 فيجب إذن مواجهة الحالات الآتية :

 ( 1 ) وحدة المحل مع تعدد السبب وهنا لا يجوز التمسك بحجية الأمر المقضي .

 ( 2 ) وحدة السبب مع تعد الأدلة ، وهذا لا يمنع من قيام حجية الأمر المقضي .

 ( 3 ) وحدة السبب مع تعدد الدعاوي ، وهذا أيضا لا يمنع من قيام حجية الأمر المقضي .

 وحدة المحل مع تعدد السبب :

 قد يتحد المحل في الدعويين ويتعدد السبب . وعند ذلك لا يكون للحكم الصادر في الدعوي الأولي حجية الأمر المقضي في الدعوي الثانية كما قدمنا ، إذ أنه بالرغم من توافر شرط اتحاد المحل قد اختل شرط اتحاد السبب . وأكثر ما يتحد المحل ويتعدد السبب في العمل يقع في أحوال أربع : 

( 1 ) يكون المحل المتحد هو بطلان العقد وتتعدد أسباب البطلان .

 ( 2 ) يكون المحل المتحد هو انقضاء الالتزام وتتعدد أسباب الانقضاء .

 ( 3 ) يكون المحل المتحد هو حق الملكية وتتعد أسباب كسبها . 

( 4 ) يكون المحل المتحد هو قيام التزام وتتعدد مصادره .

فقد يطالب شخص ببطلان عقد ، ويجعل سبب البطلان عيبا في الشكل أو عيبا في الرضاء أو نقصا في الأهلية أو خللا في المحل أو خللا في السبب . فهذه جملة من الأسباب الرئيسية للبطلان ، إذا تمسك بسبب منها ورفضت دعواه ، لم يمنعه ذلك من رفع دعوي جديدة يتمسك فيها بسبب آخر . فإذا تمسك بعيب في الشكل وقضي بصحة الشكل ، جاز أن يتمسك بعيب في الرضاء وإذا تمسك بخلل في المحل ، لم يمنعه الحكم برفض دعواه من رفع دعوي جديدة يتمسك فيها بخلل في السبب . علي أنه لا تجوز المبالغة ، كما قدمنا ، في تنويع السبب الرئيسي الواحد من أسباب البطلان ، وإلا فقدت حجية الأمر المقضي قيمتها ولم تمنع من تأييد الخصومات . فالعيب في الشكل لا يتعدد سببه ، مهما تعددت صور هذا العيب والعيب في الرضاء لا يتعدد ، أيا كان هذا العيب غلطا وتدليسا أو إكراها ونقص الأهلية لا يتعدد ، أيا كان السبب الذي يرجع إليه نقص الأهلية قصراً أو سفها أو غفلة أو عتها . وهكذا قل عن سائر الأسباب الرئيسية للبطلان . فإذا طعن شخص ببطلان عقد للتدليس ورفضت دعواه ، لم يجز له أن يعود في دعوي جديدة يطعن في العقد بالإكراه . والضابط لوحدة السبب في البطلان هو ، فيما نري أن يكون هناك سبب رئيسي واحد ، إذا انقسم إلي أسباب فرعية فإن كل سبب منها يستدعي السبب الآخر ، بحيث ترتسم كل هذه الأسباب الفرعية في مخيلة الخصم مندمجة في هذا السبب الرئيسي ، فلا يفكر في واحد منها دون أن يفكر في الباقي ، فتتحقق وحدة السبب في هذا السبب الرئيسي . وهو يستغرق كل الأسباب الفرعية التي تندمج فيه ، فلا يتعدد السبب بتعددها ، ويكون الحكم في أي سبب منها حكما في الباقي ومن ثم إذا طعن الخصم في العقد بالغلط دون غيره من عيوب الرضاء ،فالحكم برفض دعواه للغلط حكم برفض الدعوي للتدليس وللإكراه ، ذلك بأنه عند ما طعن في العقد بالغلط لابد أن يكون قد استعرض بطريق التداعي التدليس والإكراه فاستبعدهما واقتصر علي الغلط . إذ الطعن في العقد بالغلط ينفي الطعن فيه بالتدليس ، فالتدليس غلط وقع فيه الخصم بسبب طرق احتيالية استعملت ضده ، وما دام لا يطعن في العقد إلا بالغلط فهو ينفي ضمنا أن هناك طرقا احتيالية أوقعته في هذا الغلط . كذلك الطعن في العقد بالغلط ينفي الطعن فيه بالإكراه ، لأن دعوي الغلط تفترض وقوع الخصم في وهم من غير علم بالواقع ، فهي لا تتفق مع دعوي الغلط تفترض خضوع الخصم للتعاقد عن علم بالواقع . ونري من ذلك كيف أن الغلط والتدليس والإكراه عيوب فرعية ، يستدعي كل عيب منها العيب الآخر ، وترتسم جميعا في مخيلة الخصم مندمجة في سبب رئيسي واحد . فإذا اقتصر الخصم علي عيب منها ، فإنه بذلك يكون قد استبعد العيبين الآخرين . علي أنه قد يحدث أن يطعن الخصم في العقد بالغلط ، جاهلا وقت الطعن أنه إنما وقع في هذا الغلط بسبب طرق احتيالية نصبها له خصمه . فإذا كشف ، بعد صدور الحكم برفض دعواه للغلط ، عن هذه الطرق الاحتيالة ، جاز له أن يرفع دعوي جديدة بالتدليس ، علي أن يثبت أنه لم يكشف عن هذا التدليس إلا بعد صدور الحكم في دعوي الغلط . كذلك يجوز أن يكون قد أكره علي جانب من العقد وغلط في جانب آخر ، فرفع دعوي الإكراه قبل أن يكشف عن غلطه . فإذا صدر حكم في دعوي الإكراه ، فإن هذا لا يمنعه من أن يرفع دعوي الغلط ، علي أن يثبت أنه لم يكشف عن هذا الغلط إلا بعد صدور الحكم في دعوي الإكراه

 وقد يطالب شخص بانقضاء التزام ، ويجعل سبب الانقضاء الوفاء أو المقاصة الإبراء أو التقادم أو غير ذلك من أسباب انقضاء الالتزام . فإذا تمسك بالوفاء جاز له أن يتمسك بعد ذلك بالمقاصة ، أو تمسك بالإبراء جاز له أن يتمسك بعد ذلك بالتقادم ، وهكذا فلا يوجد ترتيب خاص للتمسك بأسباب الانقضاء أو بأسباب البطلان ، إلا ما يقتضيه حسن الدفاع من الناحية الواقعية لا من الناحية القانونية . فيجوز التمسك بسبب من أسباب البطلان قبل التمسك بسبب من أسباب الانقضاء . كما يجوز التمسك بسبب من أسباب الانقضاء قبل التمسك بسبب من أسباب البطلان . كما يجوز أخيراً التمسك بأي سبب من أسباب البطلان أو الانقضاء قبل التمسك بسبب آخر منها . ويترتب علي ذلك أنه يجوز التمسك بالغلط ثم بالمقاصة ، أو التمسك بالمقاصة ثم بالغلط ، أو التمسك بالتدليس ثم بعدم مشروعية السبب ، أو التمسك بالتجديد ثم باتحاد الذمة . ولا يوجد مانع قانوني من التمسك مثلا بالوفاء ثم بالإبراء ، إلا أن مركز من يتمسك بالوفاء أولا ثم يتمسك بالإبراء بعد ذلك يكون ضعيفا من الناحية الواقعية لما بين الدعويين من تعارض 

وقد يطالب شخص بملكية عين ، ويجعل سبب الملكية هو العقد أو الوصية أو الشفعة أو التقادم أو غير ذلك من أسباب كسب الملكية . فإذا تمسك بالعقد ، جاز له أن يتمسك بعد ذلك بالوصية . وإذا تمسك بالتقادم ، جاز له أن يتمسك بعد ذلك بالشفعة 

وقد يطالب شخص آخر بالتزام قام في ذمته ، ويجعل مصدر هذا الالتزام العقد أو العمل غير المشروع أو الإثراء بلا سبب أو غير ذلك من مصادر الالتزام . فإذا تمسك بالعقد ، جاز له أن يتمسك بعد ذلك بالعمل غير المشروع . وإذا تمسك بالإثراء بلا سبب ، جاز له أن يتمسك بعد ذلك بالعقد . وإذا تمسك بالعمل غير المشروع ، جاز له أن يتمسك بعد ذلك بالإثراء بلا سبب . ونري ، جريا علي الخطة التي نسير عليها ، أن العمل غير المشروع ، بل المسئولية في مجموعها ، سبب رئيسي واحد لا يتعدد بتعدد أنواع المسئولية . فرفض دعوي المسئولية عن عمل معين يمنع من رفع دعوي جديدة بالمسئولية عن نفس العمل ، ولو كيفت المسئولية في الدعوي الأولي بأنها مسئولية عقدية وفي الدعوي الثانية بأنها مسئولية تقصيرية ، ومن باب أولي لو كيفت في الدعوي الأولي بأنها مسئولية تقصيرية قائمة علي خطأ ثابت وفي الدعوي الثانية بأنها مسئولية تقصيرية قائمة علي خطأ مفروض . ففي كل هذه الأحوال ، السبب الرئيسي الذي يجب الوقوف عنده هو العمل الذي نشأت عنه المسئولية ، عقدية كانت أو تقصيرية ، وهذا العمل هو لم يتغير في جميع الصور المتقدمة 

 وحدة السبب مع تعدد الأدلة : وقد يتحد السبب وتتعدد عليه الأدلة . فيكون السبب في هذه الحالة واحداً ، مهما تعددت أدلته ، واقعية  كانت هذه الأدلة أو قانونية . وعند ذلك يكون للحكم الصادر في الدعوي الأولي حجية الأمر المقضي في دعوي أخري ، عاد فيها الخصم إلي نفس السبب ، ولكن ليقيم عليه دليلا آخر ، فلا يقبل منه ذلك 

وقد رأينا فيما قدمناه عن دعوي المسئولية تطبيقا لهذه القاعدة . فالسبب في هذه الدعوي هو – كما قدمنا - العمل الذي نشأت عنه المسئولية ، وهو واحد لا يتعدد ، وإنما تتعدد أدلته ( moyens ) فتارة تستند المسئولية إلي العقد ، وطوراً إلي الخطأ الثابت ، وثالثة إلي الخطأ المفروض ، وليست هذه كلها إلا أدلة متعددة لسبب واحد هو قيام المسئولية . ففي دعوي المسئولية إذن السبب هو قيام المسئولية ، والمحل هو التعويض .

ومن ادعي التخلص من دين بالوفاء ، وأراد أن يقدم علي ذلك بينة حكم بعدم جواز سماعها ، وقضي عليه بالدين ، لا يجوز له بعد ذلك أن يرفع دعوي جديدة متمسكا بالسبب نفسه وهو الوفاء ، وإن قدم عليه هذه المرة دليلا مكتوبا كمخالصة بالدين . ذلك أن السب هنا – وهو الوفاء - لم يتغير ، وأن تغير الدليل عليه من بينة إلي ورقة مكتوبة . علي أنه إذا رفع الدائن دعوي بالدين ، ولم يدفع المدين بالوفاء فقضي بالدين ، ولم يتناول الحكم إلا البحث في وجوده ولم يعرض للوفاء به ، فإن هذا الحكم لا يجوز حجية الأمر المقضي بالنسبة إلي الوفاء . ومن ثم يجوز للمدين ، إذا عثر بعد ذلك علي مخالصة بالدين ، أن يرفع دعوي جديدة يطالب فيها الدائن برد ما دفع اليه دون حق أما إذا دفع المدين بالوفاء ، وعرض الحكم لهذا الدفع وقضي برفضه ، فإن هذا الحكم يحوز حجية الأمر المقضي بالنسبة إلي الوفاء أيضا ، ولا يجوز للمدين إذا عثر بعد ذلك علي مخالصة بالدين رفع دعوي جديدة باسترداد ما دفع دون حق 

 وإذا ادعي شخص ملكية عين بسبب الشراء مستنداً إلي ورقة مكتوبة لإثبات عقد البيع له ، فرفضت دعواه ، لم يجز أن يرفع دعوي جديدة ليثبت صحة البيع بورقة أخري أو بالبينة ولو كانت قيمة العين تجيزها ، وذلك بأن سبب الملكية – وهو عقد البيع - لم يختلف ، بل الاختلاف هو في أدلة الإثبات ، وهذا لا يجيز تجديد المنازعة (   ) .

 وحدة السبب مع تعدد الدعاوي : 

وقد ينشأ عن السبب المواحد دعويان لصاحب الشأن الحق في اختيار إحداهما ، فإذا اختار واحدة ورفض طلبه فيها كان للحكم بالرفض حجية الأمر المقضي بالنسبة إلي الدعوي الأخري ، فتكون هذه غير مقبولة إذا رفعت

مثل ذلك الاستغلال . فقد قضت المادة 129 من التقنين المدني بأن المتعاقد المغبون الذي استغله المتعاقد للقاضي له أن يطلب إبطال العقد أو إنقاص التزاماته ، فإذا اختار إبطال العقد ، وحكم برفض دعواه ، فإن هذا الحكم يجوز حجية الأمر المقضي في دعوي جديدة يرفعها المتعاقد ويطلب فيها إنقاص التزاماته . ذلك بأن الحكم بالرفض قد استنفد السبب المشترك للدعويين معا ، وهو الاستغلال والعكس صحيح ، فإذا رفضت دعوي إنقاص التزاماته ، لم يجز سماع دعوي الإبطال .

ومثل ذلك أيضا ما نصت عليه المادة 438 من التقنين المدني من أنه \" إذا نقصت قيمة المبيع قبل التسليم لتلف أصابه ، جاز للمشتري إما أن يطلب فسخ البيع إذا كان النقص جسيما بحيث لو طرأ قبل العقد لما تم البيع ، وإما أن يبقي البيع مع إنقاص الثمن \" . فهنا أيضا إذا خسر المشتري دعواه في إنقاص الثمن ، كان الحكم حجة تمنع من قبول دعوي الفسخ . أما إذا خسر دعوي الفسخ لعدم وصول النقص في المبيع إلي الحد المطلوب من المسألة ، فإن هذا لا يمنع من رفع دعوي إنقاص الثمن (   ) .

كذلك إذا خسر مدعي الاستحقاق دعواه في استحقاق نصيب شائع ، كان الحكم حجه تمنعه من أن يرفع دعوي القسمة في نفس العين الشائعة ، إذ أن سبب الاستحقاق هو نفس سبب القسمة - وهو ملكية النصيب الشائع - فإذا استنفد هذا السبب في دعوي الاستحقاق ، فقد استنفده أيضا في دعوي (   ) .

 

ويلاحظ في الأمثلة المتقدمة أن المحل في الدعويين مختلف ففي الاستغلال ، محل الدعوي الأولي هو إبطال العقد ، بينما المحل في الدعوي الأخري هو إنقاص الثمن . وفي التلف الجزئي للمبيع ، محل الدعوي الأولي هو فسخ العقد ، ومحل الدعوي الأخري هو إنقاص الثمن . وفي ملكية النصيب الشائع ، محل الدعوي الأولي هو استحقاق هذا النصيب ، ومحل الدعوي الأخري هو قسمة العين الشائعة . ومع ان المحل مختلف ، فإن الحكم في الدعوي الأولي حجة في الدعوي الأخري كما رأينا . ويمكن تعليل ذلك بأن الحكم الذي رفض الدعوي الأولي تضمن رفض الدعوي الأخري ، إذ استنفذ السبب المشترك للدعويين كما سبق القول ، فيكون للحكم حجية ، لا باعتباره قد فصل صراحة في الدعوي الأولي ، بل باعتباره قد فصل ضمنا في الدعوي الأخري .

حجية الأمر المقضى فيه مسألة قانونية هامة من حيث الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها ولحجية الأمر المقضى فيه ونتناوله لوجوب التفرقة بين القضايا والدعاوى من حيث حجية السبب والموضوع والخصوم مع العلم من وجوب توافر الثلاث أركان مجتمعة فاذا انتفى أحدهم فلا حجية للحكم على الدعوى الجديدة ، وسنتبين أجزاء الحكم التى تثبت لها الحجية منطوقا وأسبابا

خاتمة – فكرتان رئيسيتان في حجية الأمر المقضي :

 

 وبعد فإن هناك فكرتين رئيسيتين تنتظمان كل ما قدمناه من شروط في حجية الأمر المقضي 

الفكرة الأولي هي ضرورة حسم النزاع ووضع حد تنتهي عنده الخصومات . فما دام قد صدر في النزاع حكم قضائي قطعي ، فإنه يجوز حجية الأمر المقضي في منطوقة لا في أسبابه ، وذلك حتي نقف بالتقاضي عند حد معقول ، فلا يتكرر النزاع مرة بعد أخري دون أن يحسم وهذه الفكرة الرئيسية الأولي هي التي تنتظم الشروط الواجب توافرها في الحكم .

والفكرة الثانية هي الحيلولة دون التناقض في الأحكام مع مراعاة النسبية في الحقيقة القضائية . فما دام الحكم قد صدر ما بين نفس الخصوم ، وفي ذات  المحل ، ولعين السبب ، فالتقاضي مرة أخري يؤدي إلي حكم ، إن اتفق مع الحكم الأول فلا حاجة لنا به ، وإن خالفه وقعنا فيما نخشاه من التناقض . وهذه الفكرة الرئيسية الثانية هي التي تنتظم الشروط الواجب توافرها في الحق المدعي به .

ثانيا : محل الاثبات وعبء الاثبات

 

يتناول هذا البحث محل الاثبات في الدعاوى القضائية وعلى من عبء الاثبات هذا بحيث التفرقة ما بين مصدر الحق الذى يكون محلا للإثبات وبين الحق ذاته ، مثال ذلك أن مصدر الحق في البيع هو العقد وهو الذى يكون محل الاثبات فهو الذى انشأ الحقوق المترتبة على البيع ومن ثم فمصدر الحق محل الاثبات قد يكون واقعة قانونية وقد يكون تصرفا قانونيا ، وهذا المقال هو الجزء الأول من مسائل الاثبات حيث يتناول مسألتين من مسائل الاثبات هما محل الاثبات وعبء الاثبات وفى مقال تالي سنتناول المسألة الثالثة والأخيرة لأهميتها وهى طرق الاثبات المقررة قانونا ، ومعظم الدول العربية لا يختلف الاثبات فيها عن الاثبات فى القانون المدنى المصرى  ، ومثال ذلك الاثبات في القانون المدني الكويتي ، الاثبات في القانون المدني التونسي  ، الاثبات في القانون المدني الجزائري ، الاثبات في القانون المدني المغربي ، الاثبات في القانون الاماراتى ، فكل هذه القوانين مأخوذة من رحب القانون المصرى

أولا ـ محــل الإثبـــات

            ا ـ ما هو محل الإثبات :

 

            ـ محل الاثبات هو مصدر الحق وليس الحق ذاته : قدمنا ان محل الإثبات ليس هو الحق المدعى به ، شخصياً كان هذا الحق أو عينياً ، بل هو المصدر الذى ينشئ هذا الحق .

 

  والمصادر التى تنشئ الحقوق ، أيا كانت ، لا تعدو أن تكون إما تصرفاً قانونياً(acte juridique) وإما واقعة قانونية (fait juridique) على النحو الذى بيناه فيما تقدم .

 

            بل هو مصدر أية رابطة قانونية : والمدعى به لا يقتصر على أن يكون قيام حق ، بل قد يكون انقضاء هذا الحق ، مثل ذلك أن يرفع شخص على آخر دعوى بدين وثبت وجوده ، فيدفع المدعى عليه الدعوى بانقضاء الدين ، ففى هذا الدفع يصبح المدعى عليه مدعيا ويقع عليه عبئ إثبات انقضاء الدين . ومثل ذلك أيضاً أن يرفع شخص على مالك عقار دعوى ثبوت حق انتفاع له على هذا العقار أو حق ارتفاق وثبت هذا الحق ، فيدفع المدعى عليه الدعوى بانقضاء حق الانتفاع أو حق  الارتفاق . وفى جميع هذه الأحوال يكون المدعى به فى الدفع ليس وجود الحق ، شخصيا كان أو عينياً ، بل زواله . وزوال الحق كوجوده يرجع إما إلى تصرف قانونى وغما إلى واقعة قانونية فمحل الإثبات هنا أيضاً هو التصرف القانونى أو الواقعة القانونية .

 

            وقد يكون المدعى به ليس وجود حق أو زواله ، بل وصفاً قانونيا يلحق وجود الحق أو زواله ، أى يلحق التصرف القانونى أو الواقعة القانونية . أما ما يلحق الواقعة القانونية فمثله أن تكون الواقعة المتمسك بها عملا غير مشروع ثم توصف بأن الدافع لارتكابها هو الدفاع الشرعى عن النفس ، فهذا الوصف أيضاً هو واقعة قانونية يجب إثباته على النحو الذى تثبت به الواقعة القانونية الأصلية . وأما ما يلحق بالتصرف القانونى ـ غير الأوصاف المعروفة المعدلة لآثار الالتزام ـ فمثله أن يكون التصرف عقدا ويتمسك الخصم بأنه باطل أو بأنه قابل للابطال أو بأنه قد فسخ . وأسباب البطلان منها ما يرجع للتراضى ومنها ما يرجع للمحل ومنها ما يرجع للسبب ، وهذه كلها جزء من التصرف القانونى تثبت على النحو الذى يثبت به . وأسباب القابلية للإبطال منها ما يرجع للأهلية ومنها ما يرجع لعيوب الإرادة من غلط وتدليس واكراه واستغلال ، وهذه كلها وقائع قانونية تثبت على النحو الذى تثبت به الواقعة القانونية . وأسباب الفسخ قد تكون تصرفاً قانونياً بأن يختار العاقد فسخ العقد بارادته ، وقد تكون واقعة قانونية بألا يقوم العاقد بتنفيذ التزامه فى عقد ملزم للجانبين.

 

            ـ محل الاثبات ليس إلا التصرف القانونى أو الواقعة القانونية : ويتبين من ذلك كله أن محل الإثبات لا يعدو أن يكونتصرفاً قانونياً أو واقعة قانونية . فالى هذين مرد نشوء الحق وزواله وتعديله واوصافه القانونية . بل إلى هذين مرد كل الروابط القانونية ، أيا كانت هذه الروابط .

 

            ومن ثم لا معدى لمن يقوم بالإثبات من أن يثبت أحد أمرين . إما تصرفاً قانونياً أو واقعة قانونية . ومتى أثبت ذلك ، كان على القاضى أن يستخلص مما ثبت ما يرتب القانون عليه من الآثار .

 

 ـ عنصرا الادعاء ـ الواقع والقانون : فالادعاء بحق أو بأية رابطة قانونية أما القضاء ينقسم إذن إلى عنصرين :

 

 (1) عنصر الواقع ، وهو مصدر الحق المدعى به ، أى التصرف القانونى أو الواقعة القانونية التى أنشأت هذا الحق . وهذا العنصر هو وحده الذى يطالب المدعى باثباته . والإثبات هنا يتناول مسائل موضوعية لا رقابة لمحكمة النقض عليها ، إلا فيما يرسمه القانون من قواعد قانونية للإثبات يلتزم القاضى بتطبيقها وفى السماح للخصوم باثبات هذه المسائل . فمثلا إذا رفع المشترى على البائع دعوى بتثبيت ملكيته للعقار الذى اشتراه ، فان ثبوت عقد البيع مسألة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض ، ولكن وجوب غثبات البيع إذا زادت قيمته على عشرة جنيهات بالكتابة أو بما يقوم مقامها مسألة قانونية تخضع لهذه الرقابة .

 

 (2) عنصر القانون ، وهو استخلاص الحق من مصدره بعد أن يثبت الخصم هذا المصدر ، أى تطبيق القانون على ما ثبت لدى القاضى من الواقع . وهذا من عمل القاضى وحده ، لا يكلف الخصم إثباته , فالقانون لا يكلف أحداً هذا الإثبات ، بل على القاضى أن يبحث من تلقاء نفسه عن القواعد القانونية الواجبة التطبيق على ماثبت عنده من الواقع فيطبقها . وهو فى تطبيقها يخضع لرقابة محكمة النقض( ) ففى المثل المتقدم ن بعد إثبات عقد البيع بالكتابة ، يكون على القاضى أن يستخلص منه التزاماً فى ذمة البائع بنقل ملكية العقار المبيع للمشترى ، وعلى القاضى أن يستخلص أيضاً أن الملكية لا تنتقل فعلا إلى المشترى إلا بتسجيل عقد البيع . وكل هذه مسائل قانونية يقضى بها دون أن يكلف أحداً من الخصمين باثباتها ، فهى ليست محلا للاثبات إذ المفروض أن القاضى هو  $50 أول من يعلم القانون وقد ناطت الدولة به تطبيقه . بل إن القاضى لا يستطيع أن يمتنع عن القضاء بحجة أنه لا توجد أحكام قانونية يمكن تطبيقها ، وإن امتنع عد امتناعه نكولا عن أداء العدالة (deni de justice) .

 

تفسير القانون يلحق بعنصر القانون ، ويقع عبؤه على القاضى لا على الخصم :

 

 وقد يقع أن تكون أحكام القانون غامضة ، فنكون فى حاجة إلى التفسير . وعلى القاضى أيضاً يقع عبء هذا التفسير لا على الخصم . فالقاضى هو المنوط به تفسير القانون وتطبيقه تطبيقاً صحيحاً على الواقع الذى ثبت أمامه بالطرق القانونية . وإذا كان الخصم يجتهد فى أن يقنع القاضى بتفسير للقانون يكون فى مصلحته ، فليس هذا من جهة الخصم إثباتاً لأحكام القانون ، بل هى محاولة يبذلها لحمل القاضى على أن يفهم القانون الفهم الذى يتفق مع مصحلته . وهى محاولة لم يكلف القانون الخصم بها ، ولم يرسم لها طرقاً معينة كما رسم لإثبات الواقع . وهى بعد محاولة قد تنجح وقد تفشل ، وللقاضى فيها القول الفصل . وآية ذلك أن القاضى فى تفسير القانون يستطيع أن يحكم بعلمه ، وهو لا يستطيع ذلك فى إثبات الواقع . بل هو فى القانون وفى تفسيره لا يحكم إلا بعلمه ، وهذا العلم هو مصدره الوحيد لمعرفة القانون . وغنى عن البيان أنه يستعين فى تحصيل هذا العلم بمراجعة نصوص القانون ، وما وضعه الفقه من شرح لهذه النصوص ، وما قرره القضاء من مبادئ فى تطبيقها . ولكنه فى النهاية يعتمد على فهمه الشخصى لأحكام القانون ، لا يقيده فى ذلك فقه مبسوط أو قضاء سابق . وإنما يكون فى هذا الفهم الشخصى خاضعاً لرقابة المحكمة العليا ، فتعقب على قضائه فيما ترى التعقيب عليه

 

متى يصبح القانون مسألة موضوعية يتعين على الخصم اثباته ـ العادة الاتفاقية والقانون الاجنبى : على أن القانون يصبح مسألة موضوعية ، فيتعين على الخصم إثباته ، ولا يخضع القاضى فى تطبيقه لرقابة محكمة النقض ، فى موضعين :

 

( أولا ) إذا كانت هناك قاعدة تقوم على العادة الاتفاقية (usage conventionnel

 

وتعتبر شرطاً مفترضاً فى العقد لا حاجة إلى التصريح به فتصبح القاعدة فى هذه الحالة شرطاً من شروط العقد ، شأنها فى الإثبات شأن سائر شروط العقد يتعين على من يتمسك بها أن يقوم باثباتها . فاذا سلم بها الخصم الآخر لما استفاض من شهرتها العامة (notoriete publique) ، أخذ بها القاضى كمسألة موضوعية ثابتة . وإن نازع الخصم فيها ، كان على ذى المصلحة من الخصوم أن يثبتها ، ويكون ذلك بجميع الطرق ولو بالبينة أو بقول أهل العلم بها ( ) . ذلك أن هذا القاعدة ، وإن كانت تدخل ضمن قانون العقد ، إلا أنها تصبح مسألة واقع لا مسألة قانون ، إذ ترد فى النهاية إلى إرادة المتعاقدين المفترضة ، فهما قد ارتضيا فرضاً ما ألفته الناس فى التعامل من الشروط ( ) .

 

            ثم إن المراد إثباته هنا ليس هو أن المتعاقدين قد ارتضيا القاعدة شرطاً من شروط العقد ، فان التراضى على ذلك مفروغ منه بحكم أن القاعدة تقوم على العادة التى ألفتها الناس فى التعامل ، وإلا لوجب أن يكون إثباتها بالكتابة فيما يجب إثبات التصرف القانونى فيه بهذه الطريقة . ولكن الإثبات ينصب فى هذه الحالة على مجرد وجود العادة الاتفاقية وقيامها المادى (sa materialite) ، وهذه $52  واقعة مادية تثبت بجميع الطرق كما قدمنا . ويخلص من ذلك أن التعرف على القاعدة التى تقوم على العادة الاتفاقية لا يخضع لرقابة محكمة النقض ، بل يصبح مسألة واقع لا تعقيب فيها على محكمة الموضوع .

 

            وهذا بخلاف القاعدة القانونية التى يكون مصدرها العرف (coutume) لا العادة (usage) ، فهذه مسألة قانون تخضع لرقابة محكمة النقض , وقد عارض بارتان  بين العادة والعرف من حيث الإثبات . فالعادة ، على ما عرفت ، عنصر من عناصر الواقع ، يتمسك بها الخصم فعليه إثباتها ، كما يفعل فى سائر شروط العقد الصريحة أو الضمنية . أما العرف فقاعدة قانونية . شأنها فى الإثبات شأن القواعد القانوينة التى يكون مصردها التشريع . وليست القاعدة القانونية التى تقوم على العرف فى حاجة إلى الإثبات أكثر من حاجة القاعدة القانونية التى تقوم على التشريع . كلتا القاعدتين قانون واجب التطبيق (opinion juris vel necessitates) يتعين على القاضى البحث عنه من تلقاء نفسه لتطبيقه ، دون حاجاة إلى إثباته من جانب الخصوم( ) .

 

 (ثانياً) إذا كان القانون الطبق قانوناً أجنبياً بمقتضى قاعدة من قواعد الإسناد .

 

مثل ذلك أن يطبق القاضى القانون الفرنسى فى الحكم بصحة عقد زواج فرنسى بفرنسية . فهنا توجد مسألتان : 

 

(1) مسألة قانون ، هى قاعد افسناد التى تقضى بالرجوع فى الشروط الموضوعية لصحة الزواج إلى قانون كل من الزوجين ، وهى جزء من نصوص التقنين المدنى المصرى (م 12 من التقنين المدنى الجديد) ، ويخضع القاضى فى تطبيقها لرقابة محكمة النقض . 

 

(2) ومسألة واقع ، هى أحكام القانون الفرنسى (وهو قانون كل من الزوجين) الخاصة بصحة الزواج ، وهذه تكون محلا للإثبات ، ويكلف الخصم ذو المصلحة إثباتها ، ومتى ثبتت وأخذ بها القاضى فإنه لا يكون خاضعاً لرقابة محكمة النقض فى التعرف على أحكام القانون الأجنبى . وهنا أيضاً نرى أن القانون ـ القانون الأجنبى ـ يصبح مسألة موضوعية يتعين على الخصم إثباته ، ويعتبر فى هذه الحالة واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ، ويدخل فى ذلك رأى أهل العلم بالقانون الأجنبى والنصوص الرسمية لهذا القانون وما يقترن بهذه النصوص من تفسير فقهى وقضائى .

 

            وعلى هذا جرى القضاء المصرى  مقتدياً فى ذلك بالقضاء الفرنسى  والفقه فى فرنسا منقسم فى هذه المسألة . فريق يؤيد القضاء الفرنسى لأسباب ترجع فى الغلب إلى اعتبارات عملية إذ لا يتيسر للقاضى فى كثير من الأحوال أن يلم بالقانون الأجنبى( ) . وفريق آخر يعارض القضاء الفرنسى ويعتبر تطبيق قانون أجنبى مسألة قانون لا مسألة واقع ، لأن القانون لا تتحول طبيعته فيصبح واقعاً لمجرد أن قاضياً أجنبياً يطبقه بمقتضى قاعدة إسناد فى قانونه الوطنى ( ) . وهناك من الفقهاء من يرى وجوب اعتبار تطبيق القانون الأجنبى مسألة قانون ، ولكنه مع ذلك يقر موقف القضاء الفرنسى للضرورات العملية ( ) . والفقه  فى مصر منقسم انقسام الفقه فى فرنسا 

 

            ونحن ، مع ذلك ( السنهورى ) لا نتردد فى اعتبار تطبيق أحكام القانون الأجنبى مسألة قانون لا مسألة واقع . فان القاضى ، إذا أمره قانونه الوطنى بتطبيق أحكام قانون أجنبى ، وجب أن يعتبر أحكام هذا القانون الأجنبى بالنسبة إلى القضية التى يطبق فيها هذه الأحكام جزءاً من قانونه الوطنى . فعليه إذن أن يبحث من تلقاء نفسه عن أحكام القانون الأجنبى الواجبة التطبيق فى هذه القضية . وله أن يصدر فى هذه الأحكام عن علمه الشخصى . ولا يجوز له أن يمتنع عن تطبيق أحكام القانون الأجنبى عن علمه الشخصى . ولا يجوز له أن يمتنع عن تطبيق أحكام القانون الأجنبى بدعوى عدم إمكان الاهتداء إليها ، وإلا عد امتناعه نكولا عن أداء العدالة (deni de justice) . بل ويكون فى تطبيقه لأحكام القانون الأجنبى ، كما هو فى تطبيقه لقاعدة الاسناد التى أمرته بتطبيق هذه الأحكام ، خاضعاص لرقابة محمة النقض . وتفسر هذه المحكمة القانون الأجنبى ، لا طبقاً لرأيها الشخصى ، بل وافقاص لما تفسره به محاكم البلد الذى ينسب إليه هذا القانون وبخاصة المحكمة العليا منها . ونحن إنما نذهب إلى هذا ارأى لأنه لا يصح أن تتغير طبيعة القانون فيصبح واقعاً ، سواء كان هذا القانون قانوناً وطنياً أو كان  قانوناً أجنبياً يأمر القانون الوطنى بتطبيقه فيصبح جزءاً منه فى حدود هذا التطبيق . والذى دعا إلى القول بنزول مرتبة القانون الأجنبى إلى حد أن يكون واقعاً لا قانوناً أمران . ( الأمر الأول ) يرجع إلى التاريخ . فقد كان القانون الأجنبى فى الماضى لا يعامل معاملة القانون الوطنى . وإذا أجيز تطبقه فعلى اعتبار أنه واقع لا قانون . فلا يفترض العلم به ، ولا يبحث القاضى عن أحكامه من تلقاء نفسه بل يجب على الخصم إثباتها ، ولا يحضع القاضى فى تطبيقه هذه الأحكام لرقابة محكمة النقض ، وإذا امتنع عن تطبيقه لم يعد ناكلا عن أداء العدالة . وكان هذا يرجع إلى نظرية عتيقة تقول بأن القانون الأجنبى إنما يطبق على سبيل المجاملة الدولية (ex comitatte gentuum) وقد هجرت هذه النظرية هجراناً تاماً وعفا عليها الزمن ، ففيم الإبقاء على بعض آثارها والاصرار على عدم رد اعتبار القانون الأجنبى ! ( ) . (والأمر الثانى) يرجع إلى العمل . فقد يصعب فى بعض الأحوال أن يهتدى القاضى من تلقاء نفسه إلى أحكام القانون الأجنبى ، ومن ثم كان تكليف الخصم باثبات هذه الأحكام تيسيراً لتغيير طبيعة القانون . على أن مهمة القاضى فى هذا الصدد ، بعد انتشار العلم ، لم تصبح من العسر على ما كانت منه فى الماضى . وبعد ، فلا يوجد ما يمنع القاضى من الاستعانة بالخصم صاحب المصلحة فى الاهتداء إلى أحكام القانون الأجنبى ، ومصلحة الخصم أكبر دافع له فى ذلك ، على أن يبقى القاضى هو صاحب القول الفصل فى التعرف على

 

أحكام القانون الأجنبى  خاضعاً فى ذلك لرقابة محكمة النقض 

 

ب ـ الشروط الواجب توافرها فى محل الاثبات 

 

             طائفتان من الشروط : 

 

والواقعة المراد إثباتها يجب أن تتوافر فيها جملة من الشروط ، يمكن تقسيمها إلى طائفتين :

 

 (1) طائفة من الشروط بداهتها تغنى عن الإطالة فيها ، وهى أن تكون الواقعة محددة (determine) وغير مستحيلة

 

 (comteste) . (2) وطائفة أخرى نصت عليها المادة 156 من تقنين المرافعات الجديد على الوجه الآتى : (( يجب أن تكون الوقائع المراد إثباتها متعلقة بالدعوى ، منتجة فيها ، جائزاً قبولها )) .

 

        شروط بديهية :

 

أما أن تكون الواقعة المراد إثباتها محددة فهذا بديهى ، فالواقعة غير المحددة لا يستطاع إثباتها . ولو أن شخصاً طالب بدين أو بملكية وأسس دعواه على عقد لم يحدد ماهيته ، أهو بيع أو صلح أو قسمة أو غير ذلك من العقود التى يصح أن تكون مصدراً للدين أو سبباً للملكية ، فان الواقعة التى يريد إثباتها لا تكون محددة تحديداً كافياً ، فلا يصح السماح باثباتها إلا بعد أن تحدد . وكون الواقعة محددة تحديداً كافياً مسألة موضوعية تخضع لرقابة محكمة النقض ( ) .

 

            وأما أن تكون الواقعة المراد إثباتها غير مستحلية ، فهذا أيضاً بديهى ، فالمستحيل لا يصح عقلا طلب إثباته . والاستحالة ترجع إلى أحد أمرين : إما استحالة التصديق عقلا وإما استحالة الإثبات . فالأولى كالعمى يدعى أنه رأى هلال رمضان ، والمنجم يدعى أنه أوتى علم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله ، ومجهول النسب يدعى بنوته إلى من لا يكبره فى السن . والثانية ترجع إلى أن الواقعة المراد إثباتها هى فى ذاتها قابلة للتصديق عقلا ولكن لا سبيل إلى إثباتها ، كمن يدعى واقعة مطلقة بأن يقول أنه لم يكذب قط أو أنه يؤدى فريضة الصلاة طوال حياته . فهاتان واقعتان إحاهما سلبية والأخرى إيجابية ، وكلتاهما واقعة مطلقة هى متصورة التصديق ولكن إثباتها مستحيل ، فلا يجوز قبولها واقعة للإثبات . ولا يرجع ذلك إلا إلى أن الواقعة مطلقة اى خالية من التحديد. ومن ثم ترى أن استحالة الاثبات تتلاقى مع عدم التحديد ، ويصبحان شرطاً واحداً . فالواقعة يجب أن تكون محددة كما قدمنا ، فان لم تكن محددة لا يجوز قبولها للإثبات ، لا لأنها غير محددة فحسب ، بل لأنها أيضاً يستحيل إثباتها . ومن ثم نرى أيضاً أن استحالة الإثبات ترجع إلى عدم تحديد الواقعة لا إلى أنها واقعة سلبية . فالواقعة السلبية المحددة ـ كالواقعة الإيجابية المحددة لا يستحيل إثباتها ، فيجوز قبولها للإثبات . مثل ذلك شخص يطالب آخر برد غير المستحق وثبت أنه لم يكن مديناً بما دفعه للمدعى عليه ، فهنا الواقعة السلبية محددة ، وهى عدم المديونية فى دين

 

معين ، وما على المدعى إلا أن يثبت أن هذا الدين الذى دفعه مصدره عقد باطل أو عقد قد فسخ أو أن الدين قد سبق الوفاء به أو نحو ذلك

 

هذا وكون واقعة المراد إثباتها مستحيلة التصور عقلا أو مستحيلة الإثبات مسألة موضوعية ، ولكن محكمة النقض تستطيع أن تنفذ إلى بسط قدر من الرقابة من طريق القصور فى التسبيب . 

 

 ويجب أخيراً أن تكون الواقعة المراد إثباتها غير معترف بها . وهذا أيضاً شرط بديهى ، إذ لا محل لإثبات واقعة معترف بها . فالاعتراف إقرار ، والإقرار كما سنرى إعفاء من الإثبات ، فتكون الواقعة محل الادعاء قد أعفى مدعيها  من إثباتها فأصبحت بذلك ثابتة ( ) . لذلك يكون الأصح القول إن الواقعة المعترف بها قد أصبحت ثابتة ، لا أنها واقعة غير قابلة للإثبات . ويتضح الفرق بين القولين فى أن الواقعة المعترف بها لا تصبح ثابتة إلا بالنسة إلى المقر إذ الإقرار حجة قاصرة عليه ، أما بالنسبة إلى الغير فلم يقم الدليل عيها ومن ثم يصح إثباتها ، ولو كانت غير قابلة للإثبات لما صح ذلك ( ) . وغنى عن البيان أن البت فى كون الواقعة معترفاً بها مسألة موضوعية لا رقابة فيها لمحكمة النقض .

 

 شروط أساسية :

 

ونعرض الآن للشروط الأساسية التى ورد ذكرها فى المادة 156 من تقنين المرافعات الجديد ، وهى الشروط الثلاثة الآتية : (1) أن تكون الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالحق المطالب به (pertinent) . (2) أن تكون منتجة فى الإثبات (concluant) . (3) أن تكون جائزة الإثبات قانوناً (admissible) ( ) .

 

            ـ الواقعة متعلقة بالحق المطالب به : إذا كانت الواقعة المراد إثباتها هى ذاتها مصدر الحق المطالب به ، كما إذا تمسك البائع بعقد البيع لمطالبة بالثمن فيكون عقد البيع هو ذاته مصدر التزام المشترى بالثمن ، فان الواقعة فى هذه الحالة لا يمكن إلا أن تكون معلقة بالحق المطالب به وهو فى الوقت عينه منتجة فى الإثبات . ومن ثم لا يظهر ظهوراً واضحاً أهمية هذين الشرطين ـ كون الواقعة متعلقة بالحق وكونها منتجة فى الإثبات ـ فى هذه الحالة وهو حالة الإثبات المباشر (prevue directe) . وإنما تظهر أهميتهما فى حالة الإثبات غير المباشر (prevue indirecte) ، إذا انصب الإثبات ، لا على الواقعة ذاتها مصدر الحق ، بل على واقعة أخرى قريبة منها . ذلك أن الإثبات غير المباشر يقوم على فكرة تحويل الدليل (deplacement de prevue) من الواقعة الأصيلة إذ يتعذر إثباتها إلى واقعة بديلة هى التى يتيسر فيها الإثبات .

            فلا بد فى هذه الحالة ـ حالة الإثبات غير المباشر بتحويل الدليل ـ أن تكون الواقعة البديلة ، وهى الواقعة المراد إثباتها ، لا قريبة (voisin) من الواقعة الأصيلة فحسب ، بل يجب أيضاً أن تكون متصلة (connexe) بها اتصالا وثيقاً . وهذا الاتصال الوثيق هو الذى يجعل الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالحق المطالب به ، إذ أن اتصالها بالواقعة الأصيلة التى هى مصدر الحق يجعل إثباتها متعلقاً باثبات الواقعة الأصيلة ، فيصبح إثبات الواقعة البديلة من شأنه أن يجعل إثبات الواقعة الأصيلة قريب الاحتمال ( ) .      

 

            مثل ذلك أن يقدم المستأجر مخالصات بأجرة عن جميع المدد السابقة على المدة التى يطالبه المؤجر بأجرتها ، ويرمى من وراء ذلك أن يثبت أنه يدفع الأجرة $62بانتظام ولم يخل بالتزمه طوال المدد السابقة . فهذه واقعة متصلة بواقعة الوفاء بالأجرة عن المدة المطالب بأجرتها ، فهى إذن متعلقة بالدعوى . ولكنها غير منتجة فى الإثبات ، لن دفع الأجرة عن مدد سابقة لا يفيد دفعها عن مدة لاحقة( ) وقد تكون الواقعة المراد إثباتها متعلقة بالدعوى ومنتجة أيضاً فى الإثبات ، كأن يقدم المستأجر مخالصات بالأجرة عن مدد لاحقة للمدة التى يطالب المؤجر بأجرتها ، فهبذه واقعة ليست هى ذاتها واقعة الوفاء بالجرة المطالب بها بل هى واقعة متصلة بها فهى متعلقة بالدعوى ، ثم هى منتجة فى الإثبات فإن التقنين المدنى الجديد (م 587) يعتبرها قرينة على الوفاء بالأجرة المطالب بها إلا إذا أثبت المؤجر عكس ذلك ( ) .

 وكون الواقعـة متعلقـة بالدعـوى مسألـة موضوعية لا تخضـع لرقابة محكمـة النقض ( ) .

الواقعة منتجة فى الإثبات :

 رأينا فى المثلة المتقدمة متى تكون الواقعة متعلقة بالدعوى ومتى تكون منتجة فى الإثبات . فالواقعة المتعلقة بالدعوى هى الواقعة البديلة التىيكون إثباتها من شأنه أن يجعل إثبات الواقعة الأصيلة قريب الاحتمال . والواقعة المنتجة فى الإثبات هى الواقعة البديلة التى يؤدى إثباتها إلى إثبات الواقعة الأصيلة . ويتبين من ذلك أن إنتاج الواقعة فى الإثبات مرتبة أعلى $63من تعلق الواقعة بالدعوى . فكل واقعة متعلقة بالدعوى لا تكون ضرورة منتجة فى الإثبات ، ولكن كل واقعة منتجة فى الإثبات تكون حتماً متعلقة بالدعوى . فمن طالب بملكية عين وتقدم بواقعة التقادم الطويل سبباً لملكية ، إذا أدعى أنه حاز العين مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة ، فهذه واقعة منتجة فى الإثبات ، بل هى الواقعة الأصيلة ذاتها ، وهى بالضرورة متعلقة بالدعوى . أما إذا ادعى أن حيازته للعين كانت لمدة تقل عن خمس عشرة سنة ، فهذه واقعة متعلقة بالدعوى ولكنها غير منتجة فى الإثبات .

 

            وقد يقال لماذا يشترط فى الواقعة هذان الشرطان معاً ، وأحدهما ـ وهو الإنتاج ـ يستغرف الآخر ، فكان يكفى أن يشترط وحده ؟ وهذا صحيح من الناحية النظرية . وكن يحسن ، من الناحية العملية ، فصل الشرطين أحدهما عن الآخر . فقد يطلب الخصم إثبات هذه الواقعة قبولا مبدئياً ،حتى إذا تبين فيما بعد أنها غير منتجة فى الإثبات رفض القاضى استمرار السير فى إثبات الواقعة أو أضاف اليها وقائع أخرى تتساند معها . أما إذا أدمج الشرطان فى شرط واحد ، وكان لا بد من أن تكون الواقعة منتجة من مبدأ الأمر ، لم يستطع القاضى قبول إثبات الواقعة قبولا مبدئياً ، فيتعطل بذلك طريق الإثبات ( ) .

 

            وكون الواقعة منتجة فى الإثبات مسألة موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض إلا من حيث قصور التسبيب . أما إذا بنى عدم الإنتاج فى الإثبات على أسباب قانونية ، كأن كانت الواقعة المراد إثباتها إنما تنسب إذا صحت إلى مالك البناء لا إلى حارسه والمسئول قانوناً هو الحـارس لا المالك ، أصبــح الأمـر متعلقـاً $64بمسألة من مسائـل القانون مما يخضع لرقابــة محكمة النقض ( ) .

 

            الواقعة جائزة الاثبات قانونا : ويجب أخيراص أن تكون الواقعة جائزة الإثبات قانوناً . والقانون قد لا يجيز إثبات واقعة تحقيقاً لأغراض مختلفة . ومن هذه الأغراض ما يمت إلى النظام العام والآداب ، كالمحافظة على سر المهنة ( ) وتحريم دين المقامرة والربا الفاحش وبيع المخدرات وعدم جواز إثبات صحة القذف ونحو ذلك ( ) . وقد تمت هذه الأغراض إلى الصياغة الفينة ، كما هو الأمر فى الوقائع التى تصطدم مع قرينة قاطعة قررها القانون . مثل ذلك حجية الأمر المقضى ، فلا يجوز إثبات واقعة مخالفة لما هو ثابت فى حكم قضائى . ومثل ذلك أيضاً أن يطلب حارس الشئ إثبات أنه لم يرتكب خطأ مع أن القانون يقيم مسئوليته على خطأ فى جانبه مفروض فرضاً غير قابل لإثبات العكس ( ) . وكون الواقعة جائزة الإثبات قانوناً مسألة قانون تخضع لرقابة محكمة النقض،$65 لأن عدم جواز إثبات الواقعة يرجع دائماً إلى حكم فى القانون يمنع من هذا الإثبات . وهذا بخلاف كون الواقعة متعلقة بالدعوى وكونها منتجة فى الإثبات ، فقد رأينا أنها فى الصل مسائل موضوعية لا تخضع لرقابة محكمة النقض ( ) .

 <><>

ثانياً ـ عـبء الاثبـات

النصوص القانونية :

 تنص المادة 389 من التقنين المدنى على ما يأتى :

         على الدائن إثبات الالتزام ، وعلى المدين إثبات التخلص منه 

ويقابل هذا النص فى التقنين الدنى السابق المادة 214/278 ( ) ـ وفى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى لا شئ ( ) ، وفى التقنين المدنى العراقى المواد من 444 إلى 448 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 362 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 376

 

وفى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1315( ) .

 

 أهمية تعيين من يحمل عبء الاثبات من الخصمين : 

 

أول تنظيم لقواعد الإثبات يتصل بتعيين من من الخصمين يحمل عبئ الإثبات ، أى من منهما يكلف بالإثبات دون الآخر . وتعيين من يحمل عبء الإثبات من الخصمين يكاد يتوقف عليه ، فى كثير من الأحوال ، مصير الدعوى من الناحية العملية . فقد يكون الحق متراوحاص بينهما ، لا يستطيع أى منهما أن يثبته أو أن ينفيه ، فالقاء عبء الإثبات على أحدهما معناه حكم عليه أو حكم لخصمه ( ) .

 

            فيعنينا إذن أن نبين من يحمل عبء الإثبات . وهذه مسألة لها ناحيتان : ناحية المبدأ وناحية التطبيق .

 

1 ـ عبء الاثبات من ناحية المبدأ :

 

            47 ـ البينة على من ادعى واليمين على من أنكر : من المبادئ المقررة فى الفقه الإسلامى أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ( ) . وفى$68.القانون المصرى وسائر القوانين الحديثة توجد القاعدة ذاتها ، فالمدعى هو الذى يحمل فى الأًصل عبء الإثبات ، سواء كان دائناً يدعى ثبوت الدائنية أو مديناص يدعى التخلص من المديونية كما تقول المادة 389 .

 

            ولكن يبقى أن نحده على وجه الدقة من هو المدعى .

 

            هو أولا من يرفع الدعوى على الغير يطالبه بحق معين ، فهو مدع فى دعواه هذه ، وعليه عبء إثبات ما يدعيه . فلو أن شخصاً طالب آخر بمبلغ معين ، فعليه أن يثبت مديونية المدعى عليه بهذا المبلغ له ، بأن يثبت مصدر الدين ، تصرفاً قانونياً كوصية أو عقد بيع أو واقعة قانونية كميراث أو شفعة .

             ولكن ليس من الضرورى أن يكون المدعى هو من يرفع الدعوى . فقد يدفع المدعى عليه الدعوى بدفع فيصبح مدعياً فى هذا الدفع ، وعليه هو يقع عبء إثباته . ففى الأمثلة المتقدمة قد يدفع المدين بأنه وفى دينه ، فعليه إثبات هذا الوفاء . وقد يدفع الحائز للعين بأنه ملكها بالتقادم ، فعليه إثبات ذلك ( )  .

            فيمكن إذن لأول وهلة أن نقول إن من يحمل عبء الإثبات هو المدعى فى الدعوى والمدعى عليه فى الدفع ، فكلاهما مدع فى دعواه 

ـ البينة على من يدعى خلاف الأصل : 

ولكن هذه القاعدهة تحول بساطتها دون مواجهة الصعوبات التى تعرض فى العمل . فقد يقع أن المدعى ، حتى فى الدعوى التى رفعها , لا يكلف بالإثبات ، بل يكلف به خصمه وفقاً لطبيعة وضع كل منهما . فمن رفع دعوى على جاره يطالبه بسد مطل لا يكلف ـ وهو المدعى فى الدعوى ـ بإثبات أن جازه فتح المطل دون أن يكون له حق ارتفاق يجيز فتح المطل . ففى هذا المثل يقع عبء الإثبات على المدععى عليه لا على المدعى ، لأن طبيعة الوضع تقضى بخلو العقار من حقوق الارتفاق حتى يثبت ذو المصلحة عكس ذلك .

            ومن ثم فإن القول بأن المدعى هو الذى يحمل عبء الإثبات لا يستقيم فى جميع الفروض ، فوجب إذن البحث عن قاعدة تكون أكثر انضباطاً .

 وقد وضعت قاعدة فى هذا الصدد من شقين ، تستجيب لطبائع الأشياء . فقيل إن من يتمسك بالثابت أصلا لا يكلف باثباته ، أما من يدعى خلاف الأصل فعليه هو يقع عبء إثبات ما يدعيه(Onus probandi incumbit ei qui dicit) . ذلك  أن من يتمسك بالثابت أصلا ، وإن كان من الجائز ألا يكون على حق من ناحية الواقع والعدالة ، إلا إنه من ناحية القانون ومن أجل استقرار التعامل يجب أن يحمى ، فيترك على الأصل دون أن يتكلف عناء أى إثبات

. وهذا هو الشق الأول من القاعدة . أما من يدعى خلاف الأصل فهو يستحدث جديداً لا تدعمه قرينة بقاء الأصل على أصله ، فعليه أن يثبت هذا الجديد حتى يتمتع بحماية القانون . وهذا هو الشق الثانى

 فى نطاق الحقوق الشخصية الأصل هو براءة الذمة : 

وفى نطاق الحقوق الشخصية الأصل هو براءة الذمة من كل التزام . فمن يتمسك بالأصل لا إثبات عليه . ومن يدعـى خلاف الأصل ، بأن يدعى دينـاً فى ذمـة الغير قبلـه ، عليه أن يثبت مصـدر هذا الدين ( ) . فمن ادعى أنه أقرض آخر مبلغاً من المال عليه أن يثبت عقد القرض . ومن طالب آخر بثمن مبيع عليه أن يثبت عقد البيع . والشريك الذى يطالب شريكه بنصيبه فى الخسارة عليه أن يثبت عقد الشركة وأن يثبت مقدار الخسارة التى لحقتها ( ) . $72ويتفرع على ذلك مواقف عدة يختار القانون فيها وضعاً يعبره هو الأصل ، فمن تمسك به لا يكلف بإثبات شئ ، ومن ادعلا خلافه فعليه عبء الإثبات . مثل ذلك الأهلية ، فالأصل أن كل شخص أهل للتعاقد ما لم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون ( م109 مدنى ) ( ) . ومثل ذلك أيضاً عيوب العقد ، فالأصل أن يكون العقد سليما من العيوب ، ومن يدعى أن بالعقد عيباً عليه إثباته . ومثل ذلك أخيراً إجازة العقد القابل للابطال ، فالأصل عدم إجازة العقد ، ومن يدعى أنه أجيز عليه أن يثبت هذه الاجازة ( ).

 

 وفى نطاق الحقوق العينية الأصل هو الظاهر :

 

 وفى نطاق الحقوق العينية الأصل هو الظاهر . فالحائز للعين لا يطالب باثبات ملكيتها لأن الظاهر هو أن الحائز مالك . والخارج الذى يدعـى ملكية العيـن هـو الذى يدعـى خـلاف ذلـك ، فعليـه هـو يقـع  عبء الاثبات ( ) . ومن ثم كان الحائز هو المدعى عليه دائماً فى دعوى الملكية ( ) . وذلك ما لم يتبين من مستندات المدعى أن الظاهر يؤيد دعواه وينفى دفاع المدعى عليه ، فعندئذ ينتقل عبء إثبات الملكية إلى المدعى عليه .

 

 وكذلك الظاهر أن حق الملكية خال من أن يثقل بحق عينى . فالمالك إذا تمسك بهذا الظاهر لا يطالب باثباته . ومن يدعى خلاف الظاهر ، بأن يدعى مثلا أن له حق ارتفاق ( ) أو حق انتفاع أو حق رهن على العين ، كان عليه هو أن يثبت قيام لحق الذى يدعيه ، ولو كان مدعى عليه فى الدعوى الأصلية ، لأنه يدعى خلاف الظاهر( ) .

 

    ـ والثابت فرضاً كالثابت أصلا وكالثابت ظاهراً : 

 

وقد يحل محل الأصل فى نطاق الحقوق الشخصية ومحل الظاهر فى نطاق الحقوق العينية وضع يفرض القانون وجوده عن طريق قرينة قانونية يقيمها . فيكون الثابت فرضاً كالثابت أصلا وكالثابت ظاهراً .

 

 مثل ذلك أن يرفع المضروو دعوى تعويض على المكلف برقابة قاصر صدر منه عمل غير مشروع أصاب المدعى بالضرر . وقد كان القياس يقتضى أن يثبت المدعى ، فوق العمل غير المشروع الصادر من القاصر ، تقصيراً من المكلف بالرقابة فى تأدية واجبه . ولكن القانون فرض أن هذا التقصير قد وقع منه بمقتضى قرينة قانونية أقامها ضده ( م173 فقرة 3 مدنى ) . فلا يكلف المدعى إثبات التقصير ، وينتقل عبء الإثبات إلى المدعى عليه فيثبت أنه قام بواجب الرقابة أو أن الضرر كان لابد واقعاً ولو قام بهذا الواجب بما ينبغى من العناية . وكذلك الحال فى مسئولية حارس الآلات الميكانيكية أو الأشياء التى تتطلب حارستها عناية خاصة ، كل هؤلاء فرض القانون فى جانبهم التقصير ، فمدعى التعويض لا يكلف بإثبات تقصيرهم ، بل لا يسمح لهم القانون أن يثبتوا أنهم قاموا بواجب العناية لأن قرينة التقصير هنا قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس  (المواد 176 و 177 فقرة أولى و178 من التقنين المدنى) . والمدعى بدين لا يكلف إثبات سببه المشروع ، لأن القانون فرض أن يكون لكل دين سبب مشروع ، وينتقل هنا عبء الإثبات إلى المدين فعليه أن يثبت هو أن الدين سببه غير مشروع ( م 137 فقرة 1مدنى ).

 

كذلك يعتبر السبب المذكور فى العقد هو السبب الحقيقى ، حتى يقيم المدين الدليل على ما يخالف ذلك (م 137 فقرة 2 مدنى) . والتأشير على سند بما يستفاد منه براءة ذمة المدين قرينة على الوفاء ، فينتقل عبء الإثبات من المدين إلى الدائن ، وعلى هذا أن يثبت أن المدين لم يقم بوفاء الدين (م 399 مدنى) .

 

وفى نطاق الحقوق العينية

 

 إذا فرضت قيود معينة تحد من حق مالك العقار فى النباء عليه ، فالمدعى الذى يرفع دعوى على المالك متمسكاً بأن هذه القيود هى حقوق ارتفاق لا مجرد التزامات شخصية لا يكلف باثبات ذلك ، لأن القانون أقام قرينة على أن هذه القيود هى حقوق ارتفاق ، فاذا أراد المالك أن ينفى أنها حقوق ارتفاق وأنها ليست إلا التزامات شخصية انتقل إليه هو عبء هذا الإثبات (م 1018 فقرة 1مدنى) .

 

ومن هذه المثلة نرى أن القرينة القانونية إذا كانت قابلة لإثبات العكس إنما تنقل عبء الإثبات ممن يتمسك بها إلى خصمه ، أما إذا كانت غير قابلة لإثبات العكس فانها تعفى من يتمسك بها من الإثبات إعفاء نهائياً ولا تقتصر على نقل عبء الإثبات ( ) .

 

كذلك تكون البينةعلى من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا : ومن يتمسك بما هو ثابت أصلا أو ظاهراً أو فرضاً يمكن أن نقول إنه يتمسك بما هو ثابت حكماً . وهو لا يكلف بالإثبات كما قدمنا ، بل من يدعى خلاف ما هو ثابت حكماً . وهو لا يكلف بالإثبات كما قدمنا ، بل من يدعى خلاف ما هو ثابت حكماً هو الذى يحمل عبء الاثبات . كذلك الحال

 

فيمن يتمسك بما هو ثابت فعلا ( ) ، لا يكلف هو أيضاً بالاثبات ، وإنما يحمل عبء الاثبات من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا . والثابت فعلا هو ما أقام الخصم الدليل عليه بالطرق القانونية ، حقيقة أو ضمناً .

 

مثل ذلك دائن يرفع دعوى الدين على مدينه ، فيدعى خلاف الأصل وهو براءة الذمة كما قدمنا ، فعليه إذن عبء إثبات الدين . فاذا ما أثبته حقيقة بسند مكتوب مثلا ، فلا يجوز للمدين أن يدعى وفاء الدين ، أى خلاف ما هو ثابت حقيقة ، إلا إذا حمل عبء إثبات ما يدعيه.

 

ولو أن المدين فى المثل الذى قدمناه لم يكلف المدعى باثبات الدين حقيقة ، بل دفع الدعوى بالمقاصة ، كان هذا بمثابة إقرار ضمنى منه بالدين ، فيكون الدين ثابتاً ضمناً. وعلى المدين إثبات عبء انقضاء الدين بالمقاصة لأنه يدعى خلاف ما هو ثابت ضمناً .

 

ومن ثم ثرى أن البينة تكون على من يدعى خلاف ما هو ثابت فعلا ، حقيقة كان هذا الثبوت أو ضمناً .

 

استخلاص مبدأ عام فيمن يحمل عبء الاثبات : 

 

ونستطيع بعدما قدمناه أن نضع المبدأ الآتى : كل من يتمسك بالثبات حكماً ـ أصلا أو ظاهراً أو فرضاً ـ أو بالثابت فعلا ـ حيقة أو ضمنا ـ لا يقع عليه عبء الإثبات . وإنما يقع عبء الإثبات على من يدعى خلاف الثابت حكماً أو فعلا ،  لأنه يدعى خلاف الأصل أو الظاهر أو المفروض أو الثابت ، فوجب أن يحمل عبء إثبات ما يدعيه ( ) . وغنى عن البيان أن تحديد من يحمل عبء الإثبات مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض ب ـ عبء الاثبات من ناحية التطبيق :

 

كيف يقوم بالاثبات عملا من يحمل عبئه : 

 

متى تعين أى الخصمين يحمل عبء الاثبات ، وفقاً للمبدأ العام الذى قدمناه ، كان هذا الخصم  هو المكلف باقامة الدليل بالطرق القانونية على صحة ما يدعيه . فاذا ادعى شخص أنه أقرض شخصاً آخر مبلغاً من المال ، فعليه أن يثبت عقد القرض . ولكن هل معنى ذلك أن يثبت أيضاً أن عقد القرض خال من جميع أسباب البطلان ، وهذه ترجع إلى التراضى والمحل والسبب وإلى الأهلية وعيوب الارادة من غلط وتدليس وإكراه واستغلال ، ثم يثبت بعد ذلك أن العقد بعد أن العقد صحيحاً لم ينقض الدين الذى نشأ عنه بأى سبب من الأسباب كالوفاء والتجديد والمقاصة واتحاد الذمة والابراء ونحو ذلك ، ثم بعد أن يثبت أن الدين لم ينقض يثبت أيضاً أنه لم يلحقه أى تعديل ، وهكذا

 

من الواضح أن عبء الاثبات ، إذا فسرعلى هذا النحو ، ينوء به الخصم . ولذلك تقضى الضرورة أن يقتصر الخصم على إثبات عقد القرض . وبعد ذلك يستعان بالقرائن التى قدتمناها . فما هو ثابت حكماً أو فعلا لا يكلف باثباته ، ويترتب على ذلك أن القرض متى أثبته الدائن ، كان من الثابت حكماً أنه خال من أسباب البطلان ، فاذا ادعى المدين أن العقد قد لحقه سبب منها فعليه هو أن يثبت ذلك كما أسلفنا . ثم متى ثبت عقد القرض ، أصبح ثابتاً فعلا ، فاذا ادعى المدين خلاف ذلك ، بأن ادعى أن الدين قد انقضى بسبب من أسباب الانقضاء أو أنه قد لحقه أى تعديل ، فعليه هو عبء الاثبات كما تقدم القول ( ) .

 

ونرى من ذلك أن عبء الاثبات لا يقل كاهل أحد الخصمين دون الآخر ، بل هو يوزع بين الخصمين على النحو المتقدم ( ) . قد يقع هذا التوزيع بحكم  $79  الواقع بمقتضى قرائن قضائية ينقل بها القاضى عبء الاثبات بحسب تقديره من الخصم إلى خصمه ، وقد يقع بحكم القانون بمقتضى قرائن قانونية ينتقل بها عبء الإثبات من خصم إلى آخر وقد يقع أخيراً بحكم الاتفاق بين الطرفين.

 

توزيع عبء الاثبات . بحكم الواقع : فمثل أن يقع التوزيع بحكم الواقع عن طريق قرائن قضائية ما يأتى :

 

(1) شخص يريد أن يثبت صورية عقد صدر من أب إلى ولده ، فيثبت إلى جانب علاقة البنوة أن الولد وهو صغير السن عديم الكسب ليس له مال ظاهر يسمح بدفع الثمن المذكور فى العقد أنه قد دفع . فتقوم قرينة قضائية على أن واقعة دفع الثمن واقعة صورية . فينق القاضى عبء الإثبات إلى الأب ، ليثبت مصدراً معيناً دفع منه الولد الثمن ، أو أن حقيقة العقد هبة فى صورة بيع وعندئذ يكون له حكم الهبة لا حكم البيع .

 

(2) شخص يطالب آخر بتعويض لاعتدائه على اختراع له حصل على باءته وسجلها . فعلى المدعى أن يثبت حصوله على البراءة وأنه قام بتسجيلها وفقاً للأوضاع المقررة فى القانون . وعند ذلك ينقل القاضى عبء الاثبات إلى المدعى عليه ليثبت ، إذا استطاع ، أن هذا الاختراع بالرغم من صدور براءة به وتسجيلها ليس بالجديد الذى يستحق الحماية .

 

(3) أنكر الخصم أن الختم الموقع به على الورقة هو ختمه . فعند ذلك يحمل الخصم الآخر عبء إثبات صحة الختم طبقاً للإجراءات المقررة فى القانون . فاذا أثبت ذلك نقل القاضى عب الإثبات إلى الخصم الأول ، ليثبت كيف وصل ختمه هذا الصحيح إلى الورقة التى عليها التوقيع ، ويكون ذلك عن طريق دعوى  التزوير التى يجب أن يسار فيها بطريقها القانونى كما قضت بذلك محكمة النقض ( نقض مدنى 26 أبريل سنة 1934 مجموعة عمر 1 رقم 174 ص 346 ) .

 

(4) شخص يريد أن يثبت أن له حيازة المنزل محل النزاع ، فيقدم مستندات تثبت أنه هو الذى يؤجر المنزل ويقبض أجرته ويدفع ضريبته . فتقوم قرينة قضائية على أنه هو الحائز للمنزل . وعند ذلك ينقل القاضى عبء الإثبات إلى الخصم الآخر ليدحض هذه القرينة القانونية ، بأن يثبت مثلا أن الخصم الأول إنما يؤجر المنزل ويدفع الضريبة لا لحسابه الشخصى بل لحساب المالك الذى يدير هو أعماله . وهكذا ينقل القاضى عبء الاثبات من خصم إلى آخر تبعاً لما يستخلص كل منهما من قرائن يكون من شأنها أن تلقى عبء الإثبات على خصمه .

 

(5) موظف فصل من وظيفته ، فيرفع دعوى على الحكومة يقول فيها إن فصله كان تعسفياً . ولما كان هو الذى يحمل عبء إثبات التعسف ، فانه يستطيع فى هذا السبيل أن يطلب ضم ملف خدمته ليثبت منه تقدير الرؤساء لكفايته ومن الناحية الخلقية ، نقل القاضى عبء الإثبات إلى الحكومة لتقول هى بدوره لأى سبب بالذات قد فصلته . فان ذكرت الحكومة سبباً معيناً لفصله ، نقل عبء الإثبات إلى المدعى ، لثبت أن هذا السبب غير صحيح أو أنه لا يكفى بفرض صحته لنفى التعسف . وهكذا يتناوب الموظف والحكومة الإثبات إلى أن يعجز أحدهما عن أن يرد عبء الإثبات إلى صاحبه ، فيكون هو المحكوم عليه فى الدعوى . 

 

توزيع عبء الاثبات . بحكم القانون :

 

ومثل أن يقع التوزيع بحكم القانون عن طريق قرائن قانونية ما يأتى :

 

(1) يريد الدائن إثبات إعسار المدين . هنا يتكفل القانون بتحليل عناصر الإثبات وتوزيعها على الخصمين عن طريق إقامة قرائن قانونية . فقد نصت المادة 239 من التقنين المدنى على أنه (( إذا ادعى الدائن إعسار المدين ، فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما فى ذمته من ديون ، وعلى المدين نفسه أن يثبت أن له مالا يساوى قيمة الديون أو يزيد عليها )) . فالدائن إذن يحمل عبء إثبات مقدار ما فى   ذمة المدين من ديون . وعندئذ ينتقل عبء الإثبات إلى المدين ، ويكون عليه أن يثبت أن له مالا يفى بمجموع هذه الديون . وبمقدار كثرة الديون التى يستطيع الدائن إثباتها فى ذمة المدين يثقل عبء المدين فى إثبات أن ماله يفى بديونه . فان عجز عن هذا الإثبات اعتبر معسراً .

 

(2) يريد الحائز أن يثبت أنه كسب الملكية بالتقادم ، أى أن يثبت أن حيازته استمرت المدة التى حددها القانون لتمام التقادم . هنا أيضاً يتكفل القانون بتوزيع عناصر الإثبات على الخصمين . فقد نصت المادة 971 من التقنين المدنى على أنه (( إذا ثبت قيام الحيازة فى وقت سابق معين وكانت قائمة حالا ، فان ذلك يكون قرينة على قيامها فى المدة ما بين الزمنين ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك )) . فالحائز يحمل عبء إثبات أن حيازته بدأت فى وقت معين وأنها قائمة حالا . وهنا يقيم القانون قرينة على أن الحيازة استمرت قائمة فى المدة ما بين الزمنين . وينتقل بذلك عبء الإثبات إلى الخصم الآخر . ويكون عليه أن يثبت أنها انقطعت فى هذه المدة .

 

(3) إذا أمن شخص على حياته ، ثم انتحر ، برئت ذمة المؤمن ( شركة التأمين ) من التزامه بدفع مبلغ التأمين إلى المستفيد . ومع ذلك لا تبرأ مة المؤمن من هذا الالتزام إذا كان سبب الانتحار يرجع إلى فقدان إرادة المنتحر . فاذا مات المؤمن على حياته وادعت شركة التأمين أنه مات منتحراً فبرئت ذمتها من الالتزام بدفع مبلغ التأمين إلى المستفيد ، فان القانون هنا أيضاً يوزع عبء الإثبات على كل من شركة التأمين والمستفيد . فقد نصت الفقرتان الأوليان من المادة 756 من التقنين المدنى على ما يأتى: 

 

 (1) تبرأ ذمة المؤمن من التزامه بدفع مبلغ التأمين إذا انتحر الشخص المؤمن على حياته . ومع ذلك يلتزم المؤمن أن يدفع لمن يؤول إليهم الحق مبلغاً يساوى قيمة احتياطى التأمين . 

 

(2) فاذا بأكمله. وعلى المؤمن أن يثبت أن المؤمن على حياته مات منتحراً ، وعلى المستفيد أن يثبت أن المؤمن على حياته كان وقت انتحاره فاقد الإراده )) . فشركة التأمين تحمل إذن عبء إثبات أن المؤمن على حياته قد انتحر . وعندئذ يفرض القانون فرضاً قابلا لإثبات العكس أن الانتحار كان بارادة المنتحر ، وأن هذا لم يكن فاقد الإرادة وقت انتحاره . فينتقل عبء

 

( م 6 الوسيط جـ 2 )

 

 الإثبات إلى المستفيد . وعليه أن يثبت ، حتى يستحق مبلغ التأمين بأكمله ، أن المنتحر كان وقت انتحاره فاقد الإرادة 

 

عقد أبرم بطريق المرسلة . ولكن الموجب ادعى أنه عدل عن إيجابه قبل أن يتم العقد . فعلى الخصم الآخر أن يثبت أن العقد قد تم إبرامه ـ أى أن الموجب قد علم بالقبول ـ قبل هذا العدول . ويوزع القانون عبء الإثبات بين الخصمين ، إذ تنص المادة 91 من التقنين المدنى على ما يأتى : (( ينتج التعبير عن الإرادة أثره فى الوقت الذى يتصل فيه بعلم من وجه إليه ، ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك )) . فعلى الخصم الآخر الذى قبل الإيجاب أن يثبت أن قبوله وصل إلى الموجب فى وقت سابق على الوقت الذى علم فيه بعدول الموجب عن إيجابه . وعند ذلك يفرض القانون أن الموجب قد علم بالقبول وقت وصوله إليه . فينتقل عبء الإثبات إلى الموجب . وعليه أن يثبت أنه بالرغم من وصول القبول إليه قبل عدوله عن الإيجاب ، إلا أنه لم يعلم به إلا بعد عدوله وعلم الخصم الآخر بهذا العدول .

 

 (5) باع شخص مالا يملكه . وبعد موته نازع ورثة البائع المشترى فى أن الثمن المذكور فى عقد البيع صورى ، وأن البيع قد صدر فى مرض الموت فيكون وصية ، ومن ثم لا ينفذ إلا من ثلث التركة . يوزع القانون عبء الإثبات هنا أيضاً بين الورثة والمشترى.  فقد نصت الفقرتان الثانية والثالثة من المادة 916 على ما يأتى : (( 2 ـ وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانونى قد صدر من مورثهم وهو فى مرض الموت ، ولهم إثبات ذلك بجتميع الطرق ، ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً. 3 ـ وإذا أثبت الورثة أن التصرف صدر من مورثهم فى مرض الموت ، اعتبر التصرف صادراً على سبيل التبرع ، ما لم يثبت من صدر له التصرف عكس ذلك . كل هذا ما لم توجد أحكام خاصة تخالفه )) . فالورثة إذن يحملون عبء إثبات أن البيع قد صدر فى مرض الموت . ومتى أثبتوا ذلك قامت قرينة قانونية على أن العقد مقصود به التبرع وأن ثمناً ما لم يدفع . وعند ذلك ينتقل عبء الإثبات إلى المشترى . وعليه أن يثبت أنه دفع للبائع ثمناً لا يقل عن قيمة المبيع بمقدار يجاوز$83  ثلث التركة ، وإلا فان البيع ، فيما تجاوز فيه زيادة قيمة البيع على الثمن ثلث التركة ، لا يسرى فى حق الورثة ( م477 مدنى) .

 

            ونرى من الأمثلة التقدمةأن كل قرينة قانونية قابلة لإثبات العكس ليست فى الواقع إلا توزيعاً لعبء الإثبات بين الخصمين ، يتكفل به القانون .

 

            ونرى كذلك مما سبق بيانه أن من يحمل عبء الاثبات ليس مطالباً فى الواقع من الأمر باثبات كامل قاطع . ولا هو يكلف ـ على عكس ما ذهب إليه الأستاذان أوبرى ورو ( ) ـ باثبات كل عنصر من العناصر التى تتكون 

 

منها الواقعة مصدر الحق المدعى به . وليست الحقيقة القضائية التى يتولى إثباتها بالحقيقة المطلقة التى لا يداخلها الشك . فالقانون لا يطلب المستحيل . وإنما يكتفى ممن يحمل عبء الاثبات أن يقنع القاضى بأن الأمر الذى يدعيه أمر مرجح الوقوع بحيث يكون من المعقول التسليم بوقوعه فعلا ، وينفى القاضى ما بقى من شك يحوم حول الأمر بأن ينقل عبء الاثبات إلى الخصم الآخر ، ليثبت أنه ، بالرغم من الظواهر التى ترجح وقوع الأمر ، توجد قرائن أخرى تجعل الراجح مرجوحاً . ثم يرد عبء الاثبات إلى الخصم الأول ، ليهدم هذه القرائن.

 

بقرائن أخرى تعيد للأمر كفة الرجحان . وهكذا يتقاذف الخصمان الكرة ، كل منهما يدفعها إلى صاحبـه ، إلى أن يعجـز أحهمـا عن ردها ، فتسقط من يده ، ويسجـل علـى نفسـه الخسارة

 

 فلا نبالغ إذن فى القول بفداحة الاثبات . فان الخصم يتخفف من هذا العبء بأمرين : 

 

(أولا) بتحليل الواقعة المراد إثباتها إلى عناصر متعددة يتوزع بين الخصمين عبء إثباتها ، فيقوم كل منهما بنصيبه فى هذا العبء . (ثانياً) بعدم مطالبة الخصم ـ فى العناصر التى يكلف باثباتها ـ باثبات قاطع يصل بها إلى درجة الحقيقة المطلقة . بل يكفى أن يثبت رجحانها . وهذا هو شأن الحقيقة القضائية ، لا يقدر لها أن تصل إلى مرتبة الاطلاق 

 

            ـ تعيين من يقع عليه عبء الاثبات بحكم الاتفاق ( التعديل الاتفاقى لقواعد عبء الاثبات ) : وغنى عن البيان أن القواعد التى قدمناها فى عبء الإثبات قل أن تعتبر من النظام العام ، لأن الكثير منها لم يوضع إلا لحماية الخصوم . فمن الجائز إذن ، ما لم يوجد نص يقض بغير ذلك ، عند ما يضع القانون .

 

 قرينة قانونية تنقل عبء الاثبات إلى الخصم معين حماية للخصم الآخر ، أن يتفق الطرفان مقدماً على إلغاء هذه القرينة ، وإعادة عبء الاثبات إلى من كان ينتفع بها ، فينزل بذلك عن الحماية التى منحها له القانون ، ويكون فى هذا تعديل اتفاقى لقواعد عبء الاثبات ، وهو صحيح قانوناً .

 

ونأتى بأمثلة لذلك :

 

 (1) الأصل فى الضرر الذى يحدثه الحيوان أن حارس الحيوان هو المسئول عنه ، إلا إذا أثبت هذا أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبى (م 176 مدنى) ولكن يجوز الاتفاق مقدماً على نقل عبء الاثبات إلى.

 

المضرور . فيصح أن يتفق شخصان شريكان فى مرعى واحد على أن كل ضرر يقع من مواشى أحدهما على مواشى الآخر لا يكون الأول عنه إلا إذا أثبت الآخر خطأ فى جانبه .

 

(2) الأصل أن أمين النقل مسئول عن الضرر الذى يحدث أثناء النقل للشخص أو الشئ الذى ينقله ، والمسئولية هنا مسئولية عقدية ، فعلى أمين النقل إذن يقع عبء الإثبات. ولكن يحوز الاتفاق مقدماً ـ ما لم يكن هذا شرط إذعان ـ على نقل عبء الإثبات من أمين النقل إلى المتعاقد معه ، فيصبح هذا هو المكلف باثبات خطأ فى جانب أمين النقل على أساس المسئولية العقدية لا المسئولية التقصيرية .

 

(3) إذا جاوز الضرر قيمة التعويض الاتفاقى (الشرط الجزائى) ، فلا يجوز للدائن أن يطالب بأكثر من هذه القيمة إلا إذا أثبت أن المدين قد ارتكب غشاً (م 231 مدنى) . ولكن يجوز للطرفين أن يتفقا مقدماً على نقل عبء الإثبات من الدائن إلى المدين ، فيكون للدائن أن يطالب بقيمة الضرر التى جاوزت قيمة الشرط الجزائى ما لم يثبت المدين أنه لم يرتكب غشاً.

 

(4) المستأجر مسئول عن حريق العين المؤجرة إلا إذا أثبت أن الحريق نشأ عن سبب لا يد له فيه (م584 فقرة 1مدنى) ولكن يجوز للطرفين أن يتفقا مقدماً على نقل عبء الإثبات المؤجر خطأ فى جانبه ( ) ، وبذلك يتحول التزام المستأجر من التزام بحقيق غاية إلى التزام ببذل عناية ( ) .

 

وكما يقع التعديل الاتفاقى لقواعد عبء الإثبات مقدماً قبل حصول النزاع على النحو الذى قدمناه ، كذلك يصح أن يقع هذا التعديل أثناء النزاع . فيجوز لخصم لم يكن فى الأصل مكلفاً باثبات واقعة أن يتطوع لإثباتها ، فاذا أجابه القاضى إلى طلبه فليس له بعد ذلك أن يحتج بأنه غير مكلف قانوناً بالإثبات . ذلك أن تطوعه لإثبات الواقعة مع سكوت خصمه يكون بمثابة اتفاق بينهما على نقل عبء الإثبات إليه ، فيلزمه أن يضطلع بهذا العبء . وقد قضت محكمة النقض بأن القواعد التى تبين على أى خصم يقع عبء الإثبات لا تتصل بالنظام العام ، ولذا يجوز الاتفاق على مخالفتها ، وإذن فمتى كان الطاعن قد طلب من$89  المحكمة احالة الدعوى على التحقيق لإثبات ما يدعيه ، فليس له أن ينعى بعد ذلك على الحكم باجابته إلى ما طلب ، حتى ولو كان فيما طلب متطوعاً لاثبات ما هو غير ملزم بحمل عبئه ( ) .

 <><>

ثالثا : طرق الاثبات في قضايا المدنى

 

1ـ ما هى طرق الاثبات (سلطة الخصوم وسلطة محكمة النقض فى شأنها)

ـ طرق الاثبات التى رسمها القانون واجراءاتها وقوو كل طريق منها:رسم القانون طرق افثبات المختلفة . وهو ستة:(1) الكتابة ecrit (2) الشهادة أو البينة temoignage (3) القرائن presomptions (4) الاقرار aveu (5) اليمين serment (6) المعاينة constatation .

ونبادر إلى استبعاد المعاينة من بين موضوعات القانون المدنى ، إذ هى لا تنطوى إلا على إجراءات اصطلح على جعلها كلها من مباحث قانون المرافعات ، سواء فى ذلك ما تعلق منها بانتقال المحكمة للمعاينة visite des lieux (م 185 ـ 188 مرافعات) أو ما تعلق بالمعاينة الفنية التى يقوم بها الخبراء (expertise) () (م 225ـ $90 252 مرافعات) . فتكون طرق الاثبات التى تعالج فى القانون المدنى هى الخمسة الأولى . وتعيين هذه الطرق وتحديد قيمة كل طريق منها من مسائل القانون المدنى ، أما الإجراءات التى رسمها القانون للسير فى كل طريق فمن مسائل قانون المرافعات ولا شأن لنا بها هنا . والكتابة من أقوى طرق الإثبات ، ولها قوة مطلقة إذ يجوز أن تكون طريقاً لاثبات الوقائع القانونية والتصرفات القانونية دون تمييز كما سنرى ولم تكن لها هذه القوة قديماً ، بل كان المقام الأول للشهادة فى وقت لم تكن فيه الكتابة منتشرة بل كانت الغلبة للأمية ، فكان الاعتماد على الرواية دون القلم . هكذا كان الأمر فى الفقه الإسلامى وفى سائر الشرائع . ثم أخذت الكتابة تنتشر ، وساعد على ذلك اختراع الطباعة ، فعلت الكتابة على الشهادة وصار لها المقام الأول . ومن مزايا الكتابة أن يمكن إعدادها مقدماً للإثبات منذ نشوء الحق دون التربص إلى وقت المخاصمة فيه ، ولذلك سميت بالدليل المعد prevue preconstituee . وقد أوجبها القانون بوجه عام طريقاً للإثبات فى الأحوال التى يمكن فيها إعدادها مقدماً ، وهى الأحوال التى يكون فيها مصدر الحق تصرفاص قانونياً ، فان التصرف القانونى يسهل اعداد كتابة لإثباته من وقت صدوره . أما الواقعة القانونية ، وهى عمل مادى ، فقد لا يتيسر إعداد كتابة لإثباتها ، لذلك يجوز بوجه عام إثباتها بجميع طرق الإثبات لا بالكتابة وحدها . ومن مزايا الكتابة أيضاً أنها لا يتطرق إليها من عوامل الضعف ما يتطرق إلى الشهادة ، فالشهود يجوز عليهم الكذب ، وعوزهم الدقة على كل حال ، وتتعرض ذاكرتهم للنسيان . على أن الكتابة ، إذا خلت مما يلحق الشهادة من كذب$91 .أو اضطراب أو نسيان ، لا تخلو هى أيضاً من احتمال التزوير . وقد رسم قانون المرافعات إجراءات معينة للطعن فى الكتابة بالانكار أو بالتزوير (م253 ـ 291 مرافعات) . أما الشهادة أو البينة فقد كانت من أقوى الأدلة فى الماضى كما قدمنا ، ثم تزلت للأسباب التى بيناها إلى مكان أدنى . فهى طريق للإثبات ذو قوة محدودة ، إذ لا يجوز إثبات التصرفات القانونية بها إلا فى حالات استثنائية ، ولا يثبت بها إلا الوقائع القانونية لأنها أعمال مادية فجاز إثباتها بالبينة لموقع الضرورة () . وقد حاطها المشرع بضمانات عدة ، فرسم إجراءات دقيقة لسماع الشهود (م189 ـ 224 مرافعات) ، وفرض عقوبة على شهادة الزور ، وترك للقاضى التقدير الأعلى فى الأخذ بها إذا أقنعه أو فى اطراحها إذا هو لم يقتنع . أما القرائن فهى طريق للإثبات غير مباشر ، لأن الخصم لا يثبت فيها الواقعة ذاتها محل النزاع بل واقعة أخرى متصلة بها يرى القانون أو القاضى أن فى إثباتها إثباتاً للواقعة الأولى ـ وهو الواقعة محل النزاع ـ إثباتاً غير مباشر . والقرائن قسمان:قرئان قانونية يقررها القانون بنص فيه ، وقرائن قضائية يستنبطها القاضى من وقائع الدعوى وظروفها وله حرية واسعة فى تقديرها . والقرائن القانونية إما أن تكون قرئان بسيطة تقبل إثبات العكس ، أو قرائن قاطعة لا يجوز إثبات عكسها () . أما القرائن القضائية فكلها قابلة لإثبات العكس . وإذا كانت $92 القرائن تنطوى فى كثير من الأحوال على وقائع مادية ملموسة لا يتطرق إليها الكذب أو الاضطراتب كما يتطرق إلى الشهادة ، إلا أنها تقوم على أساليب دقيقة من الاستنباط لا يؤمن فيها العثار . ومن ثم جعلت القرائن ، من حيث قوتها فى الاثبات ، بمنزلة الشهادة ذات قوة محدودة ، ولايجوز قبولها إلا حيث تقبل الشهادة . ولم يرسم قانون المرافعات للقرائن إجراءات معينة ، فجميع الأحكام الخاصة بها أحكام موضوعية وهى متناثرة فى جميع نواحى القانون . أما الاقرار فانه إذا صدر من الخصم على نفسه بحق لخصمه ، لا يكون فى الواقع من الآمر طريقاً لاثبات هذا الحق ، بل إعفاء من إثباته ، ونزولا من الخصم المقر عن حقف فى مطالبة خصمه باثبات ما يدعيه . ولما كان الاقرار نزوى عن حق المطالبة بالاثبات ، فهو من جهة يقبل فى الوقائع المادةي والتصرفات القانونية على السواء ، وهو من جهة أخرى يكون حجة قاصرة على المقر دون غيره ، فهو وحده الذى نزل عن حق المطالبة بالاثبات ، وقد يكذب فى إقراره فيقر بشئ فى حق نفسه تخلصاً مما هو أشد أو إلحاقاً للضرر بغيره . وقد رسم قانون المرافعات إجراءات خاصة تمهد للإقرار ، هى إجراءات استجواب الخصوم . (interrogatoire) واستحضارهم شخصياً أمام القاضى (comparution persnnelle) (م 166 ـ 174 مرافعات) . 174 مرافعات) . بقيت اليمن . ويمكن القول منها إنها طريق للإثبات من وجوه أربعة:إذا إذا حلفها من وجهت إليه فقد ثبت حقه بيمينه ، وإذا نكل دون أن يردها فقد ثبت حق خصمه بنكو له ، وإذا ردها إلى الخصم فحلف فقد ثبت حق الخصم بيمينه ، وإذا ردها إلى الخصم فلم يحلف فقد ثبت حقه بنكول خصمه . على أن الواقع من الأمر أن اليمين كالإقرار ليست طريقاً للإثبات ، لأن توجيه اليمين إلى الخصم أو ردها عليه إنما هو احتكام إلى ذمته ، فان حلف كان هذا تحملا للحق ، وإن نكل كان هذا بمثابة الإقرار . ومن ثم يقبل توجيه اليمين فى الوقائع المادية والتصرفات القانونية على السواء ، شأن اليمين فى ذلك شأن الإقرار . وقد رسم قانون المرافعات الإجراءات اللازمة فى تحليف اليمين (م 175 ـ 184 مرافعات) . ونرى مما تقدم أن القانون قد عين طرق الإثبات المختلفة ، وحدد لكل طريق قوته ، بمقتضى قواعد وضعها لذلك () . فهل تعتبر هذه القواعد من النظام العام لا سلطان للخصوم عليها ، أم هى قواعد قابلة للتعديل بالاتفاق فيما بين الخصوم ؟ هذا ما ننتقل الآن إليه . $94 59 ـ الاتفاقات الخاصة بطريق الاثبات ():يذهب الفقه الفرنسى إلى القول ببطلان هذه الاتفاقات . وحجته فى ذلك أن طرق الاثبات تتعلق بحسن تنظيم القضاء والتعرف على خير السبل التى يهتدى بها القضاة إلى الحقائق ، ومن ثم تكون القواعد التى تعين هذه الطرق وتحدد قوة كل منها قواعد تتعلق بالنظام العام ، ولا يجوز للخصوم الاتفاق على مخالفتها () . بل يذهب فريق من الفقهاء فى فرنسا إلى بطلان الاتفاقات المعلقة بقواعد الاثبات كافة ، ليس فحسب القواعد المتعلقة بطرق الاثبات ، بل أيضاً القواعد المتعلقة بتحديد الواقعة المراد إثباتها وبتعيين من من الخصوم يحمل عبء الاثبات () ، وهى القواعد التى سبق أن قررنا أنها لا تتعلق بالنظام العام . ولكن القضاء الفرنسى يذهب إلى القول بصحة الاتفاقات الخاصة بطرق الاثبات كغيرها التى تتعلق بعبء الاثثبات وبالواقعة المراد إثباتها . ولا يستثنى من ذلك إلا الاتفاقات الخاصة بقواعد لا يختلف أحد فى أنها متعلقة بالنظام العام ، كالقواعد الخاصة باثبات الميلاد والوفاة والزواج وإثبات النسب والقوعد الخاصة بوجوب مناقشة الأدلة التى يقدمها الخصوم وبقوة الأوراق الرسمية ونحو ذلك () . وينهض لتوجيه الرأى الذى يذهب إليه القضاء الفرنسى اعتباران:أولهما أن الأصل فى موقف القاضى من الدعوى الحياد كما تقدم القول ، والخصمان هما اللذان يقفان موقفاً إيجابياً ، فلهما أن يسيرا على القواعد التى رسمها القانون للإثبات ، ولكن لا عليهما أن يخالفا هذه القواعد باتفاق بينهما إلى قواعد أخرى يريانها أقرب إلى أداء العدالة $95 ومحيص الحقائق () . والاعتبار الثانى أن إثبات الحق لا يزيد فى الخطر عن الحق ذاته ، وما دام صاحب الحق يستطيع النزول عنه ، فيكف لا يستطيع الاتفاق مع خصمه على طريق معين لاثبات هذا الحق ! ومن ثم فقد حكم القضاء الفرنسى بصحة الاتفاق الخاص بإثبات براءة ذمة الوكيل بطرق أيسر من تلك التى رسمها القانون فى القواعد العامة للإثبات وفى القواعد الخاصة بعقد الوكالة () . وحكم أيضاً بجواز الاتفاق على الاثبات بطريق أيسر مما قرره القانون:كالبينة بديلا من الكتابة () ، أو بطريق أصعب () ، أو بطريق لم يرسمه القانون () ، وهذا ما لم يكن هناك اعتبار واضح من النظام العام () . أما فى مصر فيمكن القول بأن الفقه يذهب إلى أن أكثر قواعد الاثبات لا تعتبر من النظام العام . وكان القضاء ، فى ظل القانون القديم ، يميز بين الاتفاق على الاثبات بالكتابة حيث يبيح القانون الاثبات بالبينة ، وهذا اتفاق جائز مستساغ ، وبين الاتفاق على الاثبات بالبينة حيث يحتم القانون الاثبات بالكتابة ، وهذا كان القضاء يجيزه إذا تم بعد وقوع الخصومة ولا يجيزه إذا أبرم مقدماً قبل $96 وقوع الخصومة . وسنعود إلى هذه المسألة ببيان أوفى () . والذى يعنيان هنا أن نبينه هو أنه يمكن القول إجمالا إن قواعد الاثبات ليست من النظام العام لما سبق ذكره من الاعتبارات التى سقناه فى توجيه القضاء الفرنسى . يوجد حقاً من هذه القواعد ما توحى طبيعته أنه من النظام العام ، كأن تكون الورقة الرسمية حجة على الناس كافة إلى أن يطعن فيها بالتزوير ، وكأن تكتون الورقة العرفية حجة على الغير فى تاريخها الثابت ، وكحجية القرائن القانونية القاطعة فى كثير من الأحوال . ولكن أكثر القواعد لا تعتبر من النظام العام ، فيصح الاتفاق على ما يخالفها . ومن ثم يجوز الاتفاق على نقل عبء الاثبات كما قدمنا . ويجوز الاتفاق أيضاً على ألا تكون للرسائل الموقع عليها ولا للرقيات ولا للدفاتر والأوراق المنزلية قوة الورقة العرفية من حيث الاثبات (م396 و398 مدنى) .ويجوز بوجه عام الاتفاق على عدم إعمال القرائن القانونية البسيطة وهى التى تقبل إثبات العكس . ويجوز أخيراً الاتفاق على أن يكون الاثبات بالكتابة حيث يجيز القانون الاثبات بالبينة، أو أن يكون الاثبات بالبينة حيث يحتم القانون الاثبات بالكتابة () ، وهذه هى المسألة التى سنتناولها ببيان واف عند الكلام فى قوة البينة والقرائن فى الاثبات . $97 60 ـ سلطة محكمة النقض فيما يتعلق بطرق الاثبات:تعيين طرق الإثبات ، وبيان متى يجوز استعمال كل منها ، وتحديد قوة كل طريق من هذه الكرق ، هذه جميعها مسائل قانون تخضع لرقابة محكمة النقض . ولكن متى قبل القاضى طريق افثبات الذى رسمه القانون فى الوضع الذى أجازه فيه وجعل أنه قوته المحددة قانوناً ، فان تقدير مبلغ اقتناع القاضى بالدليل يعتبر من المسائل الموضوعية التى لا تعقيب لمحكمة النقض عليها () . وأخص ما يظهر ذلك فى قوة الإقناع التى تسمد من شهادة الشهود ، وفى القرائن القضائية التى يستنبطها القاضى من وقائع الدعوى وظروفها ، ما دام قاضى الموضوع قد بين فى حكمه الاعتبارات المعقولة التى أسس عليها الحكم ، ولم يعتمد واقعة بغير سند ، ولم يستخلص من الوقائع نتيجة غير مقبولة عقلا . فان بنى حكمه على واقعة لا سند لها ، أو استخلص نتيجة غير مقبولة عقلا ، كان حكمه معيباً وتعين تقضه () . $98 ب ـ تقسيم طرق الاثبات (تقسيمات خمسة) 61 ـ طرق مباشرة وطرق غير مباشرة:يمكن أن تنقسم طرق الإثبات إلى طرق مباشرة (preuves directes) وطرق غير مباشرة (preuves indirectes) . فالطرق المباشرة هى التى تنصب دلالتها مباشرة على الواقعة المراد إثباتها . وهذه هى الكتابة والبينة . فالكتابة تسجل الواقعة المراد إثباتها بالذات ، سواء $99 كانت تصرفاً قانونياً كما هو الغالب أو كانت واقعة قانونية ، فتكون طريقاً مباشراً لإثبات هذه الواقعة . والشهود إذا انصبت شهادتهم على صحة الواقعة المراد إثباتها بالذات ، تصرفاً قانونياً كانت أو واقعة قانونية ، يثبتون هذه الواقعة بطريق مباشر . ويلاحظ أن المعاينة والخبرة طريقان مباشران للإثبات ، بل هما الطريقان اللذان يتصلان اتصالا مادياً مباشراً بالواقعة المراد إثباتها ، ولكنهما من مباحث قانون المرافعات كما قدمنا . والطرق غير المباشرة هى التى لا تنصب دلالتها مباشرة على الواقعة المراد إثباتها ، ولكن تستخلص من طريق الاستنباط . وهذه هى القرائن وافقرار واليمين . أما القرائن فقد قدمنا أن الإثبات فيها لا ينصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات ، بل على واقعة أخرى متصلة بها اتصالا وثيقاً ، بحيث يعتبر إثبات الواقعة الثانية (الواقعة البديلة) إثباتاً للواقعة الأولى (الواقعة الأصيلة) استنباطاً .ومن ثم تنطوى القرائن على استبدال (deplacement) محل آخر فى الإثبات بالمحل الأصلى . فهى إذن تثبت المحل الأصلى ـ أى الواقعة المراد إثباتها ـ بطريق غير مباشر . وكل من الإقرار واليمين لا يعتبر طريقاً مباشراً للإثبات ، فهو وإن تناول. الواقعة المراد إثباتها بالذات ، إلا أن صحة هذه الواقعة لا تستخلص منه مباشرة بل عن طريق الاستنباط . فالإقرار لا يثبت صحة الواقعة المراد إثباتها مباشرة ، بل هو يعفى الخصم من إثباتها ، فتصبح ثابتة بطريق غير مباشر . وكذلك اليمين ، إذ هى احتكام إلى ذمة الخصم ، فان حلف لم يكن هذا معناه أن الواقعة التى حلف عليها هى صحيحة حتما ، بل تعتبر صحيحة نزولا على مقتضى الاحتكام ، وإن نكل كان نكوله بمثابة إقرار يعفى خصمه من الاثبات ، ففى حالة الحلف يكون خصمه قد أعفاه من الاثبات ، وفى حالة النكول يكون هو الذى أعفى خصمه ، وفى الحالتين تكون الواقعة المراد إثباتها قد ثبتت بطريق غير مباشر . ولما كان الإعفاء من الإثبات ، سواء فى الاقرار أو فى اليمين ، مقصوراً على الخصمين ، قان حجية الإقرار واليمين حجية قاصرة عليهما غير متعدية إلى الغير . أما حجية القرائن فهى حجية متعدية () .

طرق مهيأة وطرق غير مهيأة:ويمكن أيضاً تقسيم طرق الإثبات إلى طرق مهيأة (preuves preconstituees) وطرق غير مهيأة (preuves casuelles) . فالطرق المهيأة هى التى أعدها صاحب الشأن مقدماً لإثبات حقه فى حالة المنازعة فيه . والطرق المهيأة هى عادة الكتابة ، يعدها صاحب الشأن مقدماً لإثبات تصرف قانونى كعقد بيع ، أو لإثبات واقعة قانونية كميلاد أو موت أو ميراث . لذلك تسمى الكتابة فى هذه الحالة سنداً (acte) لأنها أعدت لتكون دليلا يستند إليه عند قيام النزاع . والطرق غير المهيأة هى التى لا تهيأ مقدماً ، بل تتهيأ وقت قيام النزاع فى الحق المراد إثباته . وكل طرق الإثبات فيما عدا الكتابة تكون عادة طرقاً غير مهيأة . فالشهود لا تعد فى العادة إلا عند قيام النزاع . والقرائن لا تستخلص من وقائع القضية وظروفها إلا أما القاضى وهو ينظر الدعوى . وكذلك الإقرار واليمين ، لا يجديان إلا إذا كانا فى مجلس القضاء وقت نظر النزاع . أما الإقرار غير القضائى فان ثبت بالكتابة كانت الكتابة فى هذه الحالة دليلا مهيأ ، وإن ثبت بالبينة فالعبرة بها وهى عادة دليل غير مهيأ () ، وغنى عن البيان أن المعاينة والخبرة دليلا لا يتهيئان إلا بعد قيام النزاع ونظر الدعوى أمام القضاء . على أن الدليل المهيأ قد يصبح دليلا مهيأ إذا أعده صاحب الشأن مقدماً ، وذلك كالبينة فقد يعد صاحب الحق مقدماً شهوداً على حقه وقت نشوئه ليهيء الدليل على هذا الحق إذا توزع فيه . وكذلك الدليل المهيأ قد يصبح دليلا غير مهيأ إذا لم يعد فى الأصل ليكون دليلا للاثبات ، وذلك كدفاتر التجار فهى قد أعدت أصلا لضبط معاملات التجار ولكن قد تستخدم عرضاً كدليل للإثبات . ومن ثم لا تسمى الكتابة سنداً (acte) إلا إذا كانت دليلا مهيأ . 63 ـ طرق ذات حجية ملزمة وطرق ذات حجية غير ملزمة:ويمكن كذلك تقسيم طرق الاثبات إلى طرق حجيتها ملزمة وطرق حجيتها غير ملزمة . فالطرق ذات الحجية الملزمة هى الطرق التى حدد القانون مبلغ حجيتها ولم يتركها لمحض تقدير القاضى . وهذه هى الكتابة والاقرار واليمين والقرائن القانونية . وبعض هذه الأدلة حجيتها قاطعة لا تقبل إثبات العكس ، وهى اليمين والقرائن القانونية القاطعة . وبعضها حجيتها غير قاطعة فتقب لإثبات العكس ، وهذه هى الكتابة إذ تقبل الانكار والطعن بالتزوير ، والاقرار إذ يجوز للمقر أن يثبت أن إقراره غير صحيح ، والقرائن القانونية البسيطة ، إذ يجوز دحضها باثبات ما يخالفها . والطرق ذات الحجية غير الملزمة هى البينة والقرائن القضائية . وقد قدمنا أن حجية هذين الطريقين غير ملزمة للقاضى ، فهو حر فى تكوين مبلغ اقتناعه بشهادة وفى استنباط القرائن القضائية من وقائع الدعوى وظروفها ، ولا رقابة عليه لمحكمة النقض فى ذلك () . 64 ـ طرق أصلية وطرق تكميلية وطرق احتياطية:وتنقسم أيضاً طرق الاثبات إلى طرق أصلية وطرق تكميلية وطرق احتياطية . فالطرق الأصيلة هى الدلة التى تقوم بذاتها دون أن تكون مكملة لأدلة موجودة . وهى قد تكون كافية وحدها ، كالكتابة وكالبينة والقرائن القضائية فى الوقائع القانونية وفى الصرفات القانونية التى لا تزيد قيمتها على عشرة جنيهات . وقد تكون غير كافية ولابد من استكمالها بطرق تكميلية ، كمبدأ الثبوت بالكتابة فهو طريق أصلى ولكنه غير كاف ولابد من استكماله بالبينة أو بالقرائن القضائية أو بهما معاً () . والطرق التكميلية هى الأدلة التى لا تقوم بذاتها ، بل تكون مكملة لأدلة موجودة . وذلك كالبينة والقرائن القضائية واليمين المتممة ، فهذه يستكمل لها مبدأ الثبوت بالكتابة فى التصرفات القانونية التى تزيد قيمتها على عشرة جنيهات . ويلاحظ أن البينة والقرائن القضائية قد تكون طرقاً أصلية ، وذلك فى الوقائع القانونية وفى التصرفات القانونية التى لا تزيد قيمتها على عشرة جنيهات كما سلف القول ، وقد تكون طرقاً تكميلية ، وذلك فى التصرفات القانونية التى تزيد قيمتها على عشرة جنيهات عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة كما قدمنا . ويلاحظ أيضاً أن البينة والقرائن القضائية قد تكون أدلة بدلية لا تكميلية ، فتحل محل الكتابة لا تكملها ، وذلك فى حالة وجود مانع يحول دون الحصول على دليل كتابى أو يحول دون تقديمه بعد الحصول عليه . ويلاحظ أخيراً أن اليمين المتممة يستكمل بها لا مبدأ الثبوت بالكتابة فحسب ، بل أيضاً أى تدليل أصلى آخر يراه القاضى فى حاجة إلى استكمال كالبينة والقرائن القضائية فى الوقائع القانونية وفى التصرفات القانونية إذا لم تزد قميتها على عشرة جنيهات . والطرق الاحتياطية هى الطرق التى يلجأ إليها الخصم عندما يعوزه أى طريق $103 آخر . وهذه هى الإقرار واليمين الحاسمة . فاذا عدم الخصم الدليل على دعواه ، لم يقى أمامه إلا أن يلجأ إلى استجواب خصمه عساه يحصل على إقرار منه ، أو أن يوجه إليه اليمين الحاسمة وبذلك يحتكم إلى ضميره . والطرق الاحتياطية قد تسعف فى بعض الأحيان وهذا هو القليل النادر ، ولكنها فى الكثرة الغالبة من الأحوال تقضى على من لجأ إليها . ولذلك لا يلجأ إليها الخصم إلا فى الضرورة الصوى ، عندما تلجئه الحاجة الملحة إليها . وهى فى الواقع ليست طرقاً للإثبات ، بل طرقاً للاعفاء من الإثبات كما قدمنا () . 65 ـ طرق ذات قوة مطلقة وطرق ذات قوة محدودة وطرق معفية من الاثبات:وتنقسم أخيراً طرق الإثبات إلى طرق ذات قوة مطلقة وطرق ذات قوة محدودة وطرق معفية من الاثبات:أما الطرق ذات القوة المطلقة فى الاثبات فهى الطرق التى تصلح لاثبات جميع الوقائع ، سواء كانت وقائع مادية أو تصرفات قانونية ، وأيا كانت قيمة الحق المراد إثباته . ولا يوجد من الطرق التى نعالجها ما هو ذو قوة مطلقة فى الاثبات على هذا النحو إلا الكتابة ، فهى تصلح لاثبات جميع الوقائـع المادية وجميع التصرفـات القانونية مهما بلغت قيمـة الحق () . والطرق ذات القوة المحدودة فى الاثبات هى الطرق التى تصلح لاثبات بعض الوقائع القانونية دون بعض ، فهى إذن محدودة القوة . وهذه هى البينة والقرائن القضائية ، إذ هى لا تصلح لإثبات التصرفات القانونية إذا زادت قميتها على عشرة جنيهات إلا فى حالات استثنائية معينة . وكذلك اليمين المتممة طريق للإثبات ذات قوة محدودة فهى لا تصلح إلا لإتمام دليل ناقص . $104 والطرق المعفية من الاثبات هى الاقرار واليمين الحاسمة والقرائن القانونية ، وقد تقدم بيان ذلك . ولما كانت هذه الطرق تعفى من الاثبات ، فهى تصلح للاعفاء من إثبات أية واقعة مادية أو أى تصرف قانونى مهما بلغت قيمته ، فهى من هذه الناحية ذات قوة مطلقة() . وهذا التقسيم هو أهم التقسيمات تجميعاً ؛ إذ هو يرتكز على ما لكل طريق من قوة فى الاثبات ، والقوة فى الاثبات هى التى تخلع علىكل طريق قيمته وتميزه من الطرق الأخرى . لذلك نتخذه أساساً لاستعراض طرق الاثبات المختلفة فى أبواب ثلاثة:الباب الأول ـ فى طرق الاثبات ذات القوة المطلقة:الكتابة . الباب الثانى ـ فى طرق الاثبات ذات القوة المحدودة:البينة والقرائن القضائية (). الباب الثالث ـ فى الطرق المعفية من الاثبات:الاقرار واليمين والقرائن القانونية . طرق الاثبات ذات القوة المطلقة الـكتابة 66 ـ الورقة والسند والتصرف:يقوم لبس فى لغة القانون الفرنسية من شأنه أن يخلط ما بين التصرف وأداة إثباته ، فالشيئان يطلق عليهما لفظ واحد ، هو لفظ (acte) . وقد تسرب هذا اللبس إلى لغة القانون العربية ، فأطلق لفظ ((العقد)) على التصرف ، ثم استعمل اللفظ عينه فى أداة إثباته فقيل ((عقد رسمى)) و ((عقد عرفى)) وقصد بذلك الورقة الرسمية أو العرفية الورقة التى تعد لإثبات التصرف () . وحتى لا يقوم هذا اللبس نقصر لفظ ((العقد)) على الوع المعروف من التصرفات القانونية . أما أداة الإثبات فلها لفظان فى اللغة العربية:السند والورقة . ولما كان لفظ ((الورقة)) أعم فى المعنى من لفظ ((السند)) إذ السند معناه كما قدمنا الورقة المعد للاثبات ، أى الدليل المهيأ (prevue preconstituee) ، فالأولى أن نقف عند لفظ ((الورقة)) ، فنستعمل هذا اللفظ فى الأجلة الكتابية جميعاً ، سواء أعدت للإثبات أو لم تكن معدة . ونقول ((الورقة الرسمية)) ((والورقة العرفية)) ، قاصدين بذلك الدليل الكتابي الذى يثبت به التصرف ولو لم يكن معداً للإثبات ، كالرسائل والبرقيات والدفاتر التجارية . وفرق ما بين التصرف والورقة المثبتة له ، فقد يكون التصرف صحيحاً والورقة باطلة ، $106 وعلى العكس من ذلك قد يكون التصرف باطلا الورقة صحيحة () . 67 ـ أنواع الاوراق وقوتها فى الاثبات:والأوراق ـ كأداة للإثبات ـ قسمان:(1) أوراق رسمية (actes authentiques) ، ويقوم بتحريرها موظف عام محتص وفقاً لأوضاع مقررة . وهى كثيرة متنوعة:منها الأوراق الرسمية المدنية كتلك التى تثبت العقود والتصرفات المدنية ، ومنها الأوراق الرسمية العامة كالقرارات الإدارية والقوانين والمعاهدات ،ومنها الأوراق الرسمية القضائيةكعرائض الدعوى وأوراق المحضرين ومحاضر الجلسات والأحكام ـ (2) أوراق عرفية (actes sous seing prive) ، ويقوم بتحريرها الأفراد فيما بينهم . وهى نوعان:(1) أوراق معدة للإثبات كالأوراق المعدة لإثبات التصرفات القانونية من بيع وإيجار ونحوهما وتسمى أيضاً ((بالسندات)) (ب) وأوراق غير معدة للإثبات كدفاتر التجار والدفاتر والأوراق المنزلية والرسائل والرقيات . والكثرة الغالبة من الأوراق الرسمية والعرفية هى ((سندات)) أو أوراق معدة للإثبات ، فهى دليل مهيأ (prevue preconstituee) ، وقد تقدم ذكر ذلك () . والأصل أن الورقة التى تعد لإثبات تصرف تكتب عقب إبرام هذا التصرف ، فالمتبايعان مثلا يبرمان عقد البيع فيما بينهما ثم يعدان ورقة لإثباته . ولكن يقع كثيراً أن المتعاقدين يبرمان العقد وقت كتابة الورقة والتوقيع عليها ، ولا يعتبر العقد قد تم إلا بالتوقيع . بل ليس ما يمنع أن تكتب ورقة إعداد $107 لإثبات تصرف لم يتم إبرامه ، فلا يعتبر العقد فى هذه الحالة قد أبرم بمجرد كتابة الورقة ولو وقعت . وقد قضت محكمة استئناف أسيوط فى هذا المعنى بأن ((التعاقد لا يعتبر تاماً ملزماً بمجرد تدوين نصوصه كتابة ولو حصل التوقيع عليها ، بل إنه لا بد من قيام الدليل على تلاقى إرادة المتعاقدين على قيام الالتزام ونفاذه ، وهذا ما يقتضى تسليم السند المثبت له لصاحب الحق فيه ، بحيث لو تبين أنه لم يسلم إليه مطلقاً لما صلح هذا الالتزام ، كما أنه إذا تبين أنه قد تحرر مكتوب بالتعاقـد ولكنه سلم لأميـن فانه يتعين البحث فى ظروف وشـروط تسليـم ذلـك المكتـوب للأمين)) () . والأوراق ـ رسمية كانت أو عرفية ـ لها حجية فى الإثبات يحددها القانون ، وهى تتفاوت قوة وضعفا . وأقوى الأوراق فى الإثبات هى الأوراق الرسمية . فهى حجة على الناس كافة على الوجه الذى سنبينه فيما بعد . أما الأوراق العرفية المعدة للإثبات فقوتها أقل من قوة الأوراق الرسمية ، إذ هى لا تنهض حجة إذا أنكرها من صدرت منه ، وعند ذلك يرسم القانون إجراءات معينة لتحقيق صحة صدورها () . وسنعود إلى هذه المسألة فى موضعها ببيان أوفى . والأوراق العرفية غير المعدة للإثبات لا يكون لها من الحجية إلا القدر الذى يعينه القانون ، كما هو الأمر فى شأن الرسائل والبرقيات ودفاتر التجار . وحجية الأوراق ـ رسمية كانت أو عرفية ـ لا تقتصر على ما تثبته هذه الأوراق عن طريق التقرير (disposition) ، بل تتناول أيضاً ما تثبته عن طريق الاخبار (enunciation) إذا اتصل اتصالا مباشراً بما تثبته عن طريق التقرير . وفى هذا المعنى تنص المادة 1320 من التقنين المدنى الفرنسى على ما يأتى:((تكون الورقة ـ رسمية كانت أو عرفية ـ حجة على الطرفين حتى فيما لم تذكره إلا على سبيل الاخبار ، ما دام الاخبار متصلا اتصالا مباشراً بما ذكر على سبيل التقرير ، أما إذا كان الاخبار أجنبياً عن التقرير ، فلا يصلح إلا مبـدأ ثبوت $108 بالكتابة () . والورقة المعدة للإثبات إنما أعدت أصلا لتثبت ما قرره الطرفان من بيع أو إيجار أو وفاء أو تجديد أو غير ذلك من التصرفات القانونية ، وهذا هو ما تثبته الورقة عن طيق التقرير . ثم إنه قد يرد فى الورقة ذكر لبعض الوقائع ليست هى التى أعدت الورقة أصلا لإثباتها ، ولكنها تتصل بها ، وقد ذكرت على سبيل التمهيد والإيضاح . وتأتى الأساتذة بلانيول وريبير وجابولد () بمثلين لما يذكر فى الورقة على سبيل الأخبار:(1) ورقة أعدت لإثبات دين قديم ، وذكر فيها على سبيل الأخبار أن فوائد هذا الدين مدفوعة إلى يوم تحرير الورقة . فهذا الاخبار له صلة مباشرة بالدين الذى أعدت الورقة لإثباته على سبيل التقرير ، ومن ثم يكون للإخبار هنا حجية كاملة ، فهو دليل كتابى على الوفاء بفوائد الدين إلى اليوم الذى حررت فيه الورقة . (2) ورقة أعدت لتجديد مرتب (rente) عن طريق تغير المدين ، فذكر فيها على سبيل الإخبار صلته بالمرتب قبل التجديد صلة غير مباشرة ، ولا يصلح دليلا كاملا لمجرد أن المدين الجديد قد تعهد بدفع المرتب مستقبلا ، ومن ثم لا يكون الإخبار هنا إلا مبدأ ثبوت بالكتابة يجب استكماله بالبينة أو بالقرائن . 68 ـ الفروق ما بين الورقة الرسمية والورقة العرفية:وقبل أن نفصل الكلام فى الورقة الرسمية والورقة ، نورد هنا أبرز ما بينهما من فروق . فالورقة الرسمية تختلف عن الورقة العرفية من ناحية الشكل ومن ناحية $109 الحجية فى الإثبات ومن ناحية القـوة فـى التنفيذ . 1 ـ فمن ناحية الشكل:يشترط فى الورقة الرسمية أن يقوم بتحريرها موظف عام مختص وفقاً لأوضاع مقررة . أما الورقة العرفية فالشرط الوحيد لصحتها هو توقيع المدين ، هذا إذا كانت معدة للإثبات ، أما إذا لم تكن معدة فلا ضرورة حتى لهذا التوقيع . 2 ـ ومن ناحية الحجية فى الإثبات:كل من الورقة الرسمية والروقة العرفية حجة على الكافة (أولا) من حيث صدورها من موقعها . ولكن الورقة الرسمية لا تسقط حجيتها هنا إلا من طريق الطعن بالتزوير ، أما الورقة العرفية الرسمية لا تسقط حجيتها هنا إلا من طريق الطعن بالتزوير ، أما الروقة العرفية فيكفى فيها إنكار الخط أو التوقيع . (ثانياً) من حيث صحة ما ورد فيها . ولكن الورقة الرسمية حجة إلى حد الطعن بالتزوير فيما ورد على لسان الموظف العام أنه علمه بنفسه ، أما صحة ما قرره رواية عن الغير فيجوز دحضها باثبات العكس وفقاً للقواعد المقررة ، وتاريخ الورقة الرسمية يعتبر صحيحاً إلى حد الطعن بالتزوير . والورقة العرفية يجوز دحض صحة ما ورد فيها جميعاً باثبات العكس ، لا فرق فى ذلك بين ما قرر موقها أنه علمه بنفسه وما قرره رواية عن الغير ، وتاريخ الورقة العرفية يكون حجة على موقعيها ولكنه لا يكون حجة على الغير إلا إذا كان تاريخاً ثابتاً . 3 ـ ومن ناحية القوة في التنفيذ الورقة الرسمية يمن النفيذ بها مباشرة دون حاجة إلى حكم ، ويكون ذلك بالصورة التنفيذية للورقة () . فيستطيع البائع مثلا أن ينفذ بالثمن بموجب الصورة التنفيذية للبيع الرسمى ، كما يستطيع المشترى أن ينفذ بحقه فى تسلم المبيع . ولا يجوز الشروع فى التنفيذ قبل إعلان الورقة الرسمية إلى الخصم ، ويشتمل الإعلان على تكليف المدين بالوفاء وبيان $110المطلوب منه (م 460 مرافعا) . هذا هو تنبيه بالوفاء (commandement) لا مجرد إنذار (summation) . وينبنى على ذلك أن للمدين أن يعارض فى هذه التنبيه ، وأن يتقدم بوجوه الطعن التى يتمسك بها إلى المحكمة المختصة . وإذا بدئ فى تنفيذ الورقة الرسمية جاز للمدين رفع إشكال فى التنفيذ لوقفه ، ويكون ذلك أمام محكمة الموضوع (م 479 مرافعات) . أما الورقة العرفية فليست لها ، على خلاف الورقة الرسمية ، قوة تنفيذية . فاذا كان سند الدين ورقة عرفية ورفض المدين تنفيذ التزاماته طوعاً ، فانه لا يمكن إجباره على التنفيذ حى لو كان معترفا ً بالورقة ، إلا إذا حصل الدائن على حكم قابل للتنفيذ ، والحكم لا الورقة هو الذى ينفذ () . وتفصيل القول فى الأوراق من ناحية القوة فى التنفيذ هو من مباحث قانون المرافعات . وننتقل الآن إلى تفصيل البحث فى الأوراق الرسمية ثم فى الأوراق العرفية على التعاقب . $111الفصل الأول الأوراق الرسمية 69 ـ ناحيتان:نتناول تفصيل البحث فى الأوراق الرسميةمن ناحيتين:(أولا) من ناحية شروط صحتها . (ثانيا) من ناحية حجيتها فى الإثبات . الفـرع الأول الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة الرسمية 70 ـ النصوص القانونية:تنص المادة 390 من التقنين المدنى على ما يأتى:((1 ـ الورقة الرسمية هى التى يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوى الشأن ، وذلك طبقاً الأوضاع القانونية وفى حدود سلطته واختصاصه)) . ((2 ـ فإذا لم تكسب هذه الورقة صفة الرسمية ، فلا يكون لها إلا قيمة الورقة العرفية متى كان ذوو الشأن قد وقعوها بامضاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم () . $112 ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 226/291 () . ويقابل فى التقنينات المدينة العربية الأخرى:فى قانون البينات السورى المادة 5 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 450 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادتين 154و155 ، وفى التقنين المدنى الليبى المادة 377 () ـ $113 ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادتين 1317و1318 () $114 ويتبين من نص المادة 390 من نالتقين المدني المصرى أن هناك شروطاً ثلاثة يجب توافرها لتكون الورقة الرسمية صحيحة () . (أولا) أن يقوم بكتابة الورقة أو بتلقيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة . (ثانياً) أن يكون هذا الموظف أو الشخص مختصاً من حيث الموضوع (في حـدود سلطته) ومن حيث المكان (في اختصاصه) . (ثالثاً) أن يراعى في توثيق الورقة الأوضاع التى قررها القانون () . ونتناول بالبحث كلا من هذه الشروط الثلاثة ، ثم نبحث جزاء الإخلال بأى منها . المبحث الأول صدور الورقة الرسمية من موظف عام أو شخص مكلف . بخدمة عامة 71 ـ كيف تصدر الورقة الرسمية ونوعا البيانات التي تتضمنها:تقول المادة 390 أن الورقة الرسمية هى التى يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوى الشأن . وترجمت هذه $115 العبارة الأخيرة ، في الترجمـة الفرنسية التى قامت بها وزارة العدل للتقنين المدني الجديد ، على الوجه الآتي:\"…constate… des faits qui ont eu lieu en sa presene ou des declarations a lui faites par les interesses\". ومعناها:((... يثبت ... الوقائع التى حدثت في حضوره والأقوال التى ألقيت إليه من ذوى الشأن)) . فالورقة الرسمية يكون صدورها إذن من الموظف العام بأن يكون هو الذي يحررها . وليس من الضرورى أن تكون مكتوبة بخطه ، بل يكفى أن يكون تحريرها صادراً باسمه . ويجب على كل حال أن يوقعها بامضائه . ويثبت فيها نوعين من البيانات:(1) ما تم على يديه . أي أنه يثبت في الورقة الرسمية جميع الوقائع التى وقعت تحت نظره وبمشهد منه خاصة بالتصرف الذى يوثقه . فيثبت حضور ذوى الشأن ، وما قام به كل منهم كأن يكون المشترى مثلا سلم الثمن كله أو بعضه للبائع أمام الموثق ، وحضور الشهود أمامه مع ذكرهم بأسمائهم ، وتاريخ تحرير الورقة الرسمية ، وتلاوته الصيغة الكاملة للورقة ومرفقاتها مع بيان الأثر القانونى المترتب عليها ، وقيام ذوى الشأن والشهود بتوقيعها ، وغير ذلك من الوقائع التى تمت بمحضر منه وتحت بصره . (2) ما تلقاه من ذوى الشأن من أقوال وبيانات وتقريرات فى شأن التصرف القانوني الذي تشهد به الوقة ، أى ما وقع تحت سمعه . فالبائع مثلا قرر أنه باع عيناً بحدود معينة بثمن معين وتعهد بالتزامات معينة ، وقرر المشترى أنه قبل شراء هذه العين بهذا الثمن وأنه من جهته تعهد بالتزامات معينة ، وهكذا . وسنرى فيما يلى أن التمييز بين هذين النوعين من البيانات ـ ما وقع تحت بصره وما وقع تحت سمعه ـ له أهمية كبيرة من ناحية حجية الورقة الرسمية ، فالنوع الأول له حجية مطلقة إلى حد الطعن بالتزوير ، والنوع الثانى يجوز دحض وصحته باثبات العكس . 72 ـ موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة:والموظف العام هو شخص عينته الدولة للقيام بعمل من أعمالها ، سواء آجرته على هذا العمل كالموثق ، أو لم تؤجره كالعمدة . $116 ويتنوع الموظفون العامون بتنوع الأوراق الرسمية فالموظف الذى يقوم بتحرير التصرفات هو المأمور الرسمى أو الموثق ، والموظف الذى يقوم بكتابة الأحكام هو القاضى ، والموظف الذى يثبت ما يدور في جلسة القضاء من إجراءات ومرافعات هو كاتب الجلسة ، والموظف الذى يقوم باعلان أوراق المرافعات المختلفة وتنفيذ الأحكام والأوراق الرسمية هو المحضر. ويبقى الموظف عاماً حى لو كان يعمل في إدارة حكومية يقوم عادة بعملها الشركات في البلاد الأخرى . كمصلحة السكك الحديدية ومصلحة البريد . ويترتب على ذلك أن أوراق النقل الخاصة بمصلحة السكك الحديدية وحوالات البريد تعتبر أوراقاً رسمية ، ويكون التزوير فيها جناية لا جنحة . وكذلك حال الموظفين الذين يعملون في إدارة الأموال الخاصة لدولة (مصلحة الأملاك) ، فتعتبر الوراق التى يكتبونها أوراقاً رسمية . وموظفوا وزارة الأوقاف والأشخاص المعنوية العامة الأخرى كالجامعات ودار الكتب ومجالس المديريات والمجالس البلدية والقروية ، كل هؤلاء يعتبرون موظفين عامين . وليس من الضرورى أن يكون من تصدر منه الورقة الرسمية موظفاً عاما، بل يكفى أن يكون مكلفاً بخدمة عامة ، وهذا تعديل في المشروع التمهيدى للتقنين المدني الجديد أجرته لجنة المراجعة . فالمأذون يقوم بتحرير عقود الزواج وإشهادات الطلاق . والخبير يقوم بتحرير محضر بأعماله وتقرير يقدمه عن المهمة التى انتدب لها ، وكذلك القسيس فيما يتعلق بزواج المسيحيين ، وقضاة المجالس الملية وكتبتها فيما تيعلق بأحكام هذه المجالس وبمحاضر حلساتها . وهؤلاء ليسو موظفين عامين ، ولكنهم أشخاص مكلفون بخدمة عامة . 73 ـ الموظفون العامون الذين كانوا يقومون بالتوثيق قبل النظام الحالى:أنشئ النظام الحالي:أنشئ النظام الحالى للتوثيق في مصر بمقتض قانون رقم 68 لسنة 1947 ، وعمل به من أول يناير سنة 1948 . وقبل أن نبسط أحكام هذا القانون ، نذكر فى إيجاز من هم الموظفون العامون الذين كانوا يقومون بالتوثيق فى مصر قبل النظام الحالى ، أى إلى آخر شهر ديسمبر سنة 1947 . كان المنوط به القيام بتوثيق العقود والأوراق الرسمية في مصر جهات ثلاثاً:$117(1) كتاب المحاكم المختلطة الكلية:وكانوا يعتبرون بمثابة موثقين للعقود ويسمون (greffiers-notaires) فيوثقون جميع أنواع التصرفات . ويستوى أن يكون أصحاب الشأن من المصريين أو الأجانب ، إذ كان اختصاص المحاكم المختلطة يمتد إلى الفريقين . والصيغة التنفيذية التى كان قلم كتاب المحكمة المختلطة يضعها على الورقة الرسمية يجعلها صالحة للتنفيذ على المصريين والأجانب جميعاً . فاذا كان التنفيذ على مصريين قام به محضر من المحاكم الوطنية . وإن وجد صالح أجنبى قام بالتنفيذ محضر من المحاكم المختلطة . (2) قضاة المحاكم الشرعية أو من يحيل هؤلاء القضاة عليه التوثيق من كتاب هذه المحاكم:والأوراق الرسمية التى كانت المحاكم الشرعية توثقها تسمى ((إشهادات)) ، وهى العقود والتصرفات التى تقرها الشريعة الإسلامية ، سواء كانت تتعلق بالأحوال الشخصية كالوصية والهبة والوقف ـ أما إشهادات الزواج والطلاق فكانت ولا تزال من اختصاص المأذونين الشرعيين ـ أو كانت تتعلق بالمعاملات المالية كالبيع والقسمة والوكالة . ويستوى هنا أيضاً أن يكون أصحاب الشأن من المصريين أو من الأجانب . ولم تكن المحاكم الشرعية تضع الضيغة التنفيذية على ما توثقه من إشهادات إذ لم يكن بها محضرون للتنفيذ . وكانت الجهة التى تضع الصيغة التنفيذية على إشهادات المحاكم الشرعية هى المحاكم الوطنية إذا كان ذوو الشأن جميعاً مصريين ، ويقوم بالتنفيذ محضر من هذه المحاكم . أما إذا كان بين ذوى الشأن أجنبى ، فالجهة التى كانت تضع الصيغة التنفيذية هى المحاكم المختلطة ، ويقوم بالتنفيذ محضر منها . ولا يزال ، حتى بعد نفاذ النظام الجديد ، للمحاكم الشرعية اختصاص فى التوثيق سنذكره فيما يلى . (3) كانت المادة 47 من اللائحة القديمة لترتيب المحاكم الأهلية تنص على أنه ((يلزم أن يكون بطرف كتبة المحاكم الابتدائية دفاتر للرهونات والتسجيل والقيد ، ويجب عليهم تحرير كافة العقود والمشارطات ، وتكون العقود التي يحررونها في قوة العقود الرسمية، ويحفظ أصلها بقلم كتاب المحكمة)) . ولكن هذا النص لم يعمل به ، وبقى معطلا إلى أن دخل النظام الجديد للتوثيق . ولم يعين بالمحاكم الأهيلية موظفون للتوثيق ولم تنظم له سجلات ، فيما عدا بعض المسائل الخاصة بقبول الإقرارات الرسمية وحق الاختصاص والشفعة . وقد جرى العمل على $118 توثيق أكثر التصرفات في المحاكم المختلطة ، وتوثيق بعضها لا سيما الوقف فى المحاكم الشرعية . 74 ـ الموظفون العامون الذين يقومون بالتوثيق فى النظام الحالى:ظهر في العمل عيوب تعدد جهات التوثيق على النحو الذي أسلفناه . فصدر قانون رقم 68 لسنة 1947 ، بتاريخ 29 يونية سنة 1947 (الوقائع المصرية عدد 3 يوليه سنة 1947) ، والمعمول به من أول يناير سنة 1948 ، يوحد جهات التوثيق ويعيد تنظيمه . وتقول المذكرة الإيضاحية لهذا القانون:((وإذا كانت هذه الحالة () لم تعد موافقة لظروف العصر ، فقد اتجه الرأى من زمن إلى وضع نظام ثابت للتوثيق تتوحد به جهاته وتنتظم شؤونه على وجه يكفل تحقيق الطمأنينة التامة على الحقوق واستقرار المعاملات)) . وقد قضى قانون التوثيق ولائحته التنفيذية بتوحيد جميع جهات التوثيق فى جهة واحدة ، ليست هى أياً من المحاكم المتقدمة الذكر ، بل هى مكاتب مستقلة () تتولى توثيق المحررات التى يقضى القانون بأن يطلب المتعاقدون توثيقها . $119 وتتولى توثيق جميع هذه المحررات ، عدا ما كان مها متعلقاً بالوقف () والأحوال الشخصية للمسلمين () فيبقى توثيقها كما كان للمحاكم الشرعية() . أما التوثيق من اختصاص هذه المكاتب الموحدة . ولكن غير المسلمين من الأجانب يكون لهم الخيار فى توثيق أوراقهم المتعلقة بالأحوال الشخصية بين مكاتب التوثيق أو جهاتهم القنصيلة ، إذ الشكل فى قواعد القانون الدولى الخاص قد يخضع للقانون الوطنى المشترك (م 20 مدنى) كما يخضع لقانون البلد الذى تمت فيه أو قانون الموضوع أو قانون موطن المتعاقدين () . $120 أما الموظفون العامون الذين يقومون بالتوثيق فى النظام الجديد فهم ـ عدا قضاة المحاكم الشرعية وكتبتها والمأذونين الشرعيين فيما يتعلق بالوقف والأحوال الشخصية للمسلمين ، وعدا القنصليات الأجنبية عند اخيارها فيما يتعلق بالأحوال الشخصية لغير المسلمين الأجانب ـ موظفون معينون لهذا الغرض ، إذ تنص المادة الأولى من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق على أن ((يقوم بالتوثيق موثقون وموثقون مساعدون يعينون بقرار من وزير العدل)) . ويتبين مما تقدم أن الذين يقومون بالتوثيق فى مصر هم ، كقاعدة عامة ، موظفون عامون يعينهم وزير العدل . وكانوا قبل ذلك أيضاً موظفين عامين يعينهم وزير العدل فى المحاكم المختلطة وفى الحاكم الشرعية . أما فى فرنسا فيقوم بالتوثيق طائفة تسمى ((بالموثقين)) (notaries) ، ولهم نظم خاصة ، وماض بعيد ، وتقاليد قوية . وهم ليسو بالموظفين الذين يتقاضون أجراً من الدولة ، بل يؤجرون على أعمالهم من أصحاب الشأن ، شأنهم فى ذلك شأن المحامين ومحضرى القضايا (avoues) وسائر أصحاب المهن المنظمة رسمياً (officiers ministeriels) ، ويوجد لهم نظير فى بعض البلاد العربية يسمى بالكاتب العدل . وأقرب نظير لهم فى مصر هم المأذونون الشرعيون ، إذ لا يتقاضى هؤلاء أجراً من الدولة ، وإن كان إختصاصهم محصوراً فى دائرة الأحوال الشخصية للمسلمين وفى بعض نواحيها ، فيضيق اختصاصهم كثيراً بل ويختلف عن اختصاص الموثقين فى فرنسا () . $121 المبحث الثاني اختصاص الموظف من حيث الموضوع ومن حيث المكان المطلب الأول اختصاص الموظف من حيث الموضوع 75 ـ المقصود ((بالسلطة)) فى نص المادة 390:لا يكفى لصحة الورقة الرسمية أن يوقم بتحريرها موظف عام ، بل يجب أيضاً أن يكون هذا $122 الموظف مختصاً بكتابتها من حيث الموضوع . وتشترط المادة 390 السابق إيرادها أن يكون الموظف العام قد عمل ((فى حدود سلطته واختصاصه)) . وفى رأينا أن المقصود ((بالسلطة)) فى هذا النص جملة أمور:(1) ولاية الموظف العام من حيث قيامها (2) أهلية الموظف العام من حيث عدم قيام مانع شخصى به يجعله غير صالح لتوثيق ورقة بالذات (3) الاختصاص الموضوعى للموظف العام من حيث نوع الأوراق الرسمية التى يجوز له أن يقوم بتوثيقها . وهذا كله يدخل فى ((سلطة)) الموظف العام () . أما ((الاختصاص)) فنرى قصره على الاختصاص المكانى الذى سننتقل إليه فيما يلى ():ونستعرض هذه الأمور الثلاثة متعاقبة:الولاية والأهلية والاختصاص الموضوعى . 76 ـ الولاية:يجب أن تكون ولاية الموظف المختص قائمة () وقت تحرير الورقة الرسمية . فاذا كان قد عزل من وظيفته ، أو وقف عن عمله ، أو نقل منه ، أو حل غيره محله على أى وجه آخر ، فان ولايته تزول ، ولا يجوز له مباشرة علمه ، وتكون الورقة التى يحررها عندئذا باطلة للإخلال بشرط من شروط صحتها () . وعلى أنه إذا كان الموظف لم يعلم بالعزل أو الوقف أو النقل أو انتهاء الولاية ، وكان ذوو الشأن هم أيضاً حسنى النية لا يعلمـون بشـئ من ذلك ، $123 فان الورقة الرسمية التى يحررها الموظـف فى هذه الظروف تكون صحيحة رعاية للوضع الظاهر المصحوب بحسن النية () . وتطبيقاً لحماية الوضع الظاهر يكفى أيضاً أن يكون الموظف قد ولى وظيفته ولو فى الظاهر ، حتى لو كان تعيينه فى هذه الظيفة قد وقع مخالفاً للقانون ، فانه فى هذه الحالة يعتبر موظفاً فعلياً (fonctionnaire de fait) ، أى موظفاً من حيث الواقع . ويعتبر أيضاً موظفاً فعلياً الموظف الذى عينته سلطة غير شرعية قد استقر سلطانها ، كحكومة الثورة أو حكومة دولة أجنبية غازية . ففى جميع هذه الأحوال يكون توثيق الموظف المعين تعييناً باطلا أو المولى من قبل سلطة غير شرعية توثيقاً صحيحاً ، تطبيقاً لنظرية الموظف الفعلى وهى نظرية معروفة فى القانون الإدارى () . 77 ـ الاهلية ():متى ثبت للموثق الولاية على النحو المتقدم ، وجب أن يكون ، بالنسبة إلى كل ورقة رسمية يوثقها ، أهلا لتوثيقها . وهو فى الأصل أهل لتوثيق جميع الأوراق الرسمية التى تدخل فى اختصاصه . غير أن اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق سلبته الأهلية فى أية ورقة رسمية بالذات تكون له فيها مصلحة شخصية أو تربطه بأصحاب الشأن فيها صلة معينة من قرابة أو مصاهرة . فنصت المادة الرابعة من هذه اللائحة على أنه ((لايجوز للموثق أن يباشر توثيق محرر يخصه شخصياً أو تربطه وأصحاب الشأن فيه صلة مصاهرة أو قرابة لغاية الدرجة الرابعة)) . فلا يجوز إذن أن يكون الموثق نفسه طرفاً فى الورقة الرسمية التى يوثقها ، بائعاً أو مشترياً فى عقد بيع مثلا ، أو وكيلا أو موكلا فى عقد وكالة ، أو نحو ذلك . $124 ولا يجوز له ذلك لا بنفسه ولا بشخص مسخر عنه ، كأن يكون البائع أو المشترى يبيع أو يشترى لحسابه ولو بغير توكيل ظاهر . ولا يجوز بوجه عام أن تكون له مصلحة شخصية مباشرة فى الورقة التى يوثقها ، كأن يكون شريكاً لذوى الشأن فى الصفقة التى تثبتها الورقة الموثقة () ، فان المادة الرابعـة من اللائحة التنفيذية ، عند ما سلبته الأهلية فى الحالات التى نصت عليها ، كان ذلك ((لرفع مظنة المحاباة أو التأثير فى إرادة أحد المتعاقدين)) كما تقول المذكرة الإيضاحية لهذه اللائحة ، ومظنة المحاباة أو التأثير قائمة إذا وجدت للموثق فى الورقة التى يوثقها مصلحة شخصية مباشرة . وجزاء ذلك بطلان الورقة الرسمية ، حتى فى الأجزاء التى لا مصلحة للموثق فيها . كذلك لا يجوز أن يكون بين الموثق وأصحاب الشأن صلة قرابة أو مصاهرة لغاية الدرجة الرابعة ، دفعاً لمظنة المحاباة أو التأثير . فلا يجوز للموثق أن يوثق بيعاً مثلا يكون فيه البائع أو المشترى فرعاً أو أصلاً له لغاية الدرجة الرابعة ، بدخول الغاية ، أو يكون أخاً أو أختاً أو فرعاً لأيهما كذلك . ومثل القرابة المصاهرة . فلا يجوز أولا ـ ولو من غير نص صريح فى المادة الرابعة من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق ـ أن يوثق الموثق لزوجته أو لزوجه . ثم لا يجوز له بعد ذلك أن يوثق لأحد من أقارب زوجته أو زوجه لغاية الدرجة الرابعة على النحو الذى قدمناه ، لقيام صلة المصاهرة بين الموثق وهؤلاء () . $125 وتنص المادة الثامنة من اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق على أنه ((لا يجوز توثيق محرر إلا بحضور شاهدين كاملى الأهلية مقيمين بالمملكة المصرية ولهما إلمام بالقراءة والكتابة ولا صالح لهما فى المحرر المطلوب توثيقه ولا تربطهما بالمتعاقدين أو بالموثق صلة مصاهرة أو قرابة لغاية الدرجة الرابعة)) . فيجب إذن ألا يكون بين الموثق وشاهدى الورقة الرسمية صلة قرابة أو مصاهرة لغاية الدرجة على النحو الذى قدمناه فيما يتعلق بأصحاب الشأن فى الورقة الرسمية ، فهم والشاهدان من هذه الناحية بمنزلة سواء () . ولكن لا يشترط انتفاء صلة القرابة أو المصاهرة لغاية الدرجة الرابعة فيما بين الشاهدين نفسيهما . 78 ـ الاختصاص الموضوعى:ويجب أن يكون الموثق مختصاً من الناحية الموضوعية بنوع الورقة الرسمية التى يقوم بتوثيقها . والموثق ، طبقاً للمادة الأولى من قانون التوثيق ، مختص بتوثيق جميع المحررات التى يقضى القانون أو يطلب المتعاقدون توثيقها . فلك تصرف قانونى يشترط القانون فيه ورقة رسمية ، كالهبة والرهن الرسمى ، يختص الموثق بتوثيقه . وكذلك جميع التصرفات القانونية التى لا يشترط فيها القانون ورقة رسيمة ، بل تكون تصرفات رضائية ويجوز إثباتها فى ورقة عرفية ، كالبيع والإيجار والوكالة والقسمة والصلح ، يجوز لأصحاب الشأن إثباتها فى ورقة رسمية ، وعندئذ يكون الموثق مختصاً بتوثيقها . ولا يخرج من الاختصاص الموضوعى للموثق إلا الوقف والأحوال الشخصية للمسلمين فهذه يكون التوثيق فيها من اختصاص المحاكم الشرعية $126 قضاة وكتبة ومن اختصاص المأذونين كما سبق القول ، وإلا الأحوال الشخصية للأجانب غير المسلمين فهذه يكون التوثيق فيها جوزاً لا وجوباً من اختصاص القنصليات الأجنبية ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . ويترتب على ما تقدم أنه لا يجوز ، وفقاً لوقاعد الاختصاص الموضوعى ، أن يوثق القاضى الشرعى عقد بيع ، ولا المأذون عقد هبة ، ولا الموثق حجة وقف . وفى الحدود المتقدمة الذكر يقوم الموثق ، فيما يتعلق بتوثيق الأرواق الرسمية ، بما يأتى:(1) تلقى المحررات وتوثيقها (2) إثباتها فى الدفاتر المعدة لذلك (3) حفظ أصولها ،ن وموافاة المكتب الرئيسى بصور منها ، وإعطاء ذوى الشأن صورها ، وإعداد فهارس لها (4) وضع الصيغة التنفيذية على صور المحررات الرسمية الواجبة التنفيذ () . المطلـب الثانـي اختصاص الموظف من حيث المكان 79 ـ الاختصاص المكانى:ولا يكفى أن يكون الموثق مختصاً من حيث الموضوع ، بل يجب أيضاً أن يكون مختصاً من حيث المكان . وقد نصت المادة الرابعة من قانون التوثيق على أنه ((لا يجوز للموثق أن يباشر عمله إلا فى دائرة اختصاصه)) . فلكل مكتب للتوثيق دائرة معينة يقوم فى حدودها الموثقون ومساعدوهم المعينون فى هذا المكتب بتوثيق الأوراق الرسمية التى يطلب إليهم توثيقها . ونبادر إلى القول بأن هذا الاختصاص المكانى إنما يفيد مكتب التوثيق وحده ، أى أن الموثقين ومساعديهم الملحقين بمكتب معين لا يجوز لهم مباشرة عملهم خارج دائرة اختصاصهم . ولكن أصحاب الشأن من يطلبون توثيق $127 أوراقهم غير مقيدن بدائرة اختصاص معينة ، فيجوز لشخص مقيم بأسوان أن يطلب إلى مكتب للشهر فى القاهرة أو فى طناطا أو فى أية جهة أخرى توثيق أية ورقة رسمية يريد توثيقها . فالقيد المكانى يرد إذن على مكاتب التوثيق ولا يرد على أصحاب الشأن . فلا يجوز لموظفى مكتب التوثيق أن يوثقوا ورقة رسمية إلا فى الدائرة المكانية لاختصاصهم . بل يجب أن يكون التوثيق فى مكتب التوثيق بالذات ، وفى مواعيد العمل الرسمية ، إلا إذا كان أحد أصحاب الشأن فى حالة لا تسمح له بالحضور إلى الكتب ، فيجـوز عندئذ للموثق أن ينتقل إلى محل إقامته لإجراء التوثيق وذلك بعد دفـع الرسـم المقرر للانتقال ، وعليه إثبات هذا الانتقال فى الدفاتر المعدة لذلك () . 80 ـ انتشار مكاتب التوثيق فى أنحاء البلاد:ومكاتب التوثيق ، وفقاً للنظام الجديد ، منتشرة فى جميع أنحاء الدولة . ولكل مكتب منها دائرة معينة لاختصاصه الكانى . ويعين عدد هذه الكاتب ومقر كل منها واختصاصه المكانى بقرار من وزير العدل () . وقد صدر فعلا قرار من وزير العدل فى 21 من شهر أكتوبر سنة 1947 ـ عمل به من أول يناير سنة 1948 تاريخ تنفيذ قانون الشهر ـ يقضى بإنشاء مكاتب للتوثيق فى جميع عواصم المديريات والمحافظات () ، ويتناول اختصاص كل مكتب منها المديرية أو المحافظة التى تقع فى دائرتها () . ثم أنشئ لكل مكتب منها فروع فى مختلف الجهات التى بها محاكم جزئية أو مأموريات للشهر العقارى () . فأصبح الاختصاص المكانى لكل مكتب للتوثيق ، بفضل هذا التنظيم ، محدداً معروفاً . وأصبحت هذه المكاتب وفروعها منتشرة فى كل مكان وجد فيه سابقاً قلم للتوثيق ((حتى لا يتكبد جمهور المتعاملين مشقة فى الانتقال إلى المكتب الواقع فى عاصمة المديرية لإجراء ما كان يتم فى المحاكم الجزئية أو الشرعية فى المراكز وامتنع عليها إجراؤه اعتباراص من تاريخ تنفيذ النظام الجديد)) () . المبحـث الثالـث مراعاة الأوضاع التى قررها القانون 81 ـ الاوضاع والاجراءات التى قررها قانون التوثيق ولائحته التنفيذية:لما كان التوثيق فى مصر ، فى الكثرة الغالبة منه ، تقوم به مكاتب التوثيق ، فنبسط هنا الأوضاع والإجراءات التى قررها قانون التوثيق ولائحته التنفيذية فى توثيق الأوراق الرسمية () . ويمكن تقسيم هذه الأوضاع والإجراءات إلى مرحل ثلاث:(المرحلة الأولى) مرحلة ما قل التوثيق:دفع الرسم والتثبت من أهلية المتعاقدين ورضائهم . (المرحلة الثانية) مرحلة التوثيق:ما يراعى فى كتابة الورقة الرسمية والشهود وتلاوة الورقة وتوقعها . (المرحلة الثالثة) مرحلة ما بعد التوثيق:حفظ الأصول وتسليم الصور . 82 ـ مرحلة ما قبل التوثيق:لا يقوم الموثق بتوثيق ورقة رسمية إلا إذا دفع الرسم المستحق عنها (م3 لائحة تنفيذية) . فاذا ما دفع الرسم وجب على الموثق قبل إجراء التوثيق أن يتأكد من شخصية المتعاقدين بشهادة شاهدين بالغين عاقلين معروفين له ، أو أن تكون شخصيتهما ثابتة بمستند رسمى (م 7 لائحة تنفيذية) ، وذلك تحاشياً للتلاعب وتفادياً من وقوع التزوير ما أمكن (المذكرة الإيضاحية للائحة التنفيذية) . ثم يجب بعد ذلك أن يتثبت من أهلية المتعاقدين ورضاهئهم . وله أن يطلب ـ إثباتاص لأهلية المتعاقدين ـ تقديم ما يؤيد تلك الأهلية من مستندات كشهادة ميلاد أو شهادة طبية أو أى مستند آخر (م 5 لائحة تنفيذية) . والمقصود بالأهلية هنا البلوغ والعقل وعدم وجود مانع قانونى لدى أحد المتعاقدين ، كأن يباشر وصى أو قيم التعاقد على مال قاصر أو محجور عليه بدون إذن فى ذلك من الجهة المختصة (المذكرة الإيضاحية للائحة التنفيذية) . وإذا تم التعاقد بوكيل ، فعلى الموثق أن يتأكد من أن مضمون الورقة المطلوب توثيقها لا يجاوز حدود الوكالة (م6 لائحة تنفيذية) . فاذا اتضح للموثق عدم توافر الأهلية أو الرضاء لذى المتعاقدين ، أو إذا كانت الورقة الرسمية المطلوب توثيقها ظاهرة البطلان كما إذا كانت تثبت بيعاً على أرض موقوفة وقفاً خيرياً ، كان للموثق أن يرفض التوثيق وأن يعيد الورقة إلى ذوى الشأن بكتاب موصى عليه مع إبداء الأسباب (م6 قانون التوثيق) . ولا شك أن منح الموثق هذه السلطة من مقتضيات ما توخاه قانون التوثيق من ضبط المحررات ومراعاة صحتها والدقة فيها ، لما تتمتع به من خصائص ومميزات . ولا يتحقق ذلك إذا كانت وظيفة الموثق تنحصر فى تلقى إرادة ذوى الشأن ، دون التأكد منها $131 أو مراجعتهم فيها (المذكرة الإيضاحية لقانون التوثيق) . ولمن رفض توثيق ورقته أن يتظلم إلى قاضى الأمور الوقتية بالمحكمة التى يقع مكتب التوثيق فى دائراتها فى خلال عشرة أيام من إبلاغ الرفض إليه . ويكون التظلم بعريضة يبين فيها أوجه تظمله . وله أن يطعن فى القرار الذى يصدره قاضى الأمور الوقتية أمام غرفة المشورة بالمحكمة الابتدائية . وقرار القاضى باجراء التوثيق أو رفضه وكذلك قرار غرفة المشورة فى هذا الشأن لايجوز حجية الأمر المقضى فى موضوع المحرر (م 7 قانون التوثيق) () . 83 ـ مرحلة التوثيق:فاذا تم التثبت من أهلية ذوى الشأن ورضائهم على الوجه المبين فيما تقدم ، انتقل الموثق إلى توثيق الورقة الرسمية ذاتها . ويجب أن تكون مكتوبة بخط واضح غير مشتمل على إضافة أو تحشير أو كشط ، وذلك لإبعاد كل شبهة عن المحرر ، وإذا اقتضى الأمر إضافة أو حذفاً فيجب ذكر ذلك فى آخر المحرر موقعاً عليه من ذوى الشأن أو وكلائهم من المحامين ، ويكتفى الموثق بمراجعتها وتلاوتها والاستيقاع والتوقيع عليها كما سيأتى . أما البيانات التى تتضمنها الورقة فهى نوعان:(أولا) البانات الخاصة بموضوع الورقة ، أى البيانات الخاصة بالبيع أو الرهن أو الوكالة أو غير ذلك من التصرفات التى قصد إثباتها فى الورقة . (ثانياً) البيانات العامة التى يجب ذكرها في كل ورقة رسمية أياً كان موضوعها ، وهذه هى:(1) ذكر السنة والشهر واليـوم والسـاعة التـى تم فيهـا التوثيـق ويكـون ذلـك بالأحـرف (2) اسـم الموثـق ولقبه ووظيفته (3) بيان ما إذا كان التوثيق قد تم فـى $132 المكتب أو فى أى مكان آخر (4) أسماء الشهود () (5) أسماء أصحاب الشأن وأسماء آبائهم وأجدادهم لآبائهم وصناعاتهم ومحال ميلادهم وإقامتهم ، وأسماء وكلائهم ، ومن تقضى الحال بوجودهم للمعاونة فيما إذا كان أحد ذوى الشأن ضريراً أو ضعيف البصر أو أبكم أو أصم إذ يجب فى هذه الحالة على الموثق أن يتأكد من إستعانته بمعين يوقع المحرر معه () . ويجب أن تكون الورقة مكتوبة باللغة العربية . فاذا كان أحد المتعاقدين يجهل هذه اللغة أو لا يعرفها معرفة كافية ، استعان الموثق بمترجم يقدمه المتعاقدون ويكون محل ثقتهم . ويجب أن يوقع المترجم الورقة مع المتعاقدين والشهود والموثق ، ويجب ذكر اسمه من بين من تقضى الحال بوجودهم للمعاونة () . $133 فاذا تم كل ذلك ، وجب على الموثق قبل توقيع ذوى الشأن على الورقة التى توثق أن يتلو عليهم الصيغة الكاملة للورقة ومرفقاتها ، وأن يبين لهم الأثر القانوني المترتب عليها دون أن يؤثر فى إرادتهم . فاذا كانت الورقة مكونة من عدة صفحات ، وجب عليه أن يرقم صفحاتها () . فاذا تمت التلاوة على هذا النحو ، وقع الموثق هو وأصحاب الشأن والشهود ـ وكذلك عند الاقتضاء المترجم ومن استعان به ذو الشأن إذا كان ضريراً أو ضعيف البصر أو أبكم أو أصم ـ الورقة صفحة صفحة وكذلك المرفقات () . 84 ـ مرحلة ما بعد التوثيق:وأهم ما فى هذه المرحلة هو حفظ الأصول وتسليم الصور . فيحفظ بمكتب التوثيق أصول الأوراق الرسمية التى توثق على حسب أرقامها فى ملفات خاصة بكل سنة (م18 اللائحة التنفيذية) . ولا يجوز أن تنقل من مكاتب التوثيق هذه الأصول ولا الدفاتر أو الوثائق المتعلقة بها . على أنه يجوز للسلطات القضائية الاطلاع عليها . فاذا أصدرت سلطة قضائية قراراً بضم أصل ورقة رسمية موثقة إلى دعوى منظورة أمامها ، وجب أن ينتقل القاضى المنتدب إلى المكتب ويحرر بحضوره صورة مطابقة لأصل الورقة الرسمية ، ويعمل بذيلها محضر يوقعه القاضى والموثق وكاتب المحكمة ، ثم يضم الأصل إلى ملف النزاع ، وتقوم الصورة مقام الأصل لحين رده (م10 اللائحة التنفيذية) () . ويتولى المكتب غرسال صورة من كل ورقة رسمية تم $134 توثيقها إلى المكتب الرئيسى بالقاهرة لحفظنا فيه (م20 اللائحة التنفيذية والمادة 2 بند 4 من قانون التوثيق) . ولا تسلم صورة الورقة الرسمية التى تم توثيقها إلا لأصحاب الشأن . ولا تنسخ الصورة لتسليمها لأصحاب الشأن إلا بعد دفع الرسم . ويوضع على هذه الصورة رقم التوثيق وتاريخه وصيغة التسليم وتاريخها ، ويوقعها الموثق ، ويوضع عليها خاتم المكتب ، ويؤشر الموثق على أصل الورقة بالتسليم ويوقع هذا التأشير (م 8 فقرة أولى من قانون التوثيق وم 19 اللائحة التنفيذية) . ويجوز تسليم صورة من الورقة الرسمية للغير بعد الحصول على إذن من قاضى الأمور الوقتية بالمحكمة التى يقع مكتب التوثيق فى دائرتها (م8 فقرة 2 من قانون التوثيق) . وإذا كانت الورقة الرسمية واجبة التنفيذ ، وسلمت منها الصورة التنفيذية ، وضع مكتب التوثيق عليها الصيغة التنفيذية (م 2 بند 3 قانون التوثيق) . ثم لا يجوز تسليم صورة تنفيذية ثانية إلا بقرار من قاضى الأمور المستعجلة (م9 قانون التوثيق) () . $135 المبحث الرابع جزاء الاخلال بشرط من هذه الشروط 85 ـ الجزاء هو البطلان:بينا فيما تقدم الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة الرسمية . فاذا اختل شرط من هذه الشروط ، كانت الورقة الرسمية باطلة كورقة رسمية . ويترتب على ذلك أنه إذا كان الذى قام بتوثيق الورقة ليس موظفاً عاماً ، أو كان موظفاً عاماً ولكنه عند توثيقه للورقة كان قد عزل أو وقف عن عمله أو نقل أو حل محله أحد آخر لأى سبب ، فان الورقة التى وثقها فى جميع هذه الأحوال تكون باطلة . وقد قدمنا أن الموظف الفعلى (fonctionnaire de fait) إذا وثق ورقة رسمية كان توثيقه صحيحاً وفقاً لنظرية معروفة فى القانون الإدارى . وقدمنا كذلك أن الموظف العام إذا كان قد عزل أو وقف أو نقل ولم يكن يعلم بانقطاع ولايته وقت توثيق الورقة الرسمية ، وكان أصحاب الشأن غير عالمين أيضاً بذلك أى كانوا حسنى النية ، فان الورقة تكون صحيحة . ويترتب على ذلك أيضاً أن الموظف العام إذا لم تكن له سلطة فى التوثيق ، بأن كانت له مصلحة شخصية مباشرة فى الورقة الموثقة ، أو ربطته بأصحاب الشأن أو بالشهود قرابة أو مصاهرة لغاية الدرجة الرابعة ، أو وثق ورقة من نوع لا اختصاص له فيه ، فوثق مثلا حجة وقف كان الواجب أن يكون موثقها هو القاضي الشرعى أوكاتبه ، و وثق القاضى الشرعى عقد بيع أو نحو ذلك ، فان الورقة تكون باطلة فى جيمع هذه الأحوال . وقد رأينا فيما يتعلق برابطة القرابة أو المصاهرة أن الشهرة العامة قد يكون من شأنها تصحيح الورقة . ويترتب على ذلك أيضاً أن الموثق إذا قام بتوثيق الورقة فى غير دائرة اختصاصه المكانى ، أو فى غير مكتب التوثيق أو فى غير مواعيد العمل إلا لمانع يبرر انتقاله ، كانت الورقة باطلة () . $136 ويترتب على ذلك أخيراً أن الأوضاع والإجراءات الواجب مراعاتها فى توثيق الورقة إذا لم تراع كانت الورقة باطلة . ولكن هنا يجب التمييز بين الأوضاع والإجراءات الجوهرية وتكون هى التى جزاؤها البطلان ، وبين الأوضاع والإجراءات غير الاجوهرية ولا يترتب البطلان عليها . ويعتبر من الأوضاع والإجراءات الجوهرية البيانات العامة الواجب ذكرها فى الورقة الرسمية ـ تاريخ التوثيق واسم الموثق وأسماء أصحاب الشأن والشهود () ـ وكذلك حضور الشاهدين وقت توثيق الورقة ، وحضور المترجم عند الاقتضاء وحضور المعين بالنسبة إلى المصاب باحدى العاهات الثلاث ، وكون التوثيق باللغة العربية ، وإثبات أن الورقة الرسمية قد تليت وأن الأثر القانونى للورقة قد بين لأصحاب الشأن () ، والتوقيعات التى نص عليها () . ولا يعتبر جوهرياً ، فلا يترتب عليه البطلان ، عدم دفع الرسم () ، وعدم تثبت الموثق من شخصية المتعاقدين عن طريق شاهدين أو عن طريق مستند رسمى () ومجاوزة الورقة لحدود الوكالة إذا كان التعاقد بوكيل () ، وترقيم الصفحات صفحة صفحة () ، والإضافة والتحشير والكشط () . 76 ـ ما يترتب على البطلان:قلنا إذا اختل شرط من شروط صحة الورقة الرسمية ترتب على ذلك بطلان الورقة ، فما الذى يترتب على هذا البطلان ؟ الأصـل أن الورقـة الرسميـة إذا كانـت باطلـة تكـون جميـع أجزائهـا باطلـة ، $137 فلا يبطل جزء ويصح جزء . فاذا كان للموثق مصلحة شخصية مباشرة فى الورقة مثلا ، فان الورقة تكون كلها باطلة ولا يقتصر البطلان على الجزء الذى يثبت للموثق فيه هذه المصلحة الشخصية المباشرة . وإذا لم يوقع أحد الشهود على الورقة ، أو لم يوقع المترجم أو المعين ، ومن باب أولى إذا لم يوقع الموثق أو أحد أصحاب الشأن ، كانت الورقة كلها باطلة حى تاريخها ، مع أن التاريخ لم يقع فيه بطلان . ومن ثم لا يعتبر التاريخ ثابتاً ، بل يكون تاريخاً عرفياً لا حجية فيه على الغير . على أنه يجب التمييز بين الورقة التى تثبت التصرف القانونى والتصرف القانونى ذاته . فاذا كانت الورقة باطلة ، فلا يستدعى ذلك حتما أن يكون التصرف القانونى باطلا . بل يبقى هذا التصرف قائماً وإن كان إثباته عن طريق الورقة الرسمية قد انعدم . وقد يصح إثباته عن طريق آخر غير الكتابة ، بل قد يصح إثباته بالورقة الرسمية الباطلة ذاتها إذا صحت كورقة عرفية على النحو الذى سنبينه فيما يلى . ويستثنى مما قدمناه الفرض الذى يكون فيه التصرف القانوني شكلياً ، أى يجب لانعقاده أن يكتب فى ورقة رسمية كالهبة والرهن الرسمى ، فعندئذ تصبح الورقة الرسمية ركناً فى التصرف ، فاذا كانت باطلة بطل التصرف ذاته () . وكذلك الأمر فيما إذا اتفق المتعاقدان على أن يكون تعاقدهما بورقة رسمية إذا ما قد قصدا أن تكون الرسمية ركناً فى العقد . وقد يقع ان الورقة الرسمية يكون ظاهرها الصحة ، ثم يطعن بالتزوير فى جزء من أجزائها ، ويتبين من إجراءات الطعن أن هذا الجزء مزور ، فهل ينبنى على ذلك أن تصبح الورقة الرسمية كلها باطلة كورقة رسمية ؟ مثل ذلك أن يذكر الموثق فى الورقة الرسمية أن المشترى دفع الثمن أمامه للبائع ، ويتبين بعد الطعن بالتزوير فى هذه العبارة أن المشترى لم يدفع شيئاً أمام الموثق . ومثل ذلك أيضاً $138 أن يطعن بالتزوير فى تاريخ الورقة أو فى توقيعات بعض الشهود أو بعض ذوى الشأن ، ويتبين من إجراءات الطعن بالتزوير أن هذه الاجزاء فعلا مزورة . نرى في مثل هذه الأحوال التمييز بين ما إذا كان الجزء من الورقة الذى ثبت تزويره جوهرياً لصحة الورقة الرسمية فتكون الورقة باطلة فى جميع أجزائها ، وبين ما إذا كان هذا الجزء غير جوهرى فتبقى الأجزاء الأخرى للورقة الرسمية صحيحة ، ففى المثلين المتقدمين ، إذا ثبت تزوير العبارة التى تثبت أن المشترى دفع الثمن للبائع فان هذا الجزء وحده هو الذى يفقد قوته فى الإثبات وتبقى سائر أجزاء الورقة الرسمية صحيحة محتفظة بقوتها فى الإثبات ، أما إذا ثبت أن تاريخ الورقة أو توقيع أحد الشهود أو أحد أصحاب الشأن مزور فان هذا الجزء الذى ثبت تزويره جوهرى لصحة الورقة الرسمية ومن ثم يكون الورقة باطلة فى جميع أجزائها . 87 ـ قيمة الورقة الرسمية الباطلة:قدمنا أن الفقرة الثانية من المادة 390 تقضى بأن الورقة إذا لم تكسب صفة الرسمية فلا يكون لها إلا قيمة الورقة العرفية متى كان ذوو الشأن قد وقعهوها بامضاءاتهم أو بأختامهم أو ببصمات أصباعهم . والورقة لا تكسب صفة الرسمية إذا كانت باطلة لسبب من الأسباب التى قدمناها . يستوى فى ذلك ورقة لم يوقعها الموثق ، وورقة وقعها موثق مسلوب الولاية ، وورقة وقعها موثق غير مختص موضوعاص بتوثقها ، وهذه حالات يمكن القول أن الورقة فيها تكون منعدمة كورقة رسمية . ويستوى فى ذلك أيضاً ورقة وثقها موثق ثبتت له الولاية والاختصاص الموضوعى ولكن نقصه الاختصاص المكانى ، وورقة اختل فيها إجراء جوهرى كما إذا شهد عليها شاهد واحد لا شاهدان ، وهذه حالات لا يمكن القول أن الورقة فيها تكون منعدمة ولكنها تكون قطعاً باطلة كورقة رسمية . لم يفرق التقينين المصرى الجديد بين هذيه الفرضين ـ فرض انعدام الورقة كورقة رسمية وفرض بطلانها ـ ففيهما معاً لا تكسب الورقة صفة الرسمية ، ومن ثم لا يكون لها إلا قيمة الورقة العرفية إذا كانت موقعة من أصحاب الشأن . وهذا حكم بديهى فى القانون المصرى ، فان الورقة فى الاحوال التى قدمناها ، إذا كانت قد فقدت شرطاً $139 من شروط الصحة لقيامها كورقة رسمية ، فانها مع ذلك قد استوفت شروط الورقة العرفية . فهى ورقة مكتوبة وقعها من صدرت منه ، والتوقيع وحده كاف لصحة الورقة العرفية فى التقنين المصرى ومن ثم تكون لها حجية الورقة العرفية ، فتعتبر صادرة ممن وقعها ما لم يطعن فيها بالإنكار (م 394 مدنى) () . وهذا ضرب من ضروب التحول (conversion) شبيه بتحول التصرف الباطل إلى تصرف آخر صحيح توافرت فيه أركانه وشروط صحته (م 144 مدنى) ، فالورقة الرسمية الباطلة قد تحولت هنا إلى ورقة عرفية صحيحة لتوافر شروط صحة الورقة العرفية فيها . ولكن لا يكون تاريخها تاريخاً ثابتاُ كما قدمنا . هذا الحكم البديهى لم يكن فى حاجة إلى نص ، فما هو إلا تطبيق للقواعد العامة . ويقطع فى ذلك أن التقنيـن القديـم لم يكـن يتضمـن نصـاً فـى هـذا المعـنى ، ومـع ذلك فقـد كـان الحكـم فيـه هـو عيـن الحكـم الذى قدمنـاه () . ومـا كنـا لنسهـب $140 فى هذه المسألة لولا أن المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهدى للتقنين المدنى الجيد أوردت عبارات يفهم منها وجوب إعمال نوع من التمييز بين الورقة الرسمية المنعدمة ـ حيث يكون الموظف العام غير مختص موضوعاً أو حيث تكون له مصثلحة شخصية مباشرة أوحيث يكون قد أغفل التوقيع على الورقة أو نحو ذلك ـ وفى هذه الحال تبطل الورقة كورقة رسمية ثم لا تكون لها قيمة الورقة العرفية ، وبين الورقة الرسمية الباطلة ـ إذا لم يكن للموثق مثلا اختصاص فى توثيقها من حيث المكان ـ وفي هذه الحالة تبطل الورقة كذلك كورقة رسمية ولكن تكون لها قيمة الورقة العرفية () . وهذا التمييز يقوم حقاً في التقنين املدنى الفرنسى . والسبب في ذلك أن هذا التقنين لا يكتفي في صحة الورقة العرفية أن تكون موقعة من أصحاب الشأن ، ب يشرط فوق ذلك ، كما سنرى ، تعدد النسخ الأصلية في العقوج الملزمة للجانبين وكتابة كل الإلتزام بالحروف لا بالأرقام مع اعتماد المدين لها بخصه في القود الملزمة لجانب واحد . فإذا كانت الورقة الرسمية الموقع عليها من أصحاب الشأن باطلة ، لم يكن التوقيع عليها وحده كافياً لإعتبارها بمنزلة الورقة العرفيـة ، $141 إذ ينقصها شرط آخر هو تعدد النسخ أو اعتماد المدين . ومن ثم كان جعل مثل هذه الورقة الرسمية الباطلة بمنزلة الورقة العرفية لا بد فيه من نص هو الذي ينشئ لها هذه القيمة . وقد وجد فعلا هذا النص في التقنين المدني الفرنسي في المادة 1318 على النحو الآتي:((الورقة التي لا تكسب صفة الرسمية بسبب عدم اختصاص الموظف العام أو بسبب عدم أهليته أو بسبب عيب في الشكل تكون لها قيمة الورقة العرفية إذا كانت موقعة من ذوى الشأن)) () . ولما كان هذا النص منشئاً ، فهو الذي يضفى على الورقة الرسمية الباطلة قيمة الورقة العرفية ، ولولاه لما كانت لها هذه القيمة من تلقاء نفسها ، فقد عمد الفقه الفرنسي إلى عدم التوسع في تفسيره ، وميز بين ورقة رسمية منعدمة() ، حيث لا يكون للورقة وجود أصلا فلا تصلح أن تكون ورقة عرفية() ، وبين ورقة رسمية باطلة() حيث توجد وتكون لها قيمة الورقة العرفية ، ولو أن شرط تعدد النسخ أو إعتماد المدين ينقصها ، وذلك بفضل نص المادة 1318 الذى أنشأ لها هذه القيمة . هذا التمييز هو إذن مستساغ في التقنين الفرنسي . ولكنه غير مستساغ في التقنين المصري . فقد قدمنا أن الورقة العرفية في هذا التقنين لا يشترط في صحتها إلا توقيع أصحاب الشأن ، دون حاجة إلى تعدد النسخ أو إلى إعتماد المدين . فمتى وجد هذا التوقيع على الورقة الرسمية الباطلة ، أيا كن سبب بطلانها ، ولو $142 كانت ورقة رسمية منعدمة ، فقد إستوفت شرط صحة الورقة العرفية وصار لها قيمتها ، لا بفضل نص منشئ كما في التقنين الفرنسي ، بل بفضل تطبيق القواعد العامة ، وليست الفقرة الثانية من المادة 390 إلا كاشفة عن هذا التطبيق ولم تكن هناك حاجة إليها كما سبق القول . فمن أين إذن أتت المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى بهذا التمييز ؟ . الواقع من الأمر أنه هذا تمييز لا يستقيم في التقنين المصرى . والمذكرة الإيضاحية في القول به جد خاطئة . والسبب في هذا الخطأ أن مشروعاً أولياً للتقنين المصرى في الإثبات كان يحوى شروطاً للورقة العرفية هى نفس شروط التقنين الفرنسى . ومن ثم كان التمييز مستساغاً في هذا المشروع الأولى كما هو مستساغ في التقنين الفرنسي وقد كتبت المذكرة الإيضاحية للمشروع الأولى على هذا الأساس . ثم عدل المشروع الأولى ، ورجع المشروع التمهيدى للتقنين المصرى إلى الاكتفاء بتوقيع المدين لصحة الورقة العرفية وأغفل الشرط الآخر ، فلم يعد التمييز مستساغاً في هذا الوضع . ولكنه بقى مع ذلك بارزاً في المذكرة الإيضاحية التى أدمجت كما هى في مجموعة الأعمال التحضيرية ، وكان ذلك سهواً ، إذ كان من الواجب حذف هذا التمييز بعد تعديل المشروع الأولى على الوجه الذى أشرنا إليه() . $143الفرع الثاني حجية الورقة الرسمية في الإثبات 88 ـ افتراض صحة الرسمية:متى كانت المظاهر الخارجية للورقة تنبئ أنها ورقة رسمية ، اعتبرت كذلك إلى أن يثبت ذو المصلحة أنها ليست لها صفة الرسمية لبطلانها أو لتزويرها ، ولا يكون ذلك إلا عن طريق الطعن بالتزوير إلا إذا جاز إثبات البطلان عن طريق آخر . وبذلك يتم للورقة الرسمية السليمة في مظهرها قرينتان:قرينة بسلامتها المادية ، وأخرى بصدورها من الأشخاص الذين وقعوا عليها وهم الموظف العام وأصحاب الشأن() . فهى إذن ، حتى يطعن فيها بالتزوير ، حجة بسلامتها المادية وبصدروها ممن صدرت منه دون حاجة إلى الإقرار بها . وهذا علا خلاف الورقة العرفية ، فسنرى أنها لا تكون حجة بما فيها قبل الإقرار بها() . لكن إذا كانت المظاهر الخارجية للورقة تدل في ذاتها على أن بها تزويراً واصحاً كوجود كشط فيها أو حبر مختلف في اللون أو نحو ذلك ، أو على أنها $144 ورقة رسمية باطلة كعدم توقيعها من الموثق أو من أصحاب الشأن أو كوضوح أن الموثق غير مختص موضوعاً بتوثيقها ، جاز للقاضى أن يرد الورقة ، بإعتبارها مزورة باطلة() . وقد نصت المادة 260 من تقنين المرافعات على ما يأتي:((للمحكمة أن تقدر ما يترتب على الكشط والمحو والتحشير وغير ذلك من العيوب المادية في الورقة من إسقاط قيمتها في الإثبات أو إنقاصها . وإذا كانت صحة الورقة محل شك في نظر المحكمة ، جاز لها من تلقاء نفسها أن تدعو الموظف الذى صدرت عنه أو الشخص الذى حررها ليبدى ما يوضح حقيقة الأمر فيها)) () . 89 ت مسائل ثلاث في حجية الورقة الرسمية:فإذا خلص للورقة صفتها الرسمية على النحو المتقدم ، كان لها في أصلها وفي صورها ، حجية في الإثبات إلى مدى بعيد ، فيما بين الطرفين ، وبالنسبة إلى الغير . فنتكلم إذن في مسائل ثلاث:(1) حجية الورقة الرسمية فيما بين الطرفين (2) حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير (3) حجية الورقة الرسمية فيما يتعلق بصورها . المبحث الأول حجية الورقة الرسمية فيما بين الطرفين 90 ـ النصوص القانونية:تنص المادة 391 من التقنين المدني على ما يأتي:((الورقة الرسمية حجة على الناس كافة بما دون فيها من أمور قام بـها محـررها $145 في حدود مهمته أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره ، ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً)) () . ويقابل هذا النص في التقنين المدني القديم المادة 226/291() ـ ويقابل في التقنينات المدنية العربية الأخرى:في قانون البينات السورى المادة السادسة ، وفي التقنين المدنى العراقي المادة 451 ، وفي تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني المواد من 156 إلى 159 ، وفي التقنين المدني الليبى المادة 378() ـ $146 ويقابل في التقنين المدني الفرنسي المادة 1319() . ويتبين من هذه النصوص:(أولا) أن الورقة الرسمية حجة على الناس كافة . وسنتناول هنا حجيتها فيما بين الطرفين ، على أن تكلم فيما يلى في حجيتها بالنسبة إلى الغير . (ثانياً) أن الورقة الرسمية حجة بما دون فيها من أمور قام بها محررها في حدود مهمته أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره ، ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً . ويتضح من هذا أن هناك نوعين من البيانات في الورقة الرسمية:(1) بيانات تكون للورقة الرسمية فيها حجية إلى أن يطعن في الورقة بالتزوير $147 (2) بيانات دون ذلك فى القوة ، فهى ككل بيان يثبت في ورقة مكتوبة يعتبر صحيحاً حتى يوقم الدليل على ما يخالفه () . وقد كان المشروع التمهيدى يتضمن فقرة في هذا المعنى حذفت في لجنة الشيوخ اكتفاء بتطبيق القواعد العامة . فعلينا إذن أن نبحث:(1) 91 ـ حجية الورقة الرسمية حتى يطعن فيها بالتزوير:تكون للورقة الرسمية حجية في الإثبات حتى يطعن فيها بالتزوير ، وذلك فيما دون فيها من أمور قام بها الموثق في حدود مهمه أو وقعت من ذوى الشأن في حضوره . فهناك إذن طائفتان من البيانات لها هذه الحجية:بيانات عن الأمور التى قام بها الموثق في حدود مهمته ، وبيانات عن أمور وقعت من ذوى الشأن في حضوره. أما الأمور التى قام بها الموثق في حدود مهمته وبينها فى الورقة الرسمية التى وثقها فكثيرة . من ذلك تأكده من شخصية المتعاقدين بشهادة شاهدين أو بستند رسمى ، وتثبته من أهلية المتعاقدين ورضائهما ، وصدور الكتابة منه ، والبيانات العامة التى أثبتها في الورقـة وهـى التاريخ () واسم الموثق وبيان ما إذا كان التوثيق قد تم في المكتب أو في مكان آخر وحضور شاهدين واسم كل منهما وحضور أصحاب الشأن وأسماؤهم وحضور المترجم والمعين عند الاقتضاء وتلاوته الورقة لذوى الشأن والتوقيعات التى تحملها الورقة() . $148 أما البيانات عن الأمور التى وقعت من وذى الشأن فى حضوره فأكثرها يتعلق بموضوع الورقة الرسمية التى قام بتوثيقها ، أي البيانات الخاصة بهذه الورقة بالذات . فإن كان الموضوع بيعاً ، فإن الموثق يثبت في الورقة أن البائع قرر أنه يبيع والمشترى دفع الثمن إلى البائع أمام الموثق فيذكر الموثق ذلك في الورقة الرسمية . كل هذه البيانات التى وقعت من ذوى الشأن في حضور الموثق وأثبتها في الورقة ، بعد أن أدركها بالسمع أو بالبصر de visu aut de auditi ، تكون لها ححية في الإثبات إلى أن يطعن فيها بالتزوير() . وسواء كانت البيانات متعلقة بالأمور التى قام بها الموثق أو بالأمور التى وقعت من ذوى الشأن في حضوره ، فلا بد حتى تثبت لها هذه الحجية أن تكون في حدود مهمة الموثق . فإذا خرجت عن هذه الحدود ، كأن أثبت الموثق أن أصحاب الشأن أقارب أو أن أحدهم يبلغ كذا من العمر أو أنهم قرروا أمامه أنهم أجانب أقاموا مدة معينة في البلاد ، فلا تكون لهذه البيانات حجية لأنها لا تدخل في مهمة الموثق() . $149 وقد حصرت على هذا النحو في دائرة محدودة البيانات التى تكون لها حجية لا تدحض إلا إذا لجأ من ينكرها إلى طريق الطعن بالتزوير . ذلك أن طريق الطعن بالتزوير طريق معقد محفوف بالمصاعب والمخاطر ، وقد رسم له تقنين المرافعات إجراءات ومواعيد دقيقة شدد فيها من التزامات الطاعن بالتزوير، وفرض عليه غرامة إذا حكم بسقوط ادعائه أو برفض هذا الادعاء(). وليس أمام من تحتم عليه الطعن بالتزوير إلا سلوك هذا الطريق ، فليس له أن يستجوب خصمته تمهيداً للحصول على إقرار منه ، ولا أن يوجه له اليمين الحاسمة ، ولا أن يطلب إحالة الدعوى على التحقيق بغير الطريق المرسوم للطعن بالتزوير ، $150 ولا أن يطلب إثبات وقائع تتعارض مع البيانات الثابتة بالورقة الرسمية حتى لو كان يتمسك بمدبأ ثبوت بالكتابة ويريد أن يستكمله بالبينة أو بالقرائن() . $151 وله أن يطعن بالتزوير في أية حالة كانت عليها الدعوى ، ولو لأول مرة أمام محكمة الاستئناف() ، ولكن لا لأول مرة أمام محكمة النقض ، وذلك كله بشرط ألا يكون الطعن بالتزوير كيدياً() . 92 ـ حجة الورقة الرسمية حتى يقوم الدليل على العكس أما ما أثبته الموثق في الورقة الرسمية باعتباره وارداً على لسان ذوى الشأن من بيانات ، فلا تصل الحجية فيه إلى حد الطعن بالتزوير . بل يعتبر ما ورد من ذلك صحيحاً في ذاته إلى أن يثبت صاحب المصلحة عكسه بالطرق المقررة فى قواعد الإثبات() . ومن هذه القواعد أه لا يجوز إثبات عكس ما بالورقة المكتوبة إلا بالكتابة أو بمبدأ ثبوت بالكتابة مستكملا بالبينة أو بالقرائن . فلا يجوز إذن إثبات عكس ما ورد في الورقة الرسمية على لسان ذوى الشأن إلا إذا كانت هناك كتابة تثبت هذا العكس ، أو القليل مبدأ ثبوت بالكتابة تعززه البينة أو القرائن() . $152 والأصل في هذه المسألة أن كل طعن في بيان وارد بورقةرسمية ، يتضمن مساساً بأمانة الموثق وصدقه ، لا يكون إلا عن طريق الطعن بالتزوير كما رأينا . ذلك أن اختيار الموظف العام خاضع لشروط تتوافر بها الثقة فيه ، وهو معرض لعقوبات قاسية فيما إذا أحل بهذه الثقة() . أما الطعن الذى لا يتضمن مساساً بأمانة الموثق أو بصدقه فيكفى فيه إثبات العكس على النحو الذى قررناه . ومن ثم يكون البيان المتعلق بتأكد الموثق من شخصية المتعاقدين وبتثبته من أهليتهما ورضائهما لا يجوز إنكاره إلا بطريق الطعن بالتزوير كما قدمنا . ولكن إذا اقتصر المدعى على إنكار شخصية المتعاقدين أو إنكار توافر الأهلية فيهما أو إنكار أن رضاءهما صحيح غير مشوب بعيب ، دون أن يتعرض لتثبت الموثق من كل ذلك ، جاز أن يثبت ما يدعيه بالطرق المقررة دون حاجة إلى الطعن بالتزوير ، لأن المدعى لا تشكك في ذمة الموثق ، إذ هو يسلم أن الموثق قد تأكد من كل ذلك ، ولكن بالرغم من هذا التأكد فإنه قد أخطأ عن حسن نية . وكذلك البانات العامة التى يثبتها الموثق بعضها لا يجوز إنكاره بتاتاً إلا بطريق الطعن بالتزوير ، كتاريخ الورقة الرسمية الذى يعتبر تاريخاً ثابتاً كما قدمنا ، واسم الموثق ، وبيان ما إذا كان التوثيق قد تم في المكتب أو في مكان آخر ، وحضور الشهود ، وحضور أضحاب الشأن ، والتوقيعات ، وقد تقدم ذكر ذلك . أم حقيقة أسماء أصحاب الشأن وأسماء الشهود وحقيقة ألقابهم وصناعاتهم ومحال إقامتهم ، فما قرروه من ذلك فى الورقة الرسمية له ناحيتان:واقعة التقرير في ذاته أى صحة الأسماء والألقاب والصناعات ومحال الإقامة وهذه يكفى فيها إثبات العكس لأن الإنكار في هذا كله لا يمس أمانة الموثق إذ هو لم يكتب إلا ما قرره هؤلاء على عهدتهم ، صادقين كانوا أو كاذبين . $153 ثم إن البيانات الخاصة بموضوع الورقة الرسمية لها أيضاً ناحيتان:واقعة التقرير ـ أي أن أصحاب الشأن قرروا أمام الموثق كذا وكذا ـ وهذه لها حجية إلى حد الطعن بالتزوير ، ثم صحة التقرير في ذاته وهذه يجوز إنكارها وإثبات العكس لأن ذلك لا يمس أمانة الموثق . مثل ذلك أن يثبت الموثق أن أحد المتعاقدين قرر أنه باع للمتعاقد الآخر داراً وقرر المتعاقد الآخر أنه اشترى هذه الدار ، فواقعة التقرير من بيع وشراء لها حجية إلى حد الطعن بالتزوير ، ولكن هذا لا يمنع ذا المصلحة ، وهو لا يتعرض لواقعة التقرير في ذاتها ولا يمس بذلك أمانة الموثق ، من أن يتمسك بأن هذا البيع صورى بالرغم من أن المتعاقدين قررا أمام الموثق غير ذلك ، وله أن يثبت هذه الصورية بالطرق المقررة قانوناً دون حاجة إلى الطعن بالتزوير . ولو أثبت الموثق أن المشترى دفع أمامه الثمن وقدره كذا إلى البائع ، فواقعة دفع مبلغ قدره كذا له حجية إلى حد الطعن بالتزوير ، ولكن هذا ذا المصلحة من إثبات أن الدفع بالرغم من صحة واقعته فى ذاتها كان دفعاً صورياً ، بأن كانت النقود هى نقود البائع وأعطاها للمشترى ليسلمها هذا له أمام الموثق() ، أو بأن النقود التى دفعها المشترى أمام الموثق أعادها له البائع بعد خروجهما ، وله أن يثبت ذلك بالطرق المقررة قانوناص دون حاجة إلى الطعن بالتزوير لأنه لا يمس في اعائه هذا أمانة الموثق() . $154 وكذلك قيام التصرف القانونى ذاته وصحته التى تفترض توافر الأهلية والخلو من عيوب الرضاء ووجود محل صالح وسبب مشروع ، ونفاذ التصرف القانوني فيما بين الطرفين وفي حق الغير ، كل ذلك لا شأن له بما قرره الموثق من وقع التصرف ، فلكل ذى مصلحة أن ينازع في أية مسألة من هذه وعليه إثبات ما يدعيه وفقاً للقواعد المقررة قانوناً() . المبحث الثاني حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير 93 ـ قاعدة عامة:رأينا أن المادة 391 من التقنين المدني تقضى بأن الورقة الرسمية حجة على الناس كافة. فهى إذن حجة بما جاء فيها ، لا على أصحاب الشأن وحدهم ، بل هى أيضاً على الغير() . وقد رأينا فيما تقدم كيف تكون حجة على أصحاب الشأن ، فبسطنا متى تقوم هذه الحجية إلى حد الطعن بالتزوير ومتى تقوم حتى يقدم الدليل على العكس . ونستعرض هنا بالنسبة إلى الغير ما قدمناه بالنسبة إلى أصحاب الشأن ، فنذكر متى تكون الورقة الرسمية حجة على الغير إلى حد الطعن بالتزوير ، ومتى تكون حجة على الغير حتى يقوم الدليل على العكس . $155 94 ـ حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير إلى حد الطعن بالتزوير:قد تكون هناك محل للاحتجاج على الغير بالورقة الرسمية . مثل ذلك مدين يبيع داراً له بورقةرسمية ، ويدعى الدائن أن هذا البيع الرسمى لم يصدر من مدينه ليتمكن بذلك من التنفيذ بحقه على الدار المبيعة . ومثل ذلك أيضاً مؤجر العقار يبيعه بورقة رسمية ، ويدعى المستأجر أن البيع لم يصدر من المؤجر وذلك حتى يقى في العين المؤجرة فلا يخرجه منها المشترى بالرغم من أن عقد الإيجار غير ثابت التاريخ () . أو يثبت مؤجر العقار الذى باعه الخالصة بالأجرة عن مدة مستقبلة فى ورقة رسمية ، فينكر المشترى صدور هذه المخالصة من المؤجر ليتمكن بعد أن يستبقى المستأجر فى العين من مطالبته بهذه الأجرة() . فى هذه الفروض وغيرها تكون للورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير عين الحجية التى لها فيما بين الطرفين على النحو الذى قدمناه . فيستطيع المشترى من المدين ، فى المثل الأول ، أن يحتج بالبيع الرسمى على دائن البائع ، ولا يجوز للدائن ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر ما ورد فى الورقة الرسمية من أمور قام بها الموثق فى حدود مهمته أو بيانات وقعت من ذوى الشأن فى حضوره ، كصدور البيع من المدين وتاريخ الورقة الرسمية وحضور الشهود وصحة التوقيعات وما ذكره الموثق من أن المشترى دع أمامه الثمن إلى المدين وغير ذلك من الأمور التى فصلناها فيما تقدم فى صدد الكلام فى حجية الورقة الرسمية فيما بين الطرفين . كذلك فى المثل الثاني لا يجوز للمستأجر ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر ما ورد فى ورقة البيع الرسمية الصادرة من المؤجر على النحو الذى قدمناه . وفى المثل الثالث لا يجوز للمستأجر ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر ما ورد فى ورقة البيع الرسمية الصادرة من المؤجر على النحو الذى قدمناه . وفى المثل الثالث لا يجوز للمشترى ، إلى أن يطعن بالتزوير ، أن ينكر المخالصة بالأجرة الصادرة من المؤجر إلى المستأجر . وظاهر من الأمثلة التى قدمناها أن الغير الذى يحتج عليه بالورقة الرسمية هو نفس الغير الذى يحتج عليه بالتصرف القانوني ، فهو في المثلين الأولين الدائن وفى المثل الأخير الخلف الخاص. ولما كان التصرف القانونى سارياً في حقه ، فقد $156 وجب إثباته بالنسبة إليه ، فيثبت بالورقة التى أثبت فيها التصرف على النحو الذى قدمناه() . 95 ـ حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير حتى يقوم الدليل على العكس:ولكن حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير ، كحجيتها فيما بين الطرفين ، لا تمنع الغير من إنكار صحة الوقائع التى أثبتها الموثق فى ذاتها ، دون أن يتعرض فى ذلك لأمانة الموثق أو صدقه . ولا يحتاج فى ذلك إلى الطعن بالتزوير ، بل يكفى أن يقيم الدليل على العكس بالطرق المقررة قانوناً . وله أن ينازع فى صحة التصرف أو فى نفاذه فى حقه وفقاً للقواعد التى قررها القانون . فدائن البائع له أن يطعن بالصورية في البيع الرسمى الصادر من مدينه ، وأن يثبت هذه الصورية بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن لأنه من الغير() . كذلك المستأجر له أن يطعن بالصورية فى البيع الرسمى الصادر من المؤجر ، وأن يثبت الصورية بجميع الطرق لأنه من الغير ، وله أيضاً دون أن يطعن فى البيع $157 بالصورية أن يتمسك بأنه لا يسرى فى حقه لأن عقد الإيجار ثابت التاريخ الصادرة من المؤجر إلى المستأجر بالصورية على النحو الذى قدمناه ، كما يستطيع باسم البائع أن يطعن فيها بالغلط أو بالتدليس أو بالإكراه أو بنقص الأهلية أو بغير ذلك من العيوب التى تشوب التصرف القانوني . ونرى من ذلك أن حجية الورقة الرسمية بالنسبة إلى الغير هى ذات حجيتها فيما بين الطرفين . وكل ما ذكرناه هناك يسرى هنا() المبحث الثالث حجية الورقة الرسمية فيما يتعلق بالصور 96 ـ النصوص القانونية:تنص المادة 392 من التقنين المدني على ما يأتى:((1 ـ إذا كان أصل الورقة الرسمية موجوداً ، فان صورتها الرسمية ، خطية كانت أو فوتوغرافية ، تكون حجة بالقدر الذى تكون فيه مطابقة للأصل)) . ((2 ـ وتعتبر الصورة مطابقة للأصل ، ما لم ينازع فى ذلك أحد الطرفين . وفى هذه الحالة تراجع الصورة على الأصل)) . وتنص المادة 393 على ما يأتى:((إذا لم يوجد أصل الورقة الرسمية ، كانت الصورة حجة على الوجه الآتى:ا) يكون للصور الرسمية الأصلية ، تنفيذية كانت أو غير تنفيذية ، حجية الأصل متى كان مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل . ب) ويكون للصور الرسمية المأخوذة من الصور الأصلية الحجية ذاتها ، ولكن يجوز فى هذه الحالة لكل من الطرفين أن يطلب مراجعتها على الصورة الأصلية التى أخذت منها . جـ) أما ما يؤخذ من صور رسمية للصور المأخوذة من الصور الأصلية فلا يعتد به إلا لمجرد الاستئناس تبعاً للظروف)) () . $159 ويقابل هذان النصان فى التقنين المدنى القديم المادة 231/ 296() ـ ويقابلان فى القنينات المدنية العربية الأخرى:فى قانون البينات السورى المادتان السابعة والثامنة ، وفى التقنين المدنى العراقى المواد من 452 إلى 454 ، وفى تقنين $160 أصول المحاكات المدنية اللبناني المواد من 173 إلى 176 ، وفى التقنين المدني الليبى المادتين 379 و 380 () ـ ويقابلان فى التقنين المدنى الفرنسى المادتين $161 1334 و 1335() . $162 97 ـ الأصل والصورة:وتعرض هذه النصوص لحجية صور الورقة الرسمية . ذلك أن كل ما قدمناه فى حجية الورقة الرسمية إنما يرد فى حجية أصل الورقة لا فى حجية صورها . والرفق بين الأصل والصورة أن الأصل هو الذى يحمل التوقيعات إذ أن جميع من وقعوا الورقة الرسمية إنما وقعوا على الأصل ، هذا إلى أن الأصل هو الورقة بعينها التى صدرت من الموثق . أما صورة الورقة الرسمية فهى لا تحمل التوقيعات وليست هى التى صدرت من الموثق ، بل هى منقولة عن الأصل بواسطة موظف عام مختص ، فهى من هذه الناحية ورقة رسمية ولكن رسميتها فى أنها صورة لا فى أنها أصل () . والمفروض أنها مطابقة للأصل مطابقة تامة ، بما ورد فى الأصل من بيانات وما يحمله من توقيعات . ولا فرق بين الصورة الخطية والصورة الفوتوغرافية ما دامـت كلتاهمـا صـورة $163 رسمية ، بل لعل الصورة الفوتوغرافية هى الأدق من الناحية الفعلية() . أما إذا كانت صورة الورقة الرسمية ليست هى ذاتها صورة رسمية بل صورة عرفية ، فليست لها أية حجية . وتقل حجية الصورة الرسمية عن حجية الأصل . ولبيان ذلك يجب أن نميز بين فرضين:(أولا) إذا كان الأصل موجوداً (ثانياً) إذا كان الأصل غير موجود() . 98 ـ حجة الصورة إذا كان الأصل موجوداً:بينا فيما تقدم أن أصل الورقة الرسمية يبقى محفوظاً فى مكتب التوثيق الذى وثق الورقة . ومن ثم كانت الحالة الغالبة فى حجية اصورة هى حالة ما إذا كان الأصل موجوداً ، إذ قل أن ينعدم هذا الأصل . وإذن يشترط لقيام هذا الفرض شرطان:(1) أن يكون أصل الورقة الرسمية موجوداً حتى يمكن الرجوع إليه عند الحاجة . (2) أن تكون الورقة التى يحتج بها ليست هى هذا الأصل ، بل صورة من الأصل . ولكن يشترط فى هذه الصورة أن تكون صورة رسمية ، فلو كانت صورة عرفية فلا يعتد بها كما قدمنا . ويكفى أن تكون صورة رسمية ، دون حاجة إلى أن تكون صورة مأخوذة من الأصل بطريق مباشر . فقد تكون مأخوذة مباشرة من الأصل ، وفى هذه الحالة قد تكون هى الصورة التنفيذية (grosse) أوتكون صورة أولى بسيطة (expedition) . وقد تكون مأخوذة من صورة مأخوذة من الأصل ، أو من صورة مأخوذة عن صورة من الأصل ، أياً كان عدد الصور الرسمية التى توسطت بينها وبين الأصل . فما دام الأصل (minute) موجوداً فإنه يكفى فى الصورة أن $164 تكون صورة رسمية فحسب ، إذ يمكن دائماً مضاهاتها على الأصل . ومتى توافر هذان الشرطان ، كان للصورة الرسمية ، خطية كانت أو فوتوغرافية، حجية فى الإثبات بفضل قرينة قانونية وردت في الفقرة الثانية من المادة 390، إذ قضى هذا النص بأن ((تعتبر الصورة مطابقة للأصل ، ما لم ينازع فى ذلك أحد الطرفين ، وفى هذه الحالة تراجع الصورة على الأصل)) . ومن ذلك يتبين أن القرينة هنا قرينة قانونية قابلة لإثبات العكس . فهى أولا قرينة قانونية على المطابقة . وصاحب المصلحة يقتصر على تقديم الصورة . وهى التى تكون معه غالباً ، دون الأصل المودع فى مكتب التوثيق . وعند ذلك يعتبرها القاضى مطابقة للأصل دون أى تحقيق ، ويجعل لها حجية الإثبات التى للأصل على التفصيل الذى قدمناه . ولكن الحجية هنا إنما تأتى من افتراض مطابقة الصورة للأصل ، فهى إذن حجية مستمدة من الأصل لا من الصورة . وهى ثانياً قرينة قابلة لإثبات العكس . فللخصم أن ينازع فى مطابقتها للأصل . ومجرد المنازعة يكفى لإسقاط القرينة() . وعند ذلك يتعين على المحكمة تحقيق $165 مطابقة الصورة المقدمة لأصلها . وتصدر لهذا الغرض قراراً بضم الأصل إلى ملف الدعوى ، وينتقل القاضى المنتدب إلى مكتب التوثيق ، ويحرر بحضوره صور مطابقة للأصل ويحرر بذيلها محضر يوقعه القاضى والموثق وكاتب المحكمة ، ثم يضم الأصل إلى ملف النزاع ، وتقوم الصورة مقام الأصل إلى ملف الدعوى أمكن للمحكمة مضاهاة الصورة عليه ، فان وجدت مطابقة للأصل ثبتت لها حجيته ، وإلا استبعدت وبقى الأصل هو المستند فى الدعوى بحجيته المعروفة . وهذا الذى قررناه فى شأن حجية الصورة الرسمية إذا كان الأصل موجوداً هو ما كان متبعاً دون نص فى التقنين المدنى السابق() . $166 99 ـ حجية الصورة إذا كان الأصل غير موجود:هذا يميز التقنين المدنى الجديد (م 393) بين حالات ثلاث:(1) حالة الصور الرسمية الأصلية ، أى الصور الرسمية المأخوذة مباشرة من الأصل . (2) حالة الصور الرسمية المأخوذة من الصور الرسمية الأصلية (3) حالة الصور الرسمية المأخوذة من الصور الرسمية للصور الرسمية الأصلية . وأصل الورقة الرسمية لا يفقد إلا نادراً كما قدمنا ، إذ هو دائماً محفوظ فى مكتب التوثيق أو فى قلم كتاب المحكمة الذى وثقه وقد سبقت الإشارة إلى ذلك . ولكن يقع أن يفقد الأصل إذا قدم العهد به ، أو قبل ذلك بسبب حريق أو سرقة أو أى عارض آخر . ويقع على الخصم المتمسك بالصورة عبء إثبات فقد الأصل() . 100 ـ حجية الصور الرسمية الأصلية:وهذه كما قدمنا الصور الرسمية التى تنقل مباشرة من الأصل (original,minute) وتشمل:(أولا) الصورة التنفيذية ، وهى الصورة الرسمية التى تنقل مباشرة من الأصل وتوضع عليها الصيغة التنفيذية ، ولا تعطى إلا لأصحاب الشأن ، ومرة واحدة ، فلا يجوز تسليم صورة تنفيذية ثانية إلا بقرار من قاضى الأمور المستعجلة (م 9 قانون التوثيق) . ويسميها الفرنسيون (grosse) لأنها تكتب بحروف مكبرة ، بخلاف الأصل والصور الأخرى فهى تكتب بحروف عادية . (ثانياً) الصورة الأصلية الأولى (premiere expedition) ، وهى التى تنقل من الأصل عقب التوثيق لإعطائها لذوى الشأن دون أن توضع عليها الصيغة التنفيذية . وهى لا تعطى إلا لذى شأن()، ويؤشر الموثق بالتسليم فى أصل المحرر ويوقع هذا التأشير (م 8 قانون التوثيق و م 19 لائحة قانون التوثيق) . (ثالثاً) الصورة الأصلية البسيطة (simple expedition) ، وتنقل هى أيضاً مباشرة من الأصل ، $167 ولكنها لا تنقل إلا بعد التوثيق بمدة من الزمن . ويجوز دائماً إعطاؤها لذوى الشأن . ولا يجوز إعطاؤها للغير إلا بعد الحصول على إذن من قاضى الأمور الوقتية بالمحكمةالتى يقع مكتب التوثيق فى دائرتها (م 8 قانون التوثيق) . (رابعاً) الصورة الرسمية التى تحرر بحضور القاضى المنتدب عند صدور قرار من سلطة قضائية بضم الأصل إلى ملف الدعوى . وهو صورة تحرر مطابقة للأصل ، ويحرر بذيلها محضر يوقعه القاضى والموثق وكاتب المحكمة ، وتقوم مقام الأصل إلى حين رده كما سبق القول (م 10 فقرة 2 قانون التوثيق) . هذه كلها صور رسمية أصلية ، ولها جميعاً حجية واحدة هى حجية الأصل المفقود ، وذلك متى كان مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل() . أما إذا كان المظهر الخارجى للصورة يبعث على الشك فى أن يكون $168 قد عبث بها ، كما إذا وجد كشط أو محو أو تحشير أو نحو ذلك ، فان الصورة تسقط حجيتها فى هذه الحالة() . ويتبين من ذلك أن الصورة الرسمية الأصلية سليمة المظهر الخارجى تكون لها حجية الأصل على النحو الذى قدمناه . وتستمد هذه الحجية ، لا من الأصل فهو غير موجود فرضاً ، بل منها ذاتها() ، وذلك بالرغم من أنها لا تحمل توقيع الخصم ولا تمكن مضاهاتها على الأصل المفقود . ومن ثم ندرك ما ينطوى عليه هذا الحكم من جرأة . ومن أجل هذا اتجه رأى لجنة مجلس الشيوخ فى البداية إلى استبعاد ، ((لأن فى بقائه خطورة إذ قد تكون الورقة خالية من الشوائب فى مظهرها الخارجى ولكنها لا تطابق الأصل ، وعدم وجود هذا $169 الأصل سيكون حائلا دون تحقيق صحتها ، وإعطاؤها قوة الأصل فيه خطورة كبيرة)) . ولكن اللجنة عدلت عن هذا الرأة ، واستبقت الحكم بعد استيثاقها م أنه هو الحكم الصحيح ، وإن كان يعتبر استثناء من القواعد العامة() . 101 ـ حجية الصور الرسمية المأخوذ من الصورة الرسمية الأصلية:وهذه ليست الصور الرسمية الأصلية (expeditions) التى نقلت مباشرة من الأصل ، بل هى صور رسمية نقلت من الصور الرسمية الأصلية . فهى لا تعتبر صوراً من الأصل إلا بطريق غير مباشر . ولذلك لا يجوز أن تكون لها حجية أكبر من حجية الصور الأصلية التى هى ليست إلا صوراً منها ، وبشرط أن تكون الصور الأصلية موجودة حتى إذا طلب أحد الطرفين مضاهاتها على أصلها أمكن ذلك . ومن ثم لا تكون للصورة المأخوذة من الصورة الأصلية حجية مستمدة من ذاتها ، بل هى تقتصر على التمتع بقرينة المطابقة للصورة حجية مستمدة من ذاتها ، بل هى تقتصر على التمتع بقرينة المطابقة للصورة الأصلية ، وتنتفى القرينة بمجرد إنكار أحد الطرفين لهذه المطابقة() ، وعندئذ يتعين إحضار الصورة الأصلية للمضاهاة . فان وجدت الصورة الثانية مطابقة لها ، كانت لها حجيتها على التفصيل الذى قدمناه فى حجية الصور الأصلية ، ذلك أن هذه الحجية مستدمة كما قدمنا من الصورة الأصلية لا من الصورة الثانية . أما إذا وجدت الصورة الثانية غير مطابقة للصورة الأصلية ، استبعدت تلك واستبقيت الصورة الأصلية وهى التى تكون لها الحجية فى كل حال . بقى فرض ما إذا كانت الصورة الأصلية غير موجودة فلا تمكن مضاهاة الصورة الثانية عليها. ونرى فى هذه الحالة ، أما سكوت النص ، ألا تكون للصورة الثانية حجية محددة ، ولا يعتد بها إلا لمجرد الاستئناس ، شأنها فى ذلك $170 شأن صور الصور المأخوذة من الصور الأصلية ، وهى التى ننتقل الآن إليها() . 102 ـ حجية صور الصور المأخوذة من الصور الأصلية:وهنا تتعدد الحلقات ، وتنفرج المسافة ما بين الصورة والأصل . فالصورة التى يحتج بها ليست إلا صورة لصورة مأخوذة من الصورة الأصلية ز فهى بالنسبة إلى الأصل صورة الصورة ، أى الصورة الثالثة . فان كانت الصورة الأصلية موجودة وجب اسحضارها ، وهى التى تثبت لها حجية الأصل على التفصيل الذى قدمناه . بل إن الصورة الثالثة لا تتمتع بقرينة مطابقتها للصورة الأصلية فانها تتمتع بقرينة مطابقتها للأصل ، وقد تقدم ذكر ذلك . وسواء كانت الصورة الثالثة مطابقة للصورة الثانية فى حالة وجود هذه أو غير مطابقة ، فهذا لا أهمية له ، بل لا فائدة من تحقيق هذه المطابقة . والمهم هو مطابقة الصورة الثالثة للصورة الأصلية إن وجدت هذه . فان كانت الصورة الأصلية هى أيضاً مفقودة كالأصل ، فان الصورة الثالثة ـ طابقت الصورة الثانية أو لم تطابق ـ لا تكون لها حجية ، ولا يعتد بها $171 إلا لمجرد الاستئناس تبعاً للظروف ، باعتبارها مجرد قرينة() فهى إذن لا تصلح حتى مبدأ ثبوت بالكتابة . ومن ثم يتبين أن الصورة الثالثة ـ ومن باب أولى أية صورة دونها() ـ لا حجية لها فى ذاتها . فان وجدت الصورة الأصلية ، كانت الحجية لهذه الصورة . وإن كانت الصورة الأصلية مفقودة ، سواء وجدت الصورة الثانية أو لم توجد ، فلا يعتد بالصورة الثالثة إللا لمجرد الاستئناس كما قدمنا() . 103 ـ أحكام التقنين المدنى السابق:أما التقنين المدنى السابق فقد تضمن نصاً واحداً فى هذه المسألة . فقد كانت المادة 231/296 تنص على أنه:((إذا قدم الخصم صور سندات غير صروها الواجبة التنفيذ وهى صورها الأولى ، ولم يقدم الأصل ، وكانت الصور المذكورة محررة بمعرفة أحد المأمورين العمومين ، فللقاضى النظر في درجة اعتماد تلك الصور . وعلى كل حال فانها تعتبر فى مقام مبادئ الثبوت بالكتابة)) . والنص الفرنسى لهذه المادة فى القانون الأهلى أدق من هذا النص العربى ، فقد كان يجرى على الوجه الآتى . \'\'La valeur probante des copies de titres autres que les expeditions ececutoires ou premieres expeditions,quand ces copies auront ete faites par des officieres publics,sera appreciee par le juge si l\'original n\'est pas represente,ces copies vaudront au moins un commencement de prevue par ecrit\". ويتبين من المقابلة بين النصين العربى والفرنسى أن هناك خلافاً فيما بينهما . فالنص العربى يجعل الصور التنفيذية هى الصور الأولى ، إذ يقول : (( غير $172 صورها الواجبة التنفيذ وهى صورها الأولى )) . أما النص الفرنسى فيجعل الصور الأولى شيئاً غير الصور التنفيذية ، إذ يقول (Ecpeditions executoires ou premieres expeditions) والصحيح هو النص الفرنسى ، فالصور الأولى ، كما تكون صوراً تنفيذية ، قد تكون صوراً غير تنفيذية ، وقد سبق ذكر ذلك ، والتقنين المدنى الفرنسى ، وهو الأصل الذى نقل عنه التقنين المدنى السابق ، صريح فى هذا التمييز( ) . فيجب إذن الأخذ بالنص الفرنسى للتقنين المدنى السابق . وهو يميز بين حالتين : (1) حالة الاحتجاج بالصورة التنفيذية أو بالصورة الأولى غير التنفيذية ، وسكوت التقنين عن حكم هذه الحالة معناه أن لكل من الصورتين حجية الأصل( ) (2) حالة الاحتجاج بصورة أصلية بسيطة ، أى بصورة أصلية غير الصورة التنفيذية وغير الصورة الأولى ، وفى هذه الحالة ينظر القاضى فى تقدير قمتها ولا ينزل بها عن مرتبة مبدأ الثبوت بالكتابة ، أى قد يعتبرها دليلا كاملا ، وقد يعتبرها مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة أو بالقرائن( ) . $173 ولم يعرض التقنين السابق للحالتين الأخريين اللتين عرض لها التقنين الجديد : الصورة الثانية والصورة الثالثة . ويبدو أن الصورة الثانية فى التقنين السابق ـ وهى صورة الصورة الأصلية ـ كانت لها حجية الصورة الأصلية على التفصيل المتقدم فى هذا التقنين بشرط أن تكون الصورة الأصلية موجودة وأن تكون صورتها مطابقة لها ، إذ ليس فى هذا إلا تطبيق للقواعد العام وهى نفس القواعد التى قررها التقنين الجديد . أما الصورة الثالثة ، وهى صورة الصورة الأصلية ، فتقتصر قيمتها على مجرد الاستئناس بها كقرنية بسيطة ، وذلك ما لم توجد الصورة الأصلية فتكون عندئذ الحجية لها لا لصورة صورتها . وهذا هو أيضاً تطبيق للقواعد العامة ، وقد قرر التقنين الجديد هذا الحكم كما رأينا( ) . ويتبين من ذلك أنه لا يوجد خلاف بين التقنين الجديد والتقنين إلا فى حالة واحدة ، هى حالة الصورة الأصلية البسيطة (simple expedition) عند فقد الأصل . ففى التقنين الجديد تكون لهذه الصورة حجية الأصل إذا كان $174 مظهرها الخارجى لا يسمح بالشك فى مطابقتها للأصل ، أما فى التقنين القديم فقد يكون لهذه الصورة حجية الأصل وقد تنزل إلى مرتبة إلى مرتبة مبدأ الثبوت بالكتابة وفقاً لتقدير القاضى . والقانون الذى يسرى هو القانون الذى أخذت الصورة الأصلية البسيطة فى ظله ، فان أخذت قبل 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 سرى التقنين القديم ، وإلا فالتقنين الجديد هو الذى يسرى . $175 الفصل الثاني الأوراق العرفية 104 ـ الأوراق العرفية المعدة للإثبات والأوراق العرفية غير المعدة للإثبات : يمكن تقسيم الأوراق العرفية التى تكون لها حجية فى الإثبات إلى قسمين : (القسم الأول) أوراق أعـدت مقدمـاً للإثبـات ، فهـى أدلـة مهيأة (preuves preconstituees) ولذلك تكون موقعة ممن هى حجة عليه . (والقسم الثاني) أوراق لم تعد مقدماً للأثبات ، ولكن القانون يجعل لها حجية فى الإثبات إلى مدى معين ، فهى أدلة عارضة (preuves casuelles) . وأكثر هذه الأوراق لا تكون موقعة ممن هى حجة عليه ، وذلك كدفاتر التجار والدفاتر والأوراق المنزلية . وبعضها قد يكون موقعاً وان لم يعد فى الأصل للأثبات ، وذلك كالرسائل وأصول البرقيات( ) . ونتكلم فى كل من هذيه القسمين من الأوراق . الفـرع الأول الأوراق العرفية المعدة للإثبات 105 ـ شروط صحتها وحجيتها فى الإثبات : نتناول بحث الأوراق العرفية المعدة للإثبات ، كما بحثنا الأوراق الرسمية ، من ناحيتين : (1) الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة العرفية (2) حجية الورقة العرفية فى الإثبات . $176 المبحث الأول الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة العرفية 106 ـ التوقيع هو الشرط الوحيد فى القانون المصرى : الورقة العرفية المعدة للإثبات لا يشترط فى صحتها إلا توقيع من هى حجية عليه( ) . فإذا كان العقد ملزماً للجانبين كالبيع ، وأثبت فى ورقة عرفية ، وجب توقيع كل من البائع والمشترى . وإذا كان ملزماً لجانب واحد كالوديعة ، وجب توقيع المودع عنده . وإذا كان مخالصة بالدين ، وجب توقيع الدائن . وهكذا . ويكون التوقيع عادة بالإمضاء . ويجوز أن يكون ـ لا سيما بالنسبة إلى $177 الأمين ـ بالختم( ) أو ببصمة الأصبع( ) . والختم لا يزال منتشراً فى مصر ، وفى القرى بوجه خاص ، لانتشار الأمية . وعيبه أن التقليد فيه أيسر منه فى $178 الإمضاء . أما بصمة الأصبع فأكثر دقة( ) . ولا يشترط فى الإمضاء أو الختم أن يوضع بالإسم الثابت فى ورقة الميلاد ، بل يكفى أن يوقع صاحب الشأن بالاسم الذى اعتاد أن يوقع به( ) . ويوضع التوقيع عادة فى آخر الورقة حتى يكون منسحباً على جميع البيانات المكتوبة الورادة فيها . ولكن ليس من الضرورى توقيع الإضافات والإحالات وما إليها كما هو الأمر فى الورقة الرسمية ، ويترك غير الموقع منها لتقدير القاضى من ناحية قوة الإثبات ، ولذلك يكون الأفضل توقيعها قطعاً للشك . ويجب على صاحب الشأن أن يوقع بنفسه . فاذا وقع الورقة باسمه شخص كأمين سر أو مدير مكتب أو نحو ذلك ، فالتوقيع لا يصح والورقة باطلة لا حجية لها( ) . أما البيانات المكتوبة ـ ولابد من الكتابة إذ الورقة العرفية هى ورقة مكتوبة ـ فيصبح أن تكون بخط المدين أو الدائن أو أجنبى . وله أن يكتبها بأية لغة ، حتى بلغة اصطلاحية معروفة من أصحاب الشأن ، فاللغة العربية ليست ضرورية كما هو الأمر فى الورقة الرسمية . ويجوز أن تكون الكتابة باليد أو بالطباعة بالآلة الكتابة أو بالفوتوغرافيا أو بأية طريقة أخرى ( أنظر المادة 145 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني ) . وإذا كانت الكتابة باليد ، صح أن تكون بالمداد أو بالقلم الرصاص أو بأية مادة كاتبة أخرى . وكثير من الأوراق العرفية ، كعقود الإيجار والمخالصات وعقود التأمين واشتراكات المياه والنور وكثير من $179 عقود الإذعان ، تكون مطبوعة ، ويقتصر أصحاب الشأن بوجه عام على ملء الفراغ الذى يخصص العقد المقصود إبرامه . ولا يشترط فى صحة الورقة العرفية أن تكون مؤرخة ، إلا فى حالات معينة نص عليها القانون كالكمبيالة والسند الأذنى والشيك والتظهير . ولكن التاريخ فى الورقة العرفية بيان من البيانات الهامة ، فقل أن يغفله أصحاب الشأن ، وإلا شق عليهم بعد ذلك إثباته . بل إن تاريخ الورقة العرفية لا يكون حجة على الغير إلا إذا كان ثابتاً كما سنرى . ويتبن مما قدمناه أن التوقيع هو الشرط الوحيد لصحة الورقة العرفية . فاذا لم يوضع التوقيع على الورقة ، لم تكن لها حجية فى الإثبات ( انظر المادة 143 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ) ـ ذلك أن الورقة العرفية إنما تستمد حجيتها من التوقيع وحده . والورقة العرفية غير الموقعة لا تصلح حتى مبدأ ثبوت بالكتابة ، إلا إذا كانت مكتوبة بخط المدين . وإذا تعددت التوقيعات ، فليس من الضرورى أن توضع جميعها فى وقت واحد ، بل كل من وقع على الورقة يكون قد ارتبط بها( ) ، إلا إذا تبين من الظروف أصحاب الشأن إنما أرادوا ألا يرتبطوا إلا بتوقيعهم جميعاً( ) . وغنى عن البيان أن الورقة العرفية إذا كانت باطلة فلا يؤدى بطلانها إلى بطلان التصرف القانونى ذاته الذى قصد بالورقة أن تثبته ، بل يبقى هذا التصرف قائماً ويصح أن يكون جائز الإثبات بطرق أخرى . 107 ـ قيمة التوقيع على بياض : وقد يضع صاحب الشأن توقعيه على الورقة العرفية قبل كتابتها قبل كتابتها، فيقال عندئذ إنه وقع على بياض (blanc seing). ويكون قد قصد بذلك أن يعهد إلى الطرف الآخر أن يكتب فوق التوقيع البيانات التى اتفق معه على عناصرها الجوهرية وترك إليه استكمال تفصيلاتها على أسس معينة . مثل ذلك أن يوقع شخص شيكاً على بياض لمصلحة شخص آخر له معه حساب جار ، ويعهد إليه أن يضع الرغم الدال على قيمة الشيك بمقدار ما على موقع الشيك من رصيد الحساب الجارى بعد تصفيته . ومن ثم يكون من وقع على بياض قد وثق فى صاحبه واطمأن إلى أمانته ، ومن هنا يجئ الخطر فى التوقيع على بياض إذا خان الأمانة من اؤتمن . ومهما يكن من أمر فان التوقيع على بياض صحيح . وهو من شأنه أن يكسب البيانات التى ستكتب بعد ذلك فوق هذا التوقيع حجية الورقة العرفية ، فان هذه الحجية تستمد كما قدمنا من التوقيع لا من الكتابة ، فيستوى أن تكون الورقة قد كتبت قبل التوقيع أو بعده . والمهم أن من يوقع الورقة يوقعها بخطه ، ويقصد من توقيعها أن يرتبط بالبيانات التى سترد فى الورقة . على أن من يؤتمن على هذا التوقيع يجب عليه أنت يرعى الأمانة ، فلا يضع فى الورقة بيانات غير ما اتفق عليه مع الموقع ، وإلا عوقب جنائياً ( ) . أما الناحية المدنية ، فعبء إثبات تسليم الورقة الموقعة على بياض وخيانة من تسلمها يقع على من وضع توقيعه على بياض . ويراعى فى ذلك القواعد المقررة فى الإثبات . ذلك أنه إذا ما كتبت الورقة البيضاء بعد التوقيع عليها ، أصبحت قيمتها فى الإثبات قيمة الورقة العرفية التى لم توقع إلا بعد أن تمت كتابتها . ولكن يبقى للمدين الحق فى أن يثبت أنه إنم سلم توقيعه على بياض للدائن وأن ما كتبه هذا فـوق التوقيع لم يكن هـو المتفـق عليـه بينهـما . ويكـون إثبـات ذلك طبقـاً للقواعـد العامـة ، أى أنـه لا يجـوز إثبات عكس المكتوب إلا بالكتابة $181 كما سنرى( ) . فإذا استطاع هذا الإثبات ، فقدت الورقة حجيتها فيما بينهما . ولكنها لا تفقد هذه الحجية بالنسبة إلى الغير حسن النية ، فمن تعامل مع متسلم الورقة معتقداً أنها ورقة صحيحة ، فحولت إليه مثلا ، جاز له أن يتمسك بحجية الورقة فى حق من وقع على بياض( ) ، ويرجع الموقع ، على من أساء استعمال توقيعه( ) . ولكن إذا كان التوقيع على بياض ذاته قد تم الحصول عليه من غير علم صاحب التوقيع ، ولم يقصد الموقع أن يسلم توقيعه على بياض إلى من أساء استعمال هذا التوقيع ، بل حصل عليه هذا خلسة ، كان التوقيع نفسه غير صحيح ، وكانت الورقة باطلة ، وعوقب من أساء استعمال التوقيع بعقوبة التزوير ( م340 عقوبات ) ( ) . ولصاحب التوقيع أن يثبت هذا الإختلاس بجميع الطرق ، ومنها البينة والقرائن ، لأنه إنما يثبت غشاً . فاذا ما أثبت ذلك فان الورقة تسقط حجيتها فى حقه بعدأن انكشف بطلانها على ما قدمنا . بل إن الغير حسن النية الذى تعامل مع المختلس على أساس أن الورقة صحيحة لا يستطيع أن يتمسك بحجية الورقة فى حق صاحب التوقيع ، ذلك أن صاحب التوقيع لم يسلم توقيعه على بياض للمختلس ، كما فعل ف الحالة السابقة ، بل اختلس منه التوقيع اختلاساً ، فلا يمكن أن ينسب إليه أى إهمال( ) . 108 ـ شرطـان آخـران لصحـة الورقـة العرفيـة فـى التقنيـن المدنى الفرنسى : ويشترط التقنيـن المدنـى الفرنسـى لصحـة الورقـة العرفية ، فـوق التوقيـع، $182 شرطين آخرين لم يشترطهما التقنين المدنى المصرى( ) . أما الشرط الأول فقد نصت عليه المادة 1325 من التقنين المدنى الفرنسى( ) ، إذ تقضى بأن الأوراق العرفية التى تثبت عقوداً ملزمة للجانبين لا تكون صحيحة إلا إذا تعددت نسخها( ) بقدر تعدد أطراق العقد ذوى المصالح المستقلة( ) ، ويجب أن يذكر فى كل نسخة عدد النسخ التى حررت من هذا السند . فاذا كان العقد بيعاً مثلا ، وكان كل من البائع والمشترى شخصاً واحداً ، فانه يجب أن يكتب من عقد البيع نسختان ، إحداهما للبائع والخرى للمشترى ، فاذا تعدد النسخ التى تعطى للبائعين أو تعطى للمشترين بقدر تعددهم ، حتى يحتفظ كل متعاقد بنسخة لنفسه( ) . $183 ثم إن لا يكفى تعدد النسخ ، بل يجب أيضاً ، كما قدمنا ، أن يذكر فى كل نسخة عدد النسخ التى حررت ، وذكر هذا العدد موقعاً عليه من الخصم هو الذى يثبت تعدد النسخ وفقاً لما يتطلبه القانون حتى فى حالة امتناع هذا الخصم عن تقديم النسخة التى احتفظ بها . فاذا لم تتعدد النسخ ، أو لم يذكر عددها فى كل نسخة ، كانت الورقة العرفية باطلة كدليل للإثبات( ) . ولا يوجد نص فى التقنين المدنى المصرى كما قدمنا ـ لا فى القديم ولا فى الجديد ـ يقابل نص المادة 1325 من التقنين المدنى الفرنسى المتقدمة الذكر . فلا يشترط إذن فى القانون المصرى تعدد النسخ فى العقود الملزمة للجانبين ، وإذا كتبت نسخة واحدة كانت دليلا كتابياً كاملا يجوز لكل من المتعاقدين أن يتمسك به( ) . ولكن الضرورة العملية تقضى فى أكثر الأحيان أن تكتب نسخ بقدر عدد المتعاقدين ذوى المصالح المتعارضة ، حتى يحتفظ كل متعاقد بنسخة لنفسه دليلا على حقه( ) . وأما الشرط الثانى فقد نصت عليه المادة 1326 من التقنين المدنى الفرنسى ، إذ تقضى بأن الأوراق العرفية التى تثبت عقوداً ملزمة لجانب واحد يجب إما أن $184 تكتب كلها بخط المدين ، أو فى القليل أن يكتب المدين بخطه قيمة الالتزام ـ حروفاً لا أرقاماً ـ مسبوقة بعبارة يعتمد بها المدين التزامه ، وتكون عادة إحدى هاتين العبارتين : Bom pour أو approuve pour ، ثم يوقع المدين بإمضائه هذه العبارة ، وهذا التوقيع ينسحب على الاعتماد وعلى مشتملات الورقة فى وقت واحد( ) . والعقود الملزمة لجانب واحد التى تخضع لهذا الشرط هى العقود التى يكون محل الالتزام فيها مبلغاً من النقود أو جملة من الأشياء المثلية التى تعد أو تقاس أو توزن أو تكال ، حتى يستطاع تقدير محل الالتزام برقم هو الذى يكتبه المدين بخطه حروفاً( ) . ولا مقابل لهذا النص أيضاً فى التقنين المصرى ، لا القديم ولا الجديد ، فلا يكون هذا الشرط لازماً لصحة الورقة العرفية فى مصر . وتقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ، دون سائر التقنينات العربية ، يشترط فى الورقة العرفية هذين الشرطين اللذين يشترطهما التقنين الفرنسى ( أنظر المادتين 146 و147 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ) . المبحث الثانى حجية الورقة العرفية فى الإثبات 109 ـ مسائل ثلاث : تجرى هنا ـ فى حجية الورقة العرفية ـ $185 على ما جرينا عليه هناك فى حجية الورقة الرسمية . فنتكلم فى حجية الورقة العرفية فى الإثبات فيما بين الطرفين ، ثم فى حجيتها فى الإثبات بالنسبة غلى الغير ، ثم فى حيجة صور الورقة العرفية فى الإثبات . ولا محل للكلام فى افتراض عرفية الورقة كما تكلمنا فى افتراض رسميتها . ذلك أن الرسمية لها أوضاع وإجراءات إذا اختلت بطلت الورقة ، فكان من ذلك أنه متى كانت مظاهرها الخارجية تنبئ بأنها ورقة رسمية اعتبرت كذلك ، وافترض أن هذه الأوضاع والإجراءات قد روعيت حتى يثبت ذو المصلحة أنها لم تراع . أما الورقة العرفية فلا يشترط لصحتها مراعاة أوضاع وإجراءات معينة ، فلا محل إذن لافتراض أن هذه الأوضاع والإجراءات قد روعيت( ) . المطلب الأول حجية الورقة العرفية فيما بين الطرفين 110 ـ النصوص القانونية : تنص المادة 394 من التقنين المدنى على ما يأتى : (( تعتبر الورقة العرفية صادرة ممن وقعها ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة . أما الوارث أو الخلف فلا يطلب منه الإنكار ، ويكفى أن يحلف يميناً بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هى لمن تلقى عنه الحق)) ( ) . $186 ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى القديم المادة 227/ 292( ) ـ ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادتين 9 و10 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 455 ، وفى تقنين أصول المحاكمت المدنية اللبنانى المواد 149 ـ 151 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 381( ) ـ $187 ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المواد 1322 ـ 1324( ) . ويتبين من هذه النصوص : ( أولا ) أن الورقة العرفية حجة على الناس كافة ، فيما بين الطرفين وبالنسبة إلى الغير . وسنبحث حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى $188 الغير فيما يلى . ( ثانياً ) فيما بين الطرفين ، تكون للورقة العرفية ، من حيث صدورها ممن وقع عليها ، حجية قائمة إلى أن ينكرها صاحب التوقيع . ومن حيث صحة ما ورد بها من الوقائع فى ذاتها ، تكون للورقة العرفية حجية قائمة إلى أن يثبت العكس . وهذه هى قوة الورقة العرفية فى الإثبات فيما بين الطرفين . ونتناول الآن هذه المسألة بشقيها . 111 ـ حجية الورقة العرفية من حيث صدورها ممن وقع عليها : إذا احتج ذو شأن بورقة عرفية على من تحمل توقيعه ، فان صاحب التوقيع إما أن يعترف بأن التوقيع له وأن الورقة صادرة منه ، وإما أن ينكر أن الورقة كلها أو بعضها صادرة منه ، وإما إن يخرج بالسكوت عن الاعتراف أو الإنكار . ومقتضى نصى المادة 394 السابقة الذكر أن السكوت هو بمثابة الاعتراف . وإذا أراد صاحب التوقيع أن ينفى صدور الورقة منه ، فعليه أن ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أ بصمة . فإذا اعترف صاحب التوقيع بصدور الورقة منه ، أو سكت ولم ينكر صراحة صدورها( )، اعتبرت الورقة صادرة منه ، واعتبر التوقيع توقيعه والخط المنسوب إليه خطه ، وتصبح الورقة العرفية ، من حيث صدورها ممن وقع عليها ، فى قوة $189 الورقة الرسمية . ولا يجوز لصاحب التوقيع أن يعود بعد ذلك إلى الإنكار ، إلا أن يطعن بالتزوير( ) . أما إذا أنكر صراحة توقيعه أوخطه ، فأنكر بذلك أن الورقة كلها أو بعضها صادرة منه ، فعلى المحتج بالورقة عبء إثبات صدورها من صاحب التوقيع ، وذلك بأن يطلب إحالة الورقة على التحقيق( ) . وفقاً لإجراءات رسمها تقنين المرافعات فى تحقيق التوقيع والخطوط . $190 والإنكار إنما يرد على الأوراق العرفية ، أما ادعاء التزوير فيرد على جميع الأوراق الرسمية والعرفية (م 261 مرافعات) . ومعنى ذلك أن الورقة العرفية تحتمل الطعن بالتزوير والإنكار . فلصاحب التوقيع أن يكون هو المهاجم ، فيطعن فى الورقة العرفية بالتزوير ، ويقع عليه عندئذ عبء الإثبات . وله كما بينا ، أن يقتصر على إنكار الورقة ، فيلجأ المحتج بها إلى إجراءات تحقيق الخطوط ، ويقع عليه لاعلى صاحب التوقيع عبء الإثبات . أما إذا كانت الورقة رسمية ، ويقع عليه لا على صاحب التوقيع عبء الإثبات . أما إذا كانت الورقة رسمية ، فلا يستطيع صاحب التوقيع إنكار صدروها منه إلا إذا طعن فى الورقة بالتزوير كما قدمنا( ) . والذى يبرر هذا الفرق في الحكم بين الورقة الرسمية والورقة العرفية أن الورقة الرسمية تحمل توقيع الموظف العام الذى وثقها ، وفى هذا الموظف من الضمانات وعليه من المسئولية ما يسمح بافتراض صحة صدور الورقة الرسمية من صاحب التوقيع . فاذا أراد هذا أن ينكر صدور الورقة منه ، فعليه هو عبء الإثبات ولا سبيل له إلا الطعن بالتزوير . أما الورقة العرفية فلا يتوافر فيها هذه الضمانات ، بل هى ورقة تحمل توقيعاً يقول المتمسك بها أنه توقيع خصمه ، فاذا أنكر هذا الخصم $191 لم يكن عليه هو أن يحمل عبء الإثبات ، بل المتمسك بالورقة هو الذى يحمل هذا العبء فيثبت أن الورقة صادة حقاً صادرة حقاً من صاحب التوقيع عن طريق إجراءات تحقيق الخطوط( ) . وإذا أنكر صاحب التوقيع صدور الورقة العرفية منه ، ثم أثبت التحقيق $192 أنه هو الذى وقعها ، صارت هذه الورقة العرفية ، كالورقة التى اعترف بها أو سكت عن إنكارها ، فى قوة الورقة الرسمية . وفى جميع الأحوال ، سواء $193 اعترف بالورقة أو سكت عن إنكارها أو أنكرها وأثبت التحقيق صدورها منه ، يجوز له أن يطعن فى هذه الورقة العرفية بالتزوير ، كما يجوز له ذلك فى الورقة $194 الرسمية ، ويحمل هو عبء إثبات تزويرها( ) . 112 ـ حجية الورقة العرفية من حيث صحة الوقائع التى وردت بها : ويجب التمييز بين صدور البيانات المدونة فى الورقة العرفية ممن وقعها (realite materielle) ـ وهذه كما رأينا تقوم عليها قرينة مؤقتة تسقط بمجرد إنكار الورقة دون حاجة إلى الطعن بالتزوير ـ وبين صحة هذه البيانات فى ذاتها (sincerite morale) ، وهل هى وقائع جدية أو هى صورية . فاذا كانت الورقة العرفية تثبت مثلا أن بيعا صدر من شخص إلى آخر وأن المشترى قبض الثمـن ، افترض أن هذه الوقائـع جميعهـا جديـة غير صورية ، وكان ذكرها فى الورقة $195 العرفية قرينة على أنها صحيحة . ولكنها قرينة يجوز دحضها باثبات العكس( ) . فلصاحب التوقيع أن يثبت فى مواجهة الطرف الآخر أن البيع صورى أو أن الثمن لم يقبض . ولا يقتصر صاحب التوقيع هنا على الإنكار ـ كما فعل عندما أنكر صدور الورقة منه ـ بل يقع عليه عبء إثبات العكس طبقاً للقواعد العامة . ومن هذه القواعد أنه لا يجوز ، بالنسبة إلى الطرف الآخر ، إثبات ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها إلا بالكتابة . ويدخل فى صحة الوقائع صحة تاريخ الورقة العرفية . فالتاريخ الذى تحمله هذه الورقة تفترض صحته ، حتى يثبت صاحب التوقيع أنه غير صحيح وأن حقيقته كذا ، ولا يثبت هنا أيضاً ما يخالف المكتوب إلا بالكتابة( ) . كذلك قيام التصرف القانونى فى ذاته ، من صحة ونفاذ وغير ذلك ، كل هذا ينفتح باب الطعن فيه أمام صاحب التوقيع ، ولا يمنعه اعترافه بصدور الورقة منه من أن يطعن فى التصرف القانونى ـ لا فى الورقة ـ بالغلط أو بالتدليس أو بالإكراه أو بعدم مشروعية السبب أو بأى موضوعى أو شكلى آخر . $196 المطلب الثانى حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير 113 ـ تعريف مبدئى للغير : الغير هنا ـ كالغير فى حجية الورقة الرسمية ـ هو كل شخص يجوز أن يسرى فى حقه التصرف القانونى الذى تثبته الورقة ، ومن ثم يصح أن يحتج عليه بهذه الورقة كدليل على التصرف الذى يراد أن يسرى فى حقه . وهو بوجه عام الخلف العام والخلف الخاص والدائن . وسنرى أن (( الغير )) تضيق دائرته فى حجية تاريخ الورقة العرفية( ) . ونستعـرض حجيـة الورقـة العرفيـة بالنسبـة إلى الغـير ـ كمـا استعرضناها فيما بين الطرفيـن ـ ( ا ) من حيث صحـة صدورهـا من صاحب التوقيـع . ( ب ) ومـن $197 حيث صحة الوقائع التى وردت بالورقة . ونضيف مسألة ثالثة لها هنا أهميـة خاصـة : ( جـ ) ومن حيث صحة التاريخ الذى تحمله الورقة . 114 ـ ( ا ) حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير من حيث صدورها ممن قوع عليها : هى نفس الحيجة فيما بين الطرفين على النحو الذى قدمناه . فتعتبر الورقة العرفية ، بالنسبة إلى الخلف العام ( الوارث والموصى له بجزء من التركة ) والخلف الخاص والدائن ، صادرة من صاحب التوقيع إلى أن ينكر ـ صاحب التوقيع لا الغير ـ صدروها منه دون حاجة إلى أن يطعن فيها بالتزوير( ) . أما إذا اعترف بالورقة أو سكت ، فقد أصبحت الورقة حجية عليه وعلى الغير معاً ، وإذ أراد هو ، أو أراد الغير ، إنكارها بعد ذلك فلا سبيل إلا الطعن بالتزوير( ) . وإذا احتج بالورقة العرفية بعد موت صاحب التوقيع على الوراث أو الموصى له أو الخلف الخاص أو الدائن ، فان هؤلاء لا يطلب منهم إنكار صريح ، كما كان يطلب من صاحب التوقيع ، لإسقاط حجية الورقة العرفية ، بل يتكفى من أى منهم ، حتى لا تكون الورقة حجة عليه إلا بعد التحقيق ، أن يحلف يميناً بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هى لمن تلقى عنه الحق . $198 وهذا بعد كل ما يستطيع أن يؤكده ، فلا يطلب منه أكثر من ذلك( ) . 115 ـ ( ب ) حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير من حيث صحة الوقائع التى وردت بها : وهنا الحجية أيضاً هى نفس الحجية فيما بين الطرفين على النحو الذى قدمناه . فللوارث مثلا أن يثبت صورية الورقائع الورادة فى الورقة العرفية وفقاً للقواعد المقررة فى للإثبات. وكذلك يفعل الخلف الخاص والدائن ، ويلاحظ هنا أن كلا من هذين يعتبر من الغير فى الصورية ، فله أن يثبتها بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن( ) . ولهؤلاء جميعاً أن يدفعوا التصرف القانونى الذى تثبته الورقة العرفية بجميع الدفوع الموضوعية والشكلية التى كانت لصاحب التوقيع . فلهم أن يطلبوا إبطال $199 التصرف لنقص الأهلية أو للغلط أو التدليس أو الاكراه أو الاستغلال ، ولهم أن يدفعوا ببطلان التصرف لعدم مشروعية المحل أو السبب أو لعدم استيفاء الشكل ، ولهم أن يتمسكوا بانقضاء الالتزام بالوفاء أو بغيره من أسباب الانقضاء ، إلى غير ذلك من الدفوع . أما صحة التاريخ الذى تحمله الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير فله شأن آخر ، وهو م ننتقل الآن إليه . 116 ـ ( جـ ) حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير من حيث صحة التاريخ الذى تحمله الورقة : هذه هى أهم مسألة فى حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير . فالورقة العرفية تحمل تاريخاً معيناً ، يفترض فيما بين الطرفين أنه هو التاريخ الصحيح حتى يثبت العكس . فهل للتاريخ هذه الحجية بالنسبة إلى الغير ؟ ظاهر أن هذا لا يمكن التسليم به . فقد يكون الطرفان متواطئين فى تقديم التاريخ أو فى تأخيره لتحقيق غرض معين . يتواطآن فى تقديم التاريخ حتى يتفاديا مثلا الطعن بالدعوى البولصية من دائن تاريخ سنده متقدم على البيع الذى تشهد به الورقة العرفية فيقدمان تاريخ الورقة حتى يكون البيع أسبق من سند الدائن فلا يستطيع هذا أن يطعن فى البيع بالدعوى البوليصية . أويقدمان تاريخ البيع حتى لا تطعن الورثة بأنه وقع فى مرض الموت . وقد يتواطآن فى تأخير التاريخ حتى يتفاديات الطعن فى التصرف بنقص الأهلية ، فيؤخرا تاريخ الورقة ليخفيا أن أحد المتعاقدين كان قاصراً وقت التعاقد( ) . فالمعقول إذن ألا يكون تاريخ الورقة العرفية حجة على الغير إلا إذا كان ثابتاً على وجه قاطع ، وعلى هذا جرى نص القانون . وحتى نتناول هذه المسألة بالبحث نستعرض أولا نص القانونن ، ثم نحدد ثانياً من هو المقصود بالغير ، ثم نبين ثالثاً ما هى الأوراق العرفية التى تخضع لتطبيق القاعدة ، ثم نتكلم أخيراً فى الطرق التى يصبح بها التاريخ ثابتاً فى هذه الأوراق. $200 117 ـ ( أولا ) النصوص القانونية : تنص المادة 395 من التقنين المدنى على ما يأتى : (( 1 ـ لا تكون الورقة العرفية حجة على الغير فى تاريخها إلا منذ أن يكون لها تاريخ ثابت . ويكون تاريخ الورقة ثابتاً : ( ا ) من يوم أن تقيد بالسجل المعد لذلك ( ب ) من يوم أن يثبت مضمونها فى ورقة أخرى ثابتة التاريخ ( جـ ) من يوم أن يؤشر عليها موظف عـام مختص ( د ) من يوم وفاة أحد ممن لهم على الورقة أثر معترف به من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة ، أو من يوم أن يصبح مستحيلا على أحد من هؤلاء أن يكتب أو يبصم لعلة فى جسمه ، وبوجه عام من يوم وقوع أى حادث آخر يكون قاطعاً فى أن الورقة قد صدرت قبل وقوعه )) . (( 2 ـ ومع ذلك يجوز للقاضى تبعاً للظروف ألا يطبق حكم هذه المادة على الخالصات)) ( ) . ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى القديم المادتين 228 ـ 229/293 ـ 294( ) $201 ويقابل فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 11 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 456 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادة 152 ، وفى التقنين المدنى للمملكة المتحدة الليبية الادة 382( ) ـ ويقابل $202 فى التقنين المدنى الفرنسى 1328( ) . 118 ـ ( ثانياً ) من هو المقصود (( بالغير )) فى تاريخ الورقة العرفية : ليس (( الغير )) بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية هو نفس (( الغير )) بالنسبة إلى حجية البيانات الأخرى الواردة فى هذه الورقة . فقد رأينا أن الغير فى الحالة الثانية هو بوجه عام الخلف العام والخلف الخاص والدائن ، أى كل شخص يجوز ان يحتج عليه بها . أما الغير بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية فهو أخص من ذلك . ويجب أن نستمد تحديد منطقته من الوضع الذى هو فيه . ويحسن قبل أن نحدد هذا (( الغير )) أن نحدد أولا من لا يعتبر (( غيراً )) ، ثم ننتقل بعد ذلك إلى تحديد (( الغير )) . 119 ـ من لا يعتبر (( غيراً )) بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية : لا يعتبر (( غيراً )) ، فيحتج عليه بتاريخ الورقة العرفية وذلك إلى أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ ، كل من كان ممثلا فى التصرف الذى تشهد به الورقة . ومن ثم لا يعتبر (( غيراً )) : (1 ) الطرفان فى الورقة العرفية ، فهذان يكون التاريخ العرفى للورقة حجة عليهما . فاذا كان أحدهما قاصراً أو محجوراً عليه ، واتفق الطرفان على تأخير التاريخ حتى لا ينكشف أن التصرف قد صدر وقت القصر ، أو على تقديمه حتى لا ينكشف أن التصرف قد صدر وقت القصر، أو على تقديمه حتى لا ينكشف أن التصرف قد صدر وقت الحجر ، كان التاريـخ المؤخر أو المقدم حجة عليهما ، إلا أن يثبت ذو المصلحة منهما أن التاريخ غير صحيح . ولما كان $203 تأخير التاريخ أو تقديمه قد وقع هنا تهرباً من أحكام القانون ، فانه يجوز إثبات ذلك بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن( ) . (2) الأصيل إذا كان أحد أطراف الورقة العرفية هو نائبه ، سواء كانت النيابة اتفاقية كالوكيل أو قضائية كالحارس القضائى أو قانونية كالولى والوصى والقيم . فتاريخ الورقة العرفية التى يوقعها النائب يكون حجة على الأصيل ولو لم يكن تاريخاً ثابتاً ، إلا إذا أثبت الأصيل عدم صحة التاريخ وأنه قدم مثلا حتى لا ينكشف أن التصرف صدر فى وقت كانت النيابة فيه قد انقضت ، وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن بسبب ما انطوى عليه تقديم التاريخ من الغش . وهو لا يعتبر (( غيراً )) لأنه كان ممثلا فى التصرف الذى أبرمه النائب لحسابه ، فيكون التاريخ العرفى لهذا التصرف حجة عليه إلى أن ثبت أنه غير صحيح( ) . (3) الوراث وكل خلف عام كالموصى له بحصة من التركة . ذلك أن الخلف العام يعتبر مثلا فى جميع العقود التى يبرمها السلف ، فتسرى فى حقه هذه التصرفات أياً كان تاريخها إلى يوم موت المورث . وما دام أنه كان ممثلا فى التصرف ، فلا يعتبر (( غيراً )) بالنسبة إلى تاريخه . فالبيع المدون فى ورقة عرفية الصادر من المورث يكون حجة فى تاريخه العرفى على الوراث كما هو حجة على المورث ، ومن ثم لا تعتبر العين المبيعة جزءاً من التركة يمتد إليها حق الوراث( ) . وإذا باع شخص داراً بورقة عرفية غير ثابتة التاريخ ، وكان هذا التاريخ يكون حجة على السفيه وعلى ورثته جميعاً ، ولا يستطيع أحد منهم أن ينقضى هذه الحجية إلا إذا أثبت أن التاريخ قد قدم عمداً حتى يصور البيع واقعاً فى وقت لم يكن فيه البائع محجوراً عليه ، وأن التاريخ الحقيقى كان بعد تسجيل قرار الحجر ( م 114 ـ 115 مدنى ) . ولما كان تقديم التاريخ فى هذه الحالة يعتبر غشاً ، فيجوز للوارث إثبات عدم صحته بجميع الطرق( ) . $205 والوارث لا يعتبر (( غيراً )) بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية كما قدمنا ، يستوى فى ذلك أن يدفع البيع الصادر من مورثه بمقولة إنه صدر بعد تسجيل قرار الحجر للسفه ، أو بمقولة أنه صدر من المورث وهو فى مرض الموت . فى الحالتين معاً يكون التاريخ غير الثابت حجة عليه . وفى الحالتين معا يستطيع أن يثبت عدم صحة التاريخ بجميع طرق الإثبات ، ما دام أن هذا التاريخ قد قدم غشاً لإخفاء أن البيع إنما صدر بعد تسجيل قرار الحجر أو صدر فى مرض الموت . ولا يعتد ـ فى صدد حجية التاريخ ـ بأن الوارث فى حالة الحجر إنما يهاجم البيع باعتباره خلفاً لمورثه فيستمد منه هذا الحق كما لو كان المورث هو الذى يهاجم البيع ، وهو فى حالة مرض الموت إنما يهاجم البيع بمقتضى حق له خاص (droit proper) استمده من القانون ضد المشترى والمورث جميعاً . لا يعتد بهذا الفرق ، قلنا ، فى صدد حجية التاريخ ، وإنما يعتد به فى صدد سريان البيع . فاذا أثبت الوارث أن البيع قد صدر بعد تسجيل قرار الحجر ، جاز له ، باسم مورثه ، أن يطلب إبطال البيع للسفه . أما إذا أثبت أن البيع قد صدر فى مرض الموت ، جاز له ، باسمه هو لا باسم مورثه ، أن يطلب عدم سريان البيع فى حقه فيما زاد على ثلث التركة . وهذا بخلاف حجية التاريخ ، فيستوى فيها أن يهاجم الوراث التصرف الصادر من مورثه المحجور بمقتضى حق استمده منه وخلفه عليه ، أو يهاجم التصرف الصادر من مورثه وهو فى مرض الموت بمقتضى حق شخصى استمده من القانون . ففى الحالتين توافرت له المصلحة فى مهاجمة التصرف . وإذا كانت هذه المصلحة قد استمدها من مورثه فى الحالة الأولى ومن شخصه فى الحالة الثانية ، فان هذا لا يمنع من أنه ليس (( غيراً )) فى الحالتين ، فيحتج عليه فيهما معاً بالتاريخ العرفى للتصرف الصادر من مورثه $206 إلى أن يثبت أن هذا التاريخ غير صحيح( ) . والذى أوقع اللبس فى هذه المسألة هو الخلط ما بين (( الغيرية )) فى سريان التصرف (( والغيرية )) فى ثبوت التاريخ . فالوارث ، فى تصرفات مورثه الصادرة فى مرض الموت ، يعتبر (( غيرا )) من ناحية سريان هذه التصرفات فى حقه ، فهى لا تسرى عليه فيما يجاوز ثلث التركة . ولا يعتبر (( غيراً )) من ناحية ثبوت التاريخ ، $207 فيحتج عليه بالتاريخ العرفى للتصرف الصادر من مورثه إلى أن يثبت أن هذا التاريخ غير صحيح( ) . أما القضاء المصرى فى هذه المسألة فهو متردد مضطرب . بدأ يأخذ بالرأى الصحيح . ثم رجع عنه إلى الرأى الخاطئ . ثم وقف بين الرأيين : فهو من الناحية العملية على هدى من أمره إذ يجعل تاريخ التصرف الصادر فى مرض الموت حجة على المورث إلى أن يثبت عدم صحته ، وهو من الناحية الفقهية يبدو أنه خلط ـ ولا يزال يخلط ـ بين (( الغيرية )) فى سريـان التصرف و (( الغيرية )) فى ثبوت التاريخ( ) . $208 وتأثر التقنين المصرى الجديد بهذا القضاء فى مرحلته الأخيرة . فنصت الفقرة الثانية من المادة 916 على ما يأتى : (( وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانونى قد صدر من مورثهم وهو فى مرض الموت ، ولهم إثبات ذلك بجميع $209 الطرق . ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً )) . فالأصل أن الوارث يحتج عليه بتاريخ التصرف الصادر من مورثه ، ولو لم $210 يكن هذا التاريخ ثابتاً . ولكن إذا ادعى أن التصرف قد صدر من مورثه وهو فى مرض الموت ، كانت له مصلحة فى إثبات عدم صحة التاريخ وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، ومنها البينة والقرائن ، لما ينطوى عليه تقديم تاريـخ التصـرف $211 من غش أريد به الإخلال بحقه الشخصى فى الميراث . إلى هنا ونص التقنين الجديد مستقيم . لكن تأتى بعد ذلك العبارة الأخيرة :( ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً )) ( ) . وهى عبارة غير صحيحة على إطلاقها . إن أريد بها ـ كما هو ظاهر العبارة ـ إن التاريخ العرفى للتصرف الصادر من المورث لا يحتج به على الورثة ، فهذا غير صحيح , وقد رأينا أن هذا التاريخ حجة على الوارث إلى أن يثبت عدم صحته . وإن أريد بها ـ كما هو التأويل المستخلص من سياق النص ـ أن التاريخ العرفى لا يحتج به على الوارث إلى الحد الذى يمنعه من إثبات العكس بل يجوز له ما دام التاريخ غير ثابت أن $212 يقيم الدليل على عدم صحته ، فهذا صحيح ، ولكن فيم الحاجة إلى إيراد هذا ونرى من ذلك أن الدائن العادي هد يعنيه التاريخ الذي صدر فيه تصرف مدينه ، ولكن لا ليكون \" غيراً \" ما دام المدين قد مثله في هذا التصرف ، بل لأن له مصلحة تخول له ، مع بقاء التاريخ العرفي حجة عليه ، أن يثبت عدم صحته . ويتحقق ذلك في دعويين : الدعوى غير المباشرة والدعوى البولصية . أما في الدعوى غير المباشرة فالدائن يطال بحق لمدينه المعسر ، تعمد هذا المدين عدم المطالبة به إضراراً بدائنه ، أو في القليل أهمل في المطالبة غير مبال بما يترتب على هذا الإهمال من مساس بالضمان العام الذي لدائنه على أمواله . هنا يتقدم الدائن ، نائباً عن المدين والنيابة أضفيت عليه بحك القانون ، لمطالبة مدين مدينه بهذا الحق . فهو يعمل بمقتضى ماله من ضمان عام على أموال مدينه ، ولا يزال باقياً في هذه المرحلة التمهيدية لم يجتزها إلى مرحلة التنفيض ، ومن ثم لا يكون الدائن في هذه الحالة \" غيراً \" إلى تاريخ الأوراق العرفية الصادرة من مدينه إلى مدين المدين . فإذا تقدم مدين المدين ، في الدعوى غير المباشرة ، بورقة عرفية صادرة من المدين تفيد إبراءه من الدين مثلا ، كان التاريخ العرفي لهذه الورقة حجة على الدائن كما هو حجة على المدين . فالدائن ليس \" عيراً \" بالنسبة إلى تاريخ هذه الورقة ، ولا يشترط أن يكون هذا التاريخ ثابتاً ليكون حجة عليه ، وذلك لسببين : أولهما أن الدائن إنما يعمل نائبا عن المدين فما يحتج به على المدين يحتج به على الدائن . والسبب الثاني أن الدائن في الدعوى غير المباشرة لم يفعل غير أن يحافظ على ضمانه العام ، فهو لم ينتقل كما قدمنا إلى مرحلة التنفيذ كما هو شأن الدائن الحاجز الذي انتقل بالحجز إلى هذه المرحلة ، فإذا سلم أن الدائن الحاجز يصبح بالحجز \" غيراً \" كما سنرى ، فإن ذلك لا يستتبع أن يكون الدائن الذي يباشر الدعوى غير المباشرة من \" الغير \" ( ) . على أنه يلاحظ أن الدائن إذا لم يكن $ 214 $ \" غيراً \" في الدعوى غير المباشرة ، وأنه يحتج عليه بالتاريخ العرفي للورقة المثبتة للأبراء الصادرة من مدينه ، إلا أنه يستطيع – كما يستطيع المدين – أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ وأنه قدم حتى يقع الإبراء في وقت سابق على رفع الدعوى غير المباشرة . وله في هذه الحالة أن يثبت تقديم التاريخ بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن لما انطوى عليه من الغش . وعمد ذلك يستطيع أن يطعن في الإبراء بالدعوى البولصية ليجعله غير سار في حقه $ 215 $ . وننتقل الآن إلى الدعوى البولصية . وفيها أيضاً لا يعتبر الدائن من \" الغير \" . فهو ، وإن لم يكن يعمل في هذه الدعوى – كما كان يعمل في الدعوى غير المباشرة – كنائب عن المدين ، بل يعمل باسمه الشخصي ، إلا أنه لا يزال دائناً عادياً لم ينتقل بعد إلى مرحلة التنفيذ . صحيح هو يعمل بمقتضى حق خاص أعطاه له القانون ، ولكن شأنه في ذلك هو شأن الوارث الذي طعن في تصرفات مورثه الصادرة في مرض الموت ، كلاهما يعمل بمقتضى حق خاص به وهذا الحق الخاص هو الذي تقوم عليه مصلحته في الطعن . ولا يزال الدائن الذي يباشر الدعوى البولصية واقفاً عند مرحلة التمهيد للتنفيذ ، شأنه في ذلك شأن الدائن الذي يباشر الدعوى غير المباشرة ، كلاهما يعمل بمقتضى حق الضمان العام ، وكلاهما دون مرتبه الدائن لحاجز الذي انتقل بالحجز إلى مرحلة التنفيذ . وفي المثال المتقدم إذا أبرأ المدين مدينه من الدين بورقة عرفية تاريخها غير ثابت ، كان هذا التاريخ حجة على الدائن ، لا عند مباشرته الدعوى غير المباشرة فحسب ، بل أيضاً عند مباشرته للدعوى البولصية . ويستطيع الدائن هنا أيضاً أن يثبت عدم صحة التاريخ ، بجمع الطرق ، ليصل إلى إثبات أن تاريخ الإبراء متأخر – لا عن تاريخ مباشرته للدعوى غير المباشرة كما كان يفعل عندما كان يباشر هذه الدعوى – بل عن تاريخ نشوء حقه وهو الآن يباشر الدعوى البولصية .ونرى من ذلك أن الدائن في الدعوى البولصية ليس \" غيراً \" ، فيحتج عليه بالتاريخ العرفي لتصرف مدينه ، إلى أن يثبت عدم صحته ( ) . ونطبق هذا الحكم على مثل آخر : $ 216 $ يبيع المدين بورقة عرفية سيارة يملكها ، فيطعن الدائن في هذا التصرف بالدعوى البولصية . فلا الدائن يعتبر \" غيراً \" بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية ، ولا المشترى يعتبر \" غيراً \" بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية فلما قدمناه . وينبني على ذلك أن هذا التاريخ يكون حجة عليه ولو لم يكن ثابتاً ، وذلك إلى أن يقيم الدليل على أنه قد قدم غشاً ليكون سابقا علي حقه تفادياً للدعوى البولصية . وأما أن المشترى لا يعتبر \" غيرا \" بالنسبة إلى تاريخ نشوء حق الدائن ، فذلك لأن المشترى قد تركز حقه في السيارة التي اشتراها ولم يتركز حق الدائن في هذه السيارة بالذات ، إذ هي لا تعدو $ 217 $ أن تكون داخلة في ضمانه العام وليس له عليها حتى الآن حق الدائن الحاجز . فليس ثمة تعارض بين حق الدائن وحق المشترى الذي تركز في السيارة بعينها ، وهذا التعارض شرط في \" الغير كما سنرى . وينبني على أن المشترى لا يعتبر \" غيراً \" بالنسبة إلى تاريخ نشوء حق الدائن أن هذا التاريخ يكون ، هو أيضاً ، حجة عليه ولو لم يكن ثابتاً ، وذلك إلى أن يقيم الدليل على أنه قد قدم غشاً ليكون سابقاً على تاريخ بيع السيارة تمكينا للدائن من مباشرة الدعوى البولصية () . $ 218 $ 120 – من يعتبر \" غيراً \" بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية:بعد أن استعرضنا من لا يعتبر \" غيراً \" بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية ، ننتقل الآن إلى من يعتبر \" غيراً . ونبادر إلى القول إن \" الغير \" ، الذي يتطلب القانون أن يكون تاريخ الورقة العرفية ثابتاً ليكون حجة عليه ، يجب ألا يكون ممثلا في التصرف الذي تشهد به الورقة . وقد رأينا أن الأصيل والوارث والدائن العادي : كلهم ممثلون في التصرف فلا يعتبرون من \" الغير \" ولم يبق الآن إلا الخلف الخاص ، وهو من انتقل إليه من السلف مال معين بالذات . ويسرى في حقه ، كما رأينا في الجزء الأول من هذا الوسيط ( ) ، تصرفات السلف المتعلقة بهذا المال إذا كانت سابقة على انتقال المال إلى الخلف ، ولا تسري إذا كانت لاحقة . فتاريخ التصرف إذن له أهمية بالغة ، بل هو المحور الذي يدور عليه سريان التصرف في حق الخلف أو عدم سريانه . ولما كان من اليسير على السلف أن يضيع على الخلف حقه ، بأن يعطي لغيره حقاً يتعارض مع هذا الحق ، وحتى يجعل تصرفه سارياً على الخلف يؤخر تاريخ التصرف بحيث يصبح سابقاً على تاريخ انتقال المال للخلف ، لذلك اشترط القانون ، تفادياً لهذا الغش الذي يعظم صرره بقد ما يسهل وقوعه وبقدر ما يصعب تجنبه ، أن يكون تاريخ التصرف ثابتاً حتى يحتج به على الخلف . فالغير إذن في تاريخ الورقة العرفية هو الخلف الخاص . والخلف الخاص هو الذي يتلاءم وضعه مع \" الغيرية \" فيما نحن بصدده : شخص يخلف آخر في مال معين بالذات ، وتكون تصرفات السلف نافذة في حقه على هذا المال قبل تاريخ معين ، فلا يكون تاريخ هذه التصرفات حجة عليه إلا إذا كان ثابتاً وسابقاً على هذا التاريخ . ويلحق بالخلف الخاص ، في هذه \" الغيرية \" ، الدائن إذا تركز حقه في مال للمدين معين بالذات . فيصبح \" غيراً \" بالنسبة إلى تاريخ التصرفات التي تصدر من المدين في هذا المال . ولا يتركز حق الدائن في مال للمدين معين بالذات إلا إذا حجز الدائن على هذا المال . والحجز هو الحلقة الأولى في مرحلة التنفيذ . أما $ 219 $ قبل الحجز ، حتى لو باشر الدائن الدعوى غير المباشرة أو الدعوى البولصية ، فإنه لا يزال في مرحلة سابقة على مرحلة التنفيذ ، وإن كانت تمهد لها . ذلك أن الدائن في الدعوى غير المباشرة وفي الدعوى البولصية لم يتركز حقه بعد على مال للمدين معين بالذات ، بل هو لا يزال يستعمل حقه في الضمان العام على أموال مدينه ، فلا يعتبر من الغير كما قدمنا . فإذا انتقل إلى مرحلة التنفيذ بأن حجز على المال الذي باشر بالنسبة إليه الدعوى غير المباشرة أو الدعوى البولصية اعتبر من الغير . ووضعه ، كوضع الخلف الخاص ، يتلاءم مع هذه \" الغيرية \" . فهو مثله قد تركز حقه في مال معين بالذات هو المال الذي حجزه ويخشى من تلاعب المدين في هذا المال بالتصرف فيه وتقديم تاريخ التصرف ليصير سابقاً على الحجز ، فاشترط القانون ليسرى التصرف في حق الدائن الحاجز أن يكون ثابت التاريخ وسابقاً على تاريخ الحجز . أما الدائن لمدين شهر إفلاسه أو إعساره فهذا لم يصل بعد إلى مرحلة التنفيذ ، ومن ثم لا يكون غيراً بالنسبة إلى تاريخ التصرفات التي تصدر من مدينه المفلس أو المعسر . ونرى من ذلك أن الغير ، بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية ، هو الخلف الخاص ، ويلحق به الدائن الحاجز ( ) ، ولا تعتبر غيراً دائن المدين المفلس أو المعسر . فنتكلم في كل من هؤلاء . $ 220 $ 121 – الخلف الخاص يعتبر من الغير : نفرض أن صاحب سيارة باعها من آخر بعد ثابت التاريخ . فالمشتري يكون ، في هذه السيارة ، خلفاً $ 221 $ خاصاً للبائع . ولا يحتج عليه بأي تصرف آخر في السيارة يصدر من البائع إذا كان تاريخه غير ثابت . فلو أن بائع السيارة باعها مرة أخرى إلى مشتر ثان ، فإن المشتري الأول يكون من الغير بالنسبة إلى تاريخ هذا التصرف . ومن ثم فإن تاريخ البيع الثاني إذا كان عرفياً لا يحتج به بتاتاً على المشترى الأول ، ويفرض فرضاً غير قابل لإثبات العكس أن هذا البيع الثاني قد صدر بعد البيع الأول ، حتى لو كان تاريخه سابقاً على ذلك . وإذا كان تاريخ البيع الثاني ثابتاُ ، احتج به على المشتري الأول . فإن كان سابقاً على تاريخ عقده ، فضل المشترى الثاني ، و إلا فضل المشترى الأول ( ) . فإذا لم يكن تاريخ البيع الأول ثابتاً ، وكان البيع الثاني تاريخه هو الثابت ، فضل المشترى الثاني لأنه هو الذي تعتبر \" غيراً \" بالنسبة إلى تاريخ البيع الأول ، ولا يكون هذا التاريخ حجة عليه لأنه تاريخ غير ثابت . فإذا لم يكن أي من البيعين تاريخ ثابت ، لم يعتبر أن من المشتريين \" غيراً \" فيحتج على كل منهما بالتاريخ العرفي الصادر للآخر ، ولكن يكون لكل منهما أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ ليدل بذلك على أنه هو صاحب التاريخ الأسبق . وغنى عن البيان إن كل هذا إنما يكون إذا لم يسلم البائع السيارة لأحد من المشتريين ، فإن تسلمها أحدهما ملكها ، إما بعقد البيع إذا كان هو السابق ، وإما بالحيازة في المنقول إذا كان هو اللاحق . وقد أورد التقنين المدني جملة من التطبيقات التشريعية للخلف الخاص الذي يعتبر من الغير ، نذكر منها : 1 – نصت الفقرة الأولى من المادة 604 على أنه \" إذا انتقلت ملكية العين المؤجرة اختياراً أو جبراً إلى شخص آخر ، فلا يكون الإيجار نافذاً في حق هذا الشخص إذا لم يكن له تاريخ ثابت سابق على التصرف الذي نقل الملكية \" . فهنا انتقلت ملكية العين المؤجرة إلى خلف خاص ، فلا يحتج عليه بتاريخ الإيجار إلا إذا كان ثابتاً . 2 – نصت المادة 1117 على أنه \" يشترط لنفاذ رهن المنقول في حق الغير ، $ 222 $ إلى جانب انتقال الحيازة ، أن يدون العقد في ورقى ثابتة التاريخ يبين فيها المبلغ المضمون بالرهن والعين المرهونة بياناً كافياً ، وهذا التاريخ الثابت يحدد مرتبة الدائن المرتهن \" . فإذا ارتهن المنقول دائنان ، متعاقبان ، كان كل منهما \" غيراً \" بالنسبة إلى تاريخ الآخر ، فلا يحتج عليه إلا بالتاريخ الثابت ، ومن ثم كان التاريخ الثابت هو الذي يحدد مرتبة الدائن المرتهن . 3 – نصت المادة 305 في حوالة الحق على أنه \" لا تكون الحوالة نافذة قبل المدين أو قبل الغير إلا إذا قلبها المدين أو أعلن بها ، على أن نفاذها قبل الغير بقبول المدين يستلزم أن يكون هذا القبول ثابت التاريخ \" . فالمحال له خلف خاص في الحق الذي انتقل إليه من المحيل ، ولا يحتج عليه في حوالة أخرى صادرة من المحيل إلا بالتاريخ الثابت لهذه الحوالة . فإن تمت الحوالة الأخرى بإعلان إلى المدين فهذا الإعلان تاريخه ثابت لا محالة . وإن تمت بقبول المدين ، فالتاريخ الثابت لهذا القبول هو الذي يعتد به . 4 – نصت المادة 1123 على أنه \" 1 – لا يكون رهن الدين نافذاً في حق المدين إلا بإعلان هذا الرهن إليه أو بقبوله له وفقاً للمادة 305 – 2 – ولا يكون نافذاً في حق الغير إلا بحيازة المرتهن لسند الدين المرهون ، وتحسب للرهن مرتبته من التاريخ الثابت للإعلان أنو القبول \" . وليس رهن الدين إلا تطبيقا لحوالة الحق . فصاحب الحق يتصرف فيه بالحوالة بيعاً أو رهناً أو بأي تصرف آخر . وهنا أيضاً المحال له ، وهو الدائن المرتهن ، خلف خاص في الحق إلا بالتاريخ الثابت على النحو الذي قدمناه في حوالة الحق . ويحسن ، قبل أن نترك \" الخلف الخاص \" ، أن نلاحظ أننا لم نجعله في الأمثلة التي قدمناها خلفاً خاصاً في عقار ، بل عيناه مشترياً أو مرتهناً لمنقول أو دين لأن العقار يستلزم إجراءات أخرى غير ثبوت التاريخ ، هي التسجيل أو القيد ، وسنرى أنه يشترط في التجرد \" للغيرية \" ألا يكون القانون قد تطلب إجراءات أخرى إلى جانب التاريخ الثابت ( ) . $ 223 $ 133 – الدائن الحاجز يعتبر من الغير : قدمنا أن الدائن الحاجز ، في المال المحجوز ، يكون في وضع الخلف الخاص على هذا المال . وهو إن لم يكن كالخلف الخاص ذا حق عيني في المال المحجوز إذ لا يزال حقه شخصياً ، إلا أنه ركز حقه في هذا المال بالحجز ، وأصبح القانون يحميه من تصرفات مدينه التالية للحجز كما يحمي الخلف الخاص ( ) . ومن ثم يصبح \" غيراً \" في تاريخ الورقة العرفية الصادرة من المدين لتشهد على تصرفه في المال المحجوز ، فلا يحتج عليه بهذا التاريخ إلا إذا كان ثابتاً ، ولا يحتج عليه بالتاريخ العرفي ، بل يفرض فرضاً غير قابل لإثبات العكس أن هذا التاريخ تال للحجز فلا ينفذ التصرف في حقه حتى لو كان التاريخ العرفي المدون في الورقة سابقاً على الحجز ويستوي فيما قدمناه أن يكون الحجز على منقول أو على دين للمدين في ذمة الغير ( حجز ما للمدين لدى الغير ) أو على عقار . أما في الحجز على المنقول فتنص المادة 508 من تقنين المرافعات على أنه \" تصبح الأشياء محجوزة بمجرد ذكرها في محضر الحجز ولو لم يعين عليها حارس \" . فكل تصرف يصدر من المدين في المال المحجوز بعد حجزه على هذا النحو لا يكون تاريخه حجه على الدائن الحاجز إلا إذا كان ثابتاً وسابقاً على توقيع الحجز . فإن $ 224 $ كان التاريخ غير ثابت ، أو كان ثابتاً ولكنه تال لتوقيع الحجز ، فإن التصرف لا ينفذ في حق الدائن الحاجز . وفي حجز ما للمدين لدى الغير يحصل الحجز بإعلان إلى المحجوز لديه ينهاه فيه الدائن عن الوفاء بما في يده إلى المحجوز عليه أو تسليمه إياه ( م 547 مرافعات ) . ومن ذلك الوقت يصبح الدائن الحاجز \" غيراً \" ، وكل تصرف يصدر من المدين في الحق المحجوز لا يكون تاريخه حجة على الدائن الحاجز إلا إذا كان ثابتاً سابقاً على توقيع الحجز . فإذا أبرز المحجوز لديه ورقة عرفية تتضمن إبراءه من الدين أو قبولا منه بحوالة صدرت من المحجوز عليه أو غير ذلك من التصرفات وكان تاريخ هذه الورقة العرفية غير ثابت أو كان ثابتاً ولكنه تال لتوقيع الحجز ، فإن التصرف لا ينفذ في حق الدائن الحاجز . وهناك رأي يذهب إلى لا أن الدائن الحاجز في حجز ما للمدين لدى الغير لا يعتبر \" غيراً \" ، ولكن هذا الرأي أصبح اليوم مرجوحاً بعد صدور التقنين المدني الجديد وفيه نصان يقضيان يجعل الدائن الحاجز في مرتبة تضاهي مرتبة الخلف الخاص مع مراعاة طبيعة حقه من أنه ليس بحق عيني . النص الأول يجعل الدائن الحاجز يشترط مع المحال له إذا سبق حجزه الحوالة ، إذ تقضي الفقرة الأولى من المادة 314 بأنه \" إذا وقع تحت يد المحال عليه حجز قبل أن تصبح الحوالة نافذة في حق الغير ، كانت الحوالة بالنسبة إلى الحاجز بمثابة حجز آخر \" . وهذا النص ، وكان موجوداً في تقنين المرافعات القديم ، يعتبر فوق ذلك أن الدائن الحاجز هو من الغير بالنسبة إلى المحال له . والنص القاني يجعل حجز ما للمدين لدى الغير مانعاً من المقاصة بالدين المحجوز ، إذ تقضي المادة 367 بأنه \" 1 – لا يجوز أن تقع المقاصة اضراراً بحقوق كسبها الغير 2 – فإذا أوقع الغير حجزاً تحت يد المدين ، ثم أصبح المدين دائناً لدائنه ، فلا يجوز له أن يتمسك بالمقاصة أضراراً بالحاجز \" . ولا يكون ذلك إلا إذا كان للدائن الحاجز حق كسبه على الدين المحجوز يمنع من وقوع المقاصة ، وهذا الحق قذ صرح به النص : \" حقوق كسبها الغير \" ، وهو ذاته الذي يجعل الدائن الحاجز في مرتبة تضاهي مرتبة الخلف الخاص مع مراعاة طبيعة حقه من أنه حق شخصي لا حق عيني كما قدمنا ( ) . $ 225 $ وفي الحجز على العقار يكسب الدائن الحاجز على العقار المحجوز حقوقا صريحة واضحة تجعله في مرتبة الخلف الخاص وتمنحه الحماية ذاتها فيعتبر \" غيراً \" ، $ 226 $ ولا يحتج عليه بتاريخ التصرف الصادر من المدين إلا إذا كان ثابتا . فإن كان التاريخ غير ثابت ، أو كان ثابتا ولكنه تال للحجز ، لم يسر التصرف في حق الدائن الحاجز ، شأنه في ذلك شأن الخلف الخاص . وتطبيقا لهذه القاعدة تنص الفقرة الأولى من المادة 615 من تقنين المرافعات على أنه \" يترتب على تسجيل التنبيه اعتبار العقار محجوزاً \" . ثم تنص الفقرة الأولى من المادة 616 من هذا التقنين على أنه \" لا ينفذ تصرف المدين أو الحائز في العقار ولا يما يترتب عليه من رهو أو اختصاص أو امتياز في حق الحاجزين ولو كانوا دائنين عاديين ، ولا في حق الدائنين المشار إليهم في المادة 637 ، ولا الراسي عليه المزاد ، إذا كان التصرف أو الرهن أو الاختصاص أو الامتياز قد حصل شهره بعد تسجيل تنبيه نزع الملكية \" ( ) ثم تنص المادة 621 على أن \" عقود الإيجار الثابتة التاريخ قبل تسجيل التنبيه تنفذ في حق الحاجزين والدائنين المشار إليهم في المادة 637 والراسي عليه المزاد ، وذلك بغير إخلال بأحكام القانون المتعلقة بعقود الإيجار الواجبة الشهر . أما عقود الإيجار غير الثابته التاريخ قبل تسجيل التنبيه $ 227 $ فلا تنفذ في حق من ذكروا إلا إذا كانت من أعمال الإدارة الحسنة . وتنص أخيراً المادة 624 على أن \" المخلصات عن الأجرة المعجلة والحوالة بها يحتج بها على الدائن الحاجز والدائنين المشار إليهم في المادة 637 والراسي عليه المزاد ، إذا كانت ثابتة التاريخ قبل تسجيل التنبيه ، وذلك بغير الا بأحكام القانون المتعلقة بالمخالصات الواجبة الشهر ، فإذا لم تكن ثابتة التاريخ قبل تسجيل التنبيه فلا يحتج بها إلا لمدة سنة \" () . ويلاحظ أن الدائن المرتهن في الرهن الرسمي ، في خصوص الإيجار الصادر من الراهن وفي خصوص المخالصات عن الأجرة المعجلة والحوالة بها ، يعامل معاملة الدائن الحاجز (م 1045 و 1064 مدني) ، لأن الراهن لا تغل يده بالرهن الرسمي عن إيجار العقار المرهون ولا عن قبض الأجرة المعجلة والحوالة بها ، فيصبح شأن الدائن المرتهن في هذه التصرفات شأن الدائن العادي ، وكالدائن العادي أيضاً لا يكون له حق خاص على العقار المرهون يتعارض مع الإيجار وقبض الأجرة والحوالة بها إلا إذا بدأ التنفيذ فيجل التنبيه () . أما الدائن المرتهن في الرهن الحيازي فيعليه أن يستثمر الشيء المرهون استثماراً كاملا ويتولى إدارته (م 1104 و 1106 مدني) ، ومن ثم يتعارض وضعه هذا مع حق الراهن في افجار وقبض الأجرة ، فيعتبر \" غيراً \" في هذه التصرفات منذ تسلم الشيء المرهون ، ولا يحتج عليه بالتاريخ إلا إذا كان ثابتاً () . $ 228 $ 123 – الدائن إذا أفلس مدينه أو أعسر لا يعتبر من الغير:متى أفلس المدين التاجر وشهر إفلاسة ، رفعت يده عن إرادة أمواله (م 216 تجاري) وتصرفاته ، في خلال المدة السابقة على الحكم بشهر الإفلاس منذ العشرة الأيام السابقة على تاريخ توقفة عن الدفع ، الخاصة بتبرعات أو بوفاء دون غير حالة على أي وجه كان هذا الوفاء أو بوفاء ديون حلى بغير النقود أو الأوراق التجارية أو بترتيب حقوق رهن أو اختصاص على أمواله ، تكون كلها باطلة (م 227 تجاري) . أما وفاء الديون الحالة بنقود أو أوراق تجارية و المعاوضات فتكون قابلة للإبطال إذا وقعت بعد تاريخ التوقف عن الدفع 228 تجاري) – ولكن بالرغم من كل ذلك لا نرى أن دائن التفليسة يعتبر من الغير في التصرفات $ 229 $ المصادرة من المدين المفلس . فالحكم بشهر الإفلاس ليس إلا تمهيداً للتنفيذ الجماعي . ودائن المفلس ، لمجرد شهر إفلاي مدينه ، لم يدخل بعد في مرحلة التنفيذ ، كما دخل الدائن الحاجز . والإفلاس لا يعدل الحجز ، وكل ما نتج عنه أن غلت يد المفلس في إدارة أمواله ، وحل محله الدائنون الذين تكتلوا في مجموعة يمثلها السنديك . وهذا لا يغير من مركزهم كدائنين عاديين لم يصلوا بعد إلى مرحلة التنفيذ ، فهم لا يزالون يستعملون حقهم العام في الضمان ، شأنهم في ذلك شأن الدائن الذي يباشر الدعوى البولصية . ومن ثم يكون التاريخ العرفي للتصرفات الصادرة من المدين المفلس حجة على دائنيه ، ولو كانت تصرفات مدنية (أي غير تجارية) . ويكون لهؤلاء ، بداهة ، الحق في إثبات عدم صحة هذا التاريخ وإثبات التاريخ الحقيقي لهذه التصرفات فيعطي عندئذ لكل تصرف حكمه القانوني:ما صدر في المدة المشتبه فيها ، وما صدر بعد توقف المدين عن الدفع ، وما صدر بعد الحكم بشهر الإفلاس () . $ 230 $ وكالإفلاس الإعسار . وقد نصت المادة 257 من التقنين المدني على أنه \" متى سجلت صحيفة دعوى الإعسار ، فل يسري في حق الدائنين أي تصرف للمدين يكون من شأنه أن ينقص من حقوقه أو يزيد في التزاماته ؛ كما لا يسرى في حقهم أي وفاء يقوم به المدين \" . ويتبين من ذلك أن حكم شهر الإعسار له أثر حكم شهر الإفلاس في غل يد المدين عن التصرف في أمواله . ولكننا لا نرى – هنا أيضاً – أن دائن المدين المعسر يعتب من الغير في التصرفات الصادة رمن مدينه . فالحكم بشهر الإعسار ، كالحكم بشهر الإفلاس ، ليس إلا تمهيداً للتنفيذ ، ولم يدخل الدائنون بعد في مرحلة التنفيذ لمجرد الحكم بشهر إعسار مدينهم . بل لعل إنعدام \" الغيرية \" في الإعسار أولى منه في الإفلاس ، إذ ليس في الإعسار تصفية جماعية كما في الإفلاس ، بل يبقى كل دائن موكولا إلى الأجراءات الفردية التي يتخذها وحده ، فلا يتكتل الدائنون في مجموعة يمثلها السنديك . وما الإعسار ، على الوجه الذي نظم به في التقنين المدني الحديد ، إلا الدعوى البولصية ، أحكم تنظيمها ، ورتبت مراحلها ، وحددت مواعيدها ، ويسر فيها عبء الإثبات ، فانضبطت آثارها ، ووضحت معالمها . فإذا كان الدائن في الدعوى البولصية لا يعتبر من \" الغير \" كما قدمنا ، فليس غريباً إلا يعتبر أيضاً من \" الغير \" في الإعسار . ومن ثم يكون التاريخ العرفي للتصرف الصادر من المدين المعير حجه على دائنه . ويكون للدائن الحق في إثبات التاريخ الحقيق لهذا التصرف ، فإن كان لاحقاً لتسجيل صحيفة دعوى الإعسار ، لم يسر في حقه () . $ 231 $ 124 – الشروط الواجب توافرها في توافرها في \" الغير \":ويخلص مما قدمناه أن \" الغير \" في ثبوت التاريخ آل يعدو أن يكون الخلف الخالص أو الدائن الحاجز . ويشترط في ً الغير \" ، خلفاً كان أو دائناً ، شروط ثلاثة : ( 1 ) أن يكون هو نفسه ذا تاريخ ثابت . وقد رأينا فيما أسلفناه أن الخلف الخاص ، حتى لا يحتج عليه بغير التاريخ الثابت ، يجب أن يكون تاريخه هو ثابتاً ، فإذا تنازع المشتريان للمنقول ، ولم يكن أي من المشتريين أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ فإذا لم يكن \" الغير \" خلفاً خاصاً ، كان دائناً حاجزاً ، ومن الواضح أن الدائن الحاجز له دائما تاريخ ثابت . $ 232 $ ( 2 ) أن يكون القانون آل يتطلب إجراءات أخرى غير ثبوت التاريخ . ومن أجل ذلك تركنا عمداً ، كنا سبقت الإشارة ، عند الكلام في الخلف الخاص ، مشتري العقار والمرتهن له . ذلك أن القانون يتطلب في بيع العقار إجراء آخر هو التسجيل ، وفي رهن العقار إجراء آخر هو القيد . ومن ثم كانت المفاضلة بين المشتريين لعقار واحد ليست بالأسبقية في التاريخ الثابت بل بالأسبقية في التسجيل ، وكان المفاصلة بين المرتهنين لعقار واحد ليست هي أيضاً بالأسبقية في التاريخ الثابت بل بالأسبقية في القيد . $ 233 $ ( 3 ) أن يكون \" الغير \" ، خلفاً كان أو دائناً ، حسن النية فإذا أسرع المشتري الثاني للمنقول في إثبات تاريخ البيع الصادر له وهو يعلم أن البيع الأول سابق على عقده وأن لم يكن ثابت التاريخ ، فالمفاضلة لأول وهله بين المشتريين تقضى بتفضيل المشتري الثاني ثابت التاريخ على المشترى الأول غير ثابت التاريخ . ولكن إذا استطاع المشترى الأول أن يثبت علم المشترى الثاني وقت شرائه المنقول بسبق بيعه من آخر ، فإنه يثبت بذلك أن المشترى الثاني ليس حسن النية ، فيختل في هذا المشترى الثاني شرط من شروط \" الغير \" ومن ثم يحتج عليه بتاريخ البيع الأول وأن لم يكن ثابتاً ( ) . 125 – ( ثالثاً ) الأوراق العرفية التي تخضع لقاعدة ثبوت التاريخ : يخضع لقاعدة ثبوت التاريخ كل ورقة عرفية تعد للإثبات مقدماً كدليل كامل ، على أن يكون الدليل الكتابي واجباً ، وعلى أن يستثنى من ذلك الخالصات . ومن ثم لا تسرى هذه القاعدة في الأحوال الآتية : 1 – إذا لم تكن هناك ورقة عرفية أصلا لإثبات التصرف القانوني . وذلك كما لو وجد تصرف قانون غير مكتوب وأشير إليه في البيانات الواردة في ورقة رسمية ، فلا يقال إن لهذا التصرف القانون تاريخاً ثابتاً هو تاريخ الورقة الرسمية ، لأن التصرف دانه غير ثابت في ورقة عرفية . 2 –إذا كانت هناك ورقة عرفية دليلا كتابياً على التصرف ، ولكن هذه الورقة لم تعد مقدماً للإثبات . فدفاتر التجار والدفاتر والأوراق المنزلية لا تسرى عليها قاعده ثبوت التاريخ . أما الرسائل فإذا أعدت مقدماً للإثبات سرت عليها القاعدة ، وكذلك إذا لم تعد مقدماً للإثبات متى مصلحة أن تكون دليلا كتابياً $ 235 $ كاملا فإنها تخضع لقاعدة ثبوت التاريخ استثناء مما تقدم ( ) . 3 – إذا كانت هناك ورقة عرفية ، ولكنها ليست دليلا كاملا . وذلك كمبدأ الثبوت بالكتابة ، فهو ، كقاعدة عامة لا يشترط فيه التاريخ الثابت على النحو المقرر في الدليل الكامل ، ليكون حجة على الغير . وسنعود إلى هذه المسألة عند الكلام في مبدأ الثبوت بالكتابة ( ) . $ 236 $ 4 – إذا كانت هناك ورقة عرفية تعتبر دليلا كاملا ، ولكن الدليل الكتابي يكون غير واجب . ويتحقق ذلك في المسائل التجارية ، فهذه يجوز فيها دائما الإثبات بالبينة والقرائن ، فإذا وجدت ورقة عرفية اتخذت دليلا كتابياً فلا يشترط أن يكون تاريخها ثابتاً ليكون حجة على الغير ( ) . ويتحقق ذلك أيضاً في الورقة العرفية المعدة لإثبات التزام قيمته لا تزيد على عشرة جنيهات ، لأن الإثبات الكتابي هنا أيضاً غير واجب ( ) . ويتحقق ذلك أخيراً فيما إذا كانت الورقة العرفية تثبت واقعة مادية لا تصرفاً قانونياً ، أو تصرفاً قانونياً يسرى في حق الغير باعتباره واقعة مادية ( ) ، ففي إثبات الوقائع المادية لا يجب الدليل الكتابي . 5 – إذا كان الورقة العرفية التي يقدمها الخصم دليلا كتابياً كاملا هي مخالصة من دين ، فلا يشترط في المخالصات التاريخ الثابت لتكون حجة على الغير بتاريخها . وقد كان القضاء المصرى فلي ظل التقنين المدني القديم ( ) ، وكذلك $ 237 $ القضاء في فرنساً ، يستثني المخالصات من قاعدة ثبوت التاريخ ، لما في اشتراط التاريخ الثابت في الخالصات من صعوبات عملية ( ) . فمن اشترى داراً مؤجرة سرى في حقه المخالصات بالأجرة الصادرة من البائع للمستأجر ولو لم تكن ثابتة التاريخ ، إلا إذا كانت الأجرة عن مدة مستقبلة تزيد على ثلاث سنوات فيشترط التسجيل . والدائن الذي يحجز تحت يد مدين المدين حجز ما للمدين لدى الغير يحتج عليه بالتاريخ العرفي للمخالصات الصادرة من المدين ، فتسرى هذه المخلصات في حقه إذا كان تاريخها سابقاً على الحجز ( ) . وفي جميع الأحوال يجوز للغير الذي يحتج عليه بالتاريخ العرفي للمخالصة أن يثبت بجميع الطرق أن هذا التاريخ غير صحيح وأنه قدم أو أخر غشاً من طرفي الخالصة للاضرار بحقه . وقد أقر التقنين المدني الجديد هذا الاستثناء بنص صريح ، فنصت الفقرة الثانية من المادة 395 على أنه \" يجوز للقاضي ، تبعاً للظروف ، ألا يطبق حكم هذه المادة على الخالصات \" . فجعل النص التقدير إلى القاضي في خصوص الخالصات ، إن رأى أن هناك صعوبات عملية كافية تمنع من توافر التاريخ الثابت لم يطلبه ، و إلا أخضع الخالصات كغيرها من الأوراق العرفية على الغير ( ) و ( ) $ 238 $ 126 – ( رابعاً ) الطرق القانونية التي يصبح بها التاريخ ثابتاً : الأصل أن التاريخ العرفي للورقة جزء من هذه الورقة العرفية ، فمضمونه هو أيضاً جزء من الاتفاق الذي تشهد به هذه الورقة . فطرفا الورقة قد اتفقا ، فيما اتفقا عليه ، على أن يكون تاريخ اتفاقهما هو كذا . ومن ثم كان هذا التاريخ العرفي حجة عليهما ، شأنه شأن سائر أجزاء الاتفاق ( ) . ولكل منهما أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ بالطرق المقررة قانوناً كما سبق القول . أما الغير ، على التحديد الذي يسطناه ، فهذا التاريخ العرفي ، بالنسبة إلى الغي ر ، ليس صحيحاً . ولا يستطيع الطرفان إثبات التاريخ الصحيح في مواجهة الغير إلا بطريق من الطرق التي عينها القانون ، وهي الطرق التي يصبح بها التاريخ ثابتاً فيكون حجة على الغير . $ 239 $ وقد ذكر التقنين الجديد من هذه الطرق خمسة على وجه التحديد ، ثم عم أحد هذا التخصيص فذكر أن التاريخ يكون ثابتا من يوم وقوع أي حادث آخر فيكون قاطعا في أن الورقة قد صدرت قبل وقوعه . ومن ثم يكون التاريخ ثابتا على وجه من الوجوه الآتية : ( 1 ) من يوم أن تقيد الورقة العرفية بالسجل المعد لذلك . وقد نظمت اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق الطريق العادي لإثبات التاريخ على هذا الوجه . فنصت المادة 31 من هذه اللائحة على أن تقوم مكاتب التوثيق بعد أداء الرسم المقرر بإثبات تاريخ المحررات العرفية بكتابة محضر يثبت فيه تاريخ تقديم المحرر ورقم إدراجه في الدفتر المعد لذلك ، ويختم بخاتم المكتب ، ويوقعه الموثق . ذلك أن هناك في مكتب التوثيق دفتراً تدرج فيه المحررات التي أثبت تاريخها بأرقام متتابعة ، ويبين في هذا الدفتر أسماء ذوى الشأن ومحال إقامتهم وموضوع المحرر وأداء الرسم ، ويوقعه الموثق وصاحب الشأن عند تسلم المحرر ( م 32 من اللائحة ) ، كما يوجد فتر هجائي للفهارس ( م 33 من اللائحة ) . ويسلم مكتب التوثيق شهادة لمن يطلبها بحصول إثبات تاريخ الورقة العرفية ( م 34 من اللائحة ) . هذه هي الإجراءات العادية لإثبات التاريخ من طريق قيد الورقة العرفية بسجل معد لذلك . وتوجد طرق أخرى لقيد الورقة العرفية في سجل رسمي فيكون تاريخها ثابتا من يوم هذا القيد ، نذكر منها طريقين : التصديق على التوقيعات والتسجيل . وقد نظم قانون التوثيق أيضاً التصديق على التوقيعات . فقضت المادة 21 من لائحته بأن يقوم الموثق بالتصديق على توقيعات ذوى الشأن في المحررات العرفية ، بحضور شاهدين بالغين عاقلين معروفين له يتأكد بشهادتهما من شخصية ذوي الشأن . ويوقع هؤلاء أمام الموثق على الورقة العرفية ، ويكتب الموثق محضراً في ذيل الورقة يذكر فيه أسماءهم ومحال إقامتهم وحصول التوقيع منهم أمامه وأسماء الشهود ومهنهم ومحال إقامتهم . ويوقع هذا المحضر الشهود والموثق ، ثم يوضع عليه خاتم المكتب ورقم إدراجه في دفتر تدرج فيه محاضر التصديق على التوقيعات بأرقام متتابعة ( م 24 – 25 من اللائحة ) . وعند إتمام $ 240 $ التصديق تسلم الورقة العرفية إلى صاحب الشأن ، ويصبح تاريخ المحضر المدون بذيلها هو تاريخها الثابت . والتسجيل إجراء آخر لإثبات التاريخ ، عن طريق قيد الورقة العرفية في سجل معد لذلك . وهنا القيد يكون كاملا ، ويتم التسجيل الآن بالتصوير الفوتوغرافي . فكل ورقة عرفية مسجلة تكون ثابتة التاريخ من يوم تسجيلها على الأقل . بل إنه لما كان التسجيل لا يكون إلا بعد التصديق على التوقيع ، فتاريخ الورقة المسجلة يثبت من يوم التصديق على التوقيع ، ولا يتأخر إلى يوم التسجيل . ( 2 ) من يوم أن يثبت مضمون الورقة العرفية في ورقة أخرى ثابتة التاريخ وذلك بأن تذكر الورقة العرفية ، مع تحديد موضوعها تحديداً معيناً لها مانعاً للبس ، في ورقة رسمية – لأن الورقة الرسمية ثابتة التاريخ بحكم رسميتها كما قدمنا – أو في أية ورقة عرفية تكون ثابتة التاريخ بوجه من الوجوه القانونية . وعند ذلك تكسب الورقة العرفية تاريخاً ثابتاً هو التاريخ الثابت للورقة الأخرى التي جرى فيها ذكر الورقة الأولى ( ) . مثل ذلك أن يذكر في ورقة تثبت عقد بيع – رسمية $ 241 $ وعرفية مصدق فيها على التوقيع – توكيل عرفي صادر من البائع إلى وكيل بيع بالنيابة عنه ، فهذا التوكيل العرفي إذا كانت غير ثابت التاريخ يصبح ، بذكره في ورقة البيع ثابتة التاريخ ، ذا تاريخ ثابت هو تاريخ ورقة البيع ( ) . ( 3 ) من يوم أن يؤشر على الورقة العرفية موظف عام مختص . مثل ذلك أن تقدم الورقة العرفية في قضية فيؤشر عليها القاضي أو كاتب الجلسة ، أو تقدم في تحقيق فيؤشر عليها المحقق ، أو تقدم في جرد رسمي فيؤشر عليها مندوب الجرد ، أو تقدم لصرف نقود بها فيؤشر عليها مندوب الخزانة العامة . وتكسب المراسلات المسجلة تاريخاً ثابتاً هو تاريخ ختم مصلحة البريد إذا أمكن التثبت منه بالرجوع إلى السجلات الرسمية التي سجلت فيها هذه المراسلات . أما المراسلات غير المسجلة فلا يثبت تاريخها من ختم مصلحة البريد ، لأنه لا توجد سجلات رسمية يمكن الرجوع إليها للتثبت من صحة التاريخ . والتاريخ الذي يضعه المحكمون في أحكامهم لا يعتبر تاريخاً ثابتاً ( ) ، وكذلك تأشير الخبير على ورقة عرفية وذكره الورقة في محضر أعماله لا يكسبها تاريخاً ثابتاً ، لأن المحكمين والخبراء لا يعتبرون موظفين عامين ولا يمكن التثبت من صحة التاريخ الذي وضعوه على الورقة العرفية ( ) . هذا ما لم يكن الخبير موظفاً عاماً ، كما هو شأن الخبراء والموظفين في وزارة العدل . ( 4 ) من يوم وفاة أحد ممن لهم على الورقة العرفية أثر معترف به من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة أصبع . أما الخط والامضاء المعترف بصدروهما من الشخص المتوفى فأمرهما واضح ، ذلك أن الورقة العرفية التي تحمل خطاً أو إمضاء لشخص متوفي لا بد أن تكون قد صدرت قبل وفاة هذا الشخص ، فتاريخها $ 242 $ ثابت من وقت الوفاة ( ) . ويستوي أن يكون الشخص المتوفى طرفاً في الورقة أو شاهد أو كفيلا أو غير ذلك ، فالحكمة قائمة في جميع هذه الأحوال ( ) . على أن مجرد وجود خط لشخص متوفى في الورقة لا يكفي لإثبات التاريخ ، بل يجب أيضاً أن تكون الورقة قد وقعت منذ وجود هذا الخط ، إذ يحتمل أن يعهد إلى شخص في كتابة ورقة عرفية فيكتبها ، ولكنها تبقى مشروعاً دون توقيع إلى أن يتوفى الكاتب ، ثم يوقع ذوو الشأن الورقة بعد وفاته ، فلا تكون الورقة ثابتة التاريخ من يوم الوفاة . وهذا ما لم تكن الورقة تعتبر دليلا من غير توقيع ، كالتأشير على سند الوفاء . بقى الختم وبصمة الاصبع . أما أن الختم يثبت تاريخ الورقة التي تحمل بصمته ، فأمر كان مقرراً في التقنين المدني الأهلي السابق ، وتابعه في ذلك التقنين المدني الجديد . وهو محل للنظر ، إذ أن بقاء الختم بعد وفاة صاحبه واحتمال التوقيع بهذا الختم بعد الوفاة شيء يقع . وقد كان التقنين المدني المختلط لا يذكر أن ختم المتوفى يثبت تاريخ الورقة العرفية ( ) . ومهما يكن من أمر فإنه يجوز ، بالرغم من وجود بصمة الختم في الورقة ، إثبات أن التوقيع بالختم لم يتم إلا بعد الوفاة ( ) . $ 243 $ وبصمة الاصبع أدق من بصمة الختم ، فهي أقرب إلى إثبات تاريخ الورقة العرفية التي تحمل هذه البصمة لشخص متوفى . على أن احتمال توقيع الورقة العرفية ببصمة شخص متوفى بعد وفاته لا يزال قائماً وإن كان احتمالا بعيداً ، وهو أبعد على كل حال من احتمال التوقيع بالختم بعد وفاة صاحبه ( ) . ( 5 ) من يوم أن يصبح مستحيلا على أحد ممن لهم على الورقة العرفية أثر معترف به من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة اصبع أن يكتب أو يبصم لعلة في جسمه . والمثل المألوف لهذه الحالة أن تبتر يد شخص في تاريخ معروف ، فتكون الورقة العرفية التي وقعها بيده قبل أن تبتر ذات تاريخ ثابت هو تاريخ هذا البتر . وهذا صحيح بالنسبة إلى الخط والامضاء وبصمة الاصبع . أما الختم فيمكن التوقيع به بعد بتر اليد ، بل بعد بتر اليدين معاً ، إذ يجوز أن يوقع به غير صاحبه ، فلا تكسب الورقة منه تاريخاً ثابتاً في المثال المتقدم . وقد تكون العلة في الجسم التي تستحيل معها الكتابة شيئاً آخر غير البتر كالشلل . وقد عمم التقنين المدني الجديد بعد التخصيص كما قدمنا ، فذكر أن الورقة العرفية تكون ثابتة التاريخ من يوم وقوع أي حادث آخر – غير الحوادث التي تقدم ذكرها – يكون قاطعاً في أن الورقة قد صدرت قبل وقوعه . مثل ذلك الجنون العارض ، فقد يوقع شخص سليم العقل ورقة عرفية ، ثم يصاب بالجنون بعد ذلك ، فمن يوم ثبوت عزله في مستشفى أو في مكان آخر يكون تاريخ الورقة ثابتاً ، مع أن الجنون ليس علة في الجسم – وهذا ما اقتصر النص على ذكره – بل هو علة في العقل ( ) . $ 244 $ وقد كان التقنين المدني السابق يفسره الفقه والقضاء على النحو الذي قدمناه . فهو ، بالرغم من أنه لم يورد في المادة 299 / 294 إلا بعض طرق إثبات التاريخ – قيد الورقة في سجل عام واثر معترف به لشخص متوفى وتأشير على الورقة من موظف عام مختص – فإن هذه الطرق لم تحمل على إنها وردت على سبيل الحصر . ومن ثم لا يكون هناك فرق بين التقنين القديم والتقنين الجديد في طرق إثبات التاريخ ( ) . $ 245 $ أما التقنين المدني الفرنسي فقد اقتصر على طرق ثلاثة لإثبات التاريخ ، ذكرها على سبيل الحصر ، وهي : ( 1 ) تسجيل الورقة العرفية وفقاً لإجراءات معينة ( enregistrement ) ( 2 ) ذكر مضمون الورقة العرفية في ورقة رسمية ( 3 ) توقيع معترف به من شخص متوفى ، طرفاً كان أو شاهداً ( ) . ومت ثبت التاريخ على وجه من الوجوه المتقدمة الذكر في التقنين المدني المصري ، صار هذا التاريخ الثابت هو الحجة على الغير ، لا التاريخ العرفي الذي يسبقه . ولكن تصبح حجيته على الغير أقوى من حجية التاريخ العرفي على طرفي الورقة ، ذلك أن الغير لا يستطيع أن يدحض حجية التاريخ الثابت $ 246 $ إلا عن طريق الطعن بالتزوير ، أما من كان طرفاً في الورقة فيستطيع أن يدحض حجية التاريخ العرفي بإثبات أن هذا التاريخ غير صحيح دون حاجة إلى الطعن بالتزوير . وإذا قام تنازع بين ورقتين لهما تاريخ ثابت في يوم واحد ، فإن أمكن تعيين الورقة الأسبق فضل صاحبها . ويتحقق ذلك إذا كان طريق ثبوت التاريخ بالقيد في السجل ، وعينت ساعة القيد أو أعطيت الورقتان رقمين مسلسلين ، فالورقة الأسبق في الساعة أو في الرقم المسلسل هي التي يفضل صاحبها . وإذا لم يمكن تعيين الورقة الأسبق ، كما لو كانت الورقتان قد وقعهما شخص واحد توفى واتخذ تاريخ وفاته تاريخاً ثابتاً لكل من الورقتين نف صاحب الورقة المكلف بإثبات أسبقيته يتقدم عليه صاحب الورقة الأخرى لأن الأول قد عجز عن إثبات هذه الأسبقية ( ) . المطلب الثالث حجية الورقة العرفية فيما يتعلق بالصور 127 – الأصل ألا حجية لصور الأوراق العرفية : رأينا فيما تقدم أن صور الأوراق الرسمية لها قوة متفاوتة في الإثبات ، مع أن الصورة لا تحمل توقيع من صدرت منه الورقة والتوقيع هو الذي تتركز فيه قوة الإثبات . وتعليل ذلك كما رأينا يرجع إلى أن صورة الورقة الرسمية هي أيضاً ورقة رسمية يقوم بتحريرها موظف رسمي مختص ، فتضفى عليها رسميتها من الثقة ما يجعل لها قيمة في الإثبات تتفاوت قوة وضعفاً . أما صورة الورقة العرفية فليست لها في الأصل أية قيمة في الإثبات ، ولو كمبدأ ثبوت بالكتابة . فهي لا تحمل توقيع من صدرت منه الورقة . وهي في الوقت ذاته ليست ورقة رسمية حتى تضفي عليها رسميتها شيئاً من الثقة . ولا قيمة لصورة الورقة العرفية إلا بمقدار ما تهدي إلى الأصل إذا كان موجوداً ، فيرجع إليها ، وتكون الحجية للأصل لا الصورة . أما إذا كان الأصل غير $ 247 $ موجود ، فلا سبيل للاحتجاج بالصورة ، لما قدمناه من إنها لا تحمل التوقيع ومن إنها ليست ورقة رسمية ، ولجواز أن تكون الصورة محرفة أو أن يكون الأصل مزوراً فلا يتيسر الاهتداء إلى التوزير بالاقتصار على الصورة ( ) . وهذا صحيح حتى لو كانت الصورة المأخوذة من الأصل صورة فوتوغرافية ( ) . وغني عن البيان أن صور الصور للورقة العرفية ليست لها هي أيضاً ، من باب أولى ، أية قيمة في الإثبات . $ 248 $ 128 – استثناءان تكون فيهما لصورة الورقة العرفية قيمة في الإثبات : على أن هناك استثنائينمن المبدأ الذي قدمناه تكون فيهما لصورة الورقة العرفية قيمة معينة في الإثبات : ( الاستثناء الأول ) في حالة التسجيل ، فقد تكون لصورة الورقة المسجلة قيمة في الإثبات ( ) . ونميز في ذلك بين عهدين : العهد السابق على قانون التسجيل ( رقمي 18 و 19 لسنة 1923 ) وعهد قانون التسجيل ( الذي حل محله القانون رقم 114 لسنة 1946 الخاص بالشهر العقاري ) . ففي العهد الأول كان التسجيل يتم بنقل صورة حرفية من الورقة المقدمة للتسجيل في سجل عام ، ثم يختم الأصل بختم يدل على حصول التسجيل ويعاد إلى صاحبه . فإذا أعطيت صورة من الورقة المسجلة كانت هذه الصورة رسمية ، لأن موظفاً عاماً مختصاً كان هو الذي ينقل هذه الصورة ، لا عن الأصل فهو عند صاحبه كما قدمنا ، ولكن عن الصورة الرسمية لهذا الأصل العرفي وهي الصورة المدونة في السجل العام . ولما كانت صورة الصورة هذه هي صورية رسمية لصورة رسمية ، فقد كان القضاء في البداية يعتد بها ، في حالة فقد الأصل ، كدليل كامل أو على الأقل كمبدأ ثبوت بالكتابة ( ) . ثم رجع عن ذلك ، وأنكر حجية هذه الصورة الرسمية حتى كمبدأ ثبوت بالكتابة ، لما رأى ما لجأ إليه بعض الناس ، من تقديم أوراق مزورة للتسجيل وإعدام الأصل المزور ، والتقدم بعد ذلك بصورة رسمية منقولة عن الصورة المدونة في السجل العام ، فلا يظهر التزوير لا في صورة الصورة ولا في الصورة الأصلية ، إذ أن الموظف العام لم يكن من اختصاصه ولا $ 249 $ فى إمكانه التحقق من سلامة الأوراق التى تقدم للتسجيل( ) . وفى العهد الثانى ، عهد قانون التسجيل ثم الشهر العقارى وهو العهد الحالى ، اتخذ المشرع احتياطات دقيقة . وتتخلص هذه الاحتياطات فى وجوب التصديق على التوقيع قبل تسجيل المحرر ، وفى هذا ضمان كاف لعدم تزوير الأوراق ولصحة صدورها من موقيعها ، ثم فى طريقة التسجيل ذاتها فقد صار الأصل هو الذى يحفظ بمكتب الشهر ويعطى لأصحاب الشأن صور فوتوغرافية من هذا الأصل . هذه الصور الفوتوغرافية ، التى تمكن إعادة أخذها فيما بعد منقولة دائماً عن الأصل وإعطاؤها لأصحاب الشأن إذا احتاجوا إليها ، هى صور رسمية دقيقة من أصل محفوظ فى مكتب السجل العقارى ، فقيمتها فى الإثبات لا شك فيها . ذلك أنه إذا كان الأصل موجوداً وهو الغالب ، ولم ينازع الخصم فى مطابقة الصورة الفوتوغرافية للأصل ، اكتفى بالصورة دليلا كاملا فى الإثبات ( ) . فإن نازع الخصم فى المطابقة ، أمكنت مضاهاة الصورة على الأصل المحفوظ بمكتب الشهر ، وكانت الحجية للأصل لا للصورة . أما إذا فقد الأصل – وهذا نادر ولكنه يقع $ 250 $ أحياناً لقوة قاهرة كحريق أو سرقة - فإن دقة الصورة الفوتوغرافية ورجحان سلامة الأصل من التزوير بعد التصديق على التوقيع ، كل ذلك يسمح بإعطاء هذه الصورة الفوتوغرافية قوة إثبات كاملة أو فى القليل يجعلها مبدأ ثبوت بالكتابة( ) . ( الاستثناء الثانى ) فى حالة ما إذا كانت صورة الورقة العرفية مكتوبة بخط المدين ، فتكون لهذه الصورة بعض القيمة فى الإثبات . ويلاحظ أن هذه الصورة المكتوبة بخط المدين لا تحمل توقيعه ، وإلا صارت إما نسخة ثانية ، لا مجرد صورة ، فتكون لها حجية الأصل كالنسخة الأولى ، وإما سنداً مؤيداً ( Acte Recognitif ) وسيأتى بيان قيمته فى الإثبات . فالصورة التى نحن بصددها هى إذن مكتوبة بخط $ 251 $ المدين ولا تحمل توقيعه ، ويمكن فى هذه الحالة اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة لأنها صادرة من المدين ما دامت بخطة ، وتستكمل بالبينة أو القرائن( ) . على أنه ليس من الضرورى أن تكون صورة الورقة العرفية مكتوبة بخط المدين نفسه لاعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة ، بل يكفى أن تكون صادرة من نائب المدين . مثل ذلك أن يعلن محضر – وهو نائب المعلن - ورقة عرفية إلى المعلن إليه . فالصورة التى يتركها المحضر بخطه ( أو المفروض أنها بخطة لأنها صادرة منه ) تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة يتمسك به الخصم ضد المعلن ، إذ أن هذه الصورة مكتوبة بخط نائب المدين وهو المحضر ، فكأنها صادرة من المدين( ) . 129 - السند المؤيد وقيمته فى الإثبات : وبين الأصل والصورة يوجد سند ، لا هو مجرد صورة ( Copie ) لأنه يحمل توقيع المدين ، ولا هو نسخة ثانية ( Exemplaire ) من الأصل لأنه غير معاصر للأصل بل يكتب بعده . فهو إذن اضعف من الأصل ، وأقوى من الصورة . هذا هو السند المؤيد أو السند الجديد ( Acte Recognitif, Titre Nouvel ) وهو سند يتضمن إقراراً بحق سبق إثباته فى محرر يسمى بالسند الأصلى ( Acte Primordial ) . ويتميز السند المؤيد عن مطلق الإقرار بالحق بأنه لا يتضمن إقراراً على إطلاقه ، بل يشير إلى أن الحق المقر به قد سبق إثباته فى سند أصلى . ومن ثم إذا تعارض السند المؤيد مع السند الأصلى ، كان السند الأصلى هو المعتبر . ولو كان السند المؤيد إقراراً محضاً لأخذ به دون السند الأصلى( ) . والسند المؤيد ، على هذا النحو ، يصلح من الناحية القانونية لقطع التقادم ، ومن الناحية العملية لتوفير دليل الإثبات عند فقد السند الأصلى إذا كان هذا $ 252 $ معرضاً للفقد . ويغلب أن يكون ذلك فى الديون الطويلة الآجال وفى الإيرادات المؤيدة ، حيث يحتاج الدائن من وقت إلى آخر أن يحصل على سند مؤيد لسنده الأصلى لقدم العهد بالسند الأصلى ، فيقطع التقادم ويجدد الدليل( ) . وقد تضمن التقنين المدنى الفرنسى نصاً يقرر قيمة السند المؤيد فى الإثبات . فنصت المادة 1337 من هذا التقنين على ما يأتى : \" السندات المؤيدة لا تعفى من تقديم السند الأصلى ، إلا إذا كان نص السند الأصلى قد دون خصيصاً فى السند المؤيد . وما اشتمل عليه السند المؤيد زائداً على السند الأصلى إذا وجدت جملة من السندات المؤيدة المتطابقة ، تدعمها الحيازة ، ويكون تاريخ أحد هذه السندات يرجع إلى ثلاثين سنة \" ( ) . ويتبين من هذا النص أن السند المؤيد ، فى التقنين الفرنسى ، لا يصلح فى ذاته دليلا كاملا . وهناك فرضان : ( الفرض الأول ) أن السند الأصلى موجود . وفى هذه الحالة لا يكون السند المؤيد دليلا أصلا ، بل يجب على الدائن إبراز السند الأصلى . فإذ كان هناك خلاف بينه وبين السند المؤيد فالعبرة بالسند الأصلى ، إلا إذا تبين من الظروف أن السند المؤيد ليس فى حقيقته إلا تجديداً للدين فتكون العبرة بالدين الجديد . ( الفرض الثانى ) أن السند الأصلى غير موجود . وفى هذه الحالة لا يكون للسند المؤيد قوة فى الإثبات كدليل كامل( ) ، ولكنه يكون مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة $ 253 $ وبالقرائن . ومع ذلك قد لا يكون دليلا كاملا فى حالتين : ( 1 ) إذا كان نص السند الأصلى مدوناً بأكمله فى السند المؤيد . ( 2 ) إذا تعددت السندات المؤيدة ، وكانت متطابقة ، ودعمتها الحيازة ، وكان أحدها يرجع تاريخه إلى ثلاثين سنة على الأقل . فيجوز للقاضى فى هذه الحالة ، إذا كان السند الأصلى قد قد ، أن يعد السندات المؤيدة دليلا كاملا ، ويترك ذلك إلى تقديره . وهذه الأحكام ينتقدها الفقه فى فرنسا ( ) ، لأنها لا تتفق مع القواعد العامة . فإن هذه تقضى –وهذا ما يجب إتباعه فى مصر ما دام لا يوجد نص فى هذه المسألة - بأنه إذا وجد سند مؤيد لسند سابق ، اعتد بالسند المؤيد كدليل إثبات كامل ، إذ هو موقع من المدين وليس مجرد صورة لورقة عرفية ، سواء فى ذلك أشتمل على نص السند الأصلى أو لم يشتمل ، وتعددت السندات المؤيدة أيا كان تاريخها أو لم تتعدد . ولكن لما كان السند المؤيد يشير إلى سند أصلى ، فالمفروض أن السند المؤيد مطابق للسند الأصلى ، إلى أن يثبت المدين العكس بإبرازه السند الأصلى . وبهذا تقضى المادة 292 من المشروع الفرنسى الإيطالى . وقد كان المشروع التمهيدى للتقنين الجديد يحتوى على نص مماثل ، إذ كانت المادة 537 من هذا المشروع تنص على ما يأتى : \" السند المؤيد لسند سابق يكون حجة على المدين . على أنه يجوز للمدين أن يثبت عدم صحة هذا السند بتقديم السند الأصلى \" . ولكن لجنة المراجعة حذفت هذا النص ، ويغلب أن يكون ذلك اكتفاء بالقواعد العامة( ) . $ 254 $ الفرع الثانى الأوراق العرفية غير المعدة للإثبات 130 - بيان هذه الأوراق : رأينا فيما تقدم أن الورقة العرفية التى تعد للإثبات لا تكون دليل إثبات كامل إلا إذا كان موقعاً عليها ، وأن التوقيع هو الذى يضفى على الورقة حجيتها . على أنه توجد بعض أوراق عرفية لم تعد مقدماً للإثبات ، ومع ذلك يجعل لها القانون بنص خاص حجية معينة ، ولا يشترط فيها أن يكون موقعاً عليها . وقد نص التقنين المدنى الجديد على أربعة أنواع هذه الأوراق العرفية غير المعدة للإثبات معينة ، وهى : ( 1 ) الرسائل والبرقيات . ( 2 ) دفاتر التجار . ( 3 ) الدفاتر والأوراق المنزلية . ( 4 ) التأشير ببراءة ذمة المدين( ) . $ 255 $ المبحث الأول الرسائل والبرقيات 131 - النصوص القانونية : تنص المادة 396 من التقنين المدنى على ما يأتى : \" 1 - تكون للرسائل الموقع عليها قيمة الورقة العرفية من حيث الإثبات \" . \" 2 - وتكون للبرقيات هذه القيمة أيضاً إذا كان أصلها المودع فى مكتب التصدير موقعاً عليها من مرسلها ، وتعتبر البرقية مطابقة لأصلها حتى يقوم الدليل على عكس ذلك \" . \" 3 - وإذا أعدم أصل البرقية ، فلا يعتد بالبرقية إلا لمجرد الاستئناس \" ( ) . ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق . ويقابل هذا النص فى التقنين المدنية العربية الأخرى : فى قانون البيانات السورى المادة 12 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 457 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المواد 162 - 166 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 383( ) – ولا يوجد فى التقنين المدنى الفرنسى نص مقابل . $ 256 $ ونتكلم فى قيمة الرسالة ( Lettre Missive ) فى الإثبات ، ومتى يحتج بها المرسل إليه ، ومتى يحتج بها الغير ، ثم فى قوة البرقية فى الإثبات . 132 - قيمة الرسالة فى الإثبات : تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى فى هذا الصدد ما يأتى : \" لم يعرض تقنين من التقنينات () للرسائل بوصفها ضرباً من ضروب الأدلة الكتابية ، وقد يلتمس للتقنين $ 257 $ الفرنسى بعض العذر فى إغفالها إذا روعى أن التعامل بالرسائل كان فى سنة 1804 بالغ الندورة . . . بيد أنه من المسلم أن التعامل بالرسائل أخذ يتزايد نصيبه من الأهمية ، تحى أصاب من سعة النطاق بسطة جديرة بالاعتبار . وليس شك فى أن هذا الضرب من التعامل قد اضطرد بوجه خاص فى المسائل التجارية ، لكن المتعاملين من التجار لم يستشعروا ضرورة لحكم تشريعى جديد نظراً لانتفاء قيود الإثبات فى هذه المسائل . على أن التعامل بالرسائل شمل الروابط المدنية أيضاً ، ومن عجب أن يستشعر واضعو المشروع الفرنسى الإيطالى ضرورة تشبيه البرقية بالورقة العرفية المادة 484 دون أن يشيروا إلى الرسائل \" ( ) . وقد كان الفقه والقضاء فى مصر ( ) ، فى ظل التقنين السابق وبالرغم من انعدام النص ، يذهبان إلى أن الرسالة متى وصلت إلى المرسل إليه صارت ملكه ، وله أن يستخدمها كدليل إثبات على حق يدعيه عند المرسل ، حتى لو تضمنت سراً فيخير المرسل بين أن يقدم الرسالة إلى القضاء بالرغم من احتوائها لهذا السر أو أن ييسر له المرسل الإثبات من طريق آخر غير الرسالة . وقد ترتفع السرية عن الرسالة بعد وجودها إذا نشرت وعرفها الجمهور ولو عن طريق دعوى جنائية انتهت بحكم بالبراءة( ) . ثم إن ما ورد فى الرسالة إذا كان بخط المدين أو كان موقعاً عليه منه يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة أو دليلا كاملا ، على أن يترك ذلك إلى تقدير القاضى ، فإن الرسالة ليست فى الأصل معدة للإثبات ، وما يدونه المرسل بها لا يلتزم فيه من الاحتياط ما يلتزمه فى الورقة العرفية التى تعد مقدماً للإثبات ، فيجب أن يكون هذا محلا للاعتبار( ) . $ 258 $ أما التقنين الجديد فلم يترك الأمر إلى تقدير القاضى ، بل نص صراحة على أن \" تكون للرسائل الموقع عليها قيمة الورقة العرفية من حيث الإثبات \" ( ) . وكان التقنين الجديد جريئاً فى إيراده لهذا النص ، فلم يسبقه إليه تقنين آخر كما تقول المذكرة الإيضاحية . وقد سلب القاضى حريته فى التقدير ، فلم يعد هذا يستطيع ، إذا رأى أن المرسل لم يحتط فى رسالته ولم يقصد إلى أن ينتج جميع الآثار القانونية التى تترتب على ما كتبه فى هذه الرسالة ، أن يرفع عن الرسالة حجيتها أو أن ينتقض من هذه الحجية كما كان يستطيع فى ظل التقنين السابق . فمتى كانت الرسالة موقعة من المرسل ، استوفت شرائط الورقة العرفية ، وصار $ 259 $ بها حجيتها ، حتى لو كانت لم تستوف شرطاً جوهرياً هو أن تكون قد أعدت مقدماً للإثبات فإن هذا الإعداد السابق من شأنه أن يفرض على المرسل الاحتياط والتمعن . بالرغم من ذلك أصبحت الرسالة الموقعة فى التقنين الجديد ، كما قدمنا ، بمنزلة الورقة العرفية المعدة للإثبات ، ولها قيمة الدليل الكامل . فهى حجة على المرسل من حيث صدورها منه ، إلا أن ينكر توقيعه أو خطه على النحو الذى قدمناه فى الأوراق العرفية المعدة للإثبات . وهى أيضاً حجة على المرسل بصحة المدون فيها ، إلا أن يثبت العكس بالطرق المقررة ، وهو لا يستطيع أن يثبت ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها إلا بالكتابة . وهى أخيراً حجة على المرسل من حيث قيام التصرف القانونى الذى تشهد به الرسالة ، على أن له أن يدفع هذا التصرف بجميع الدفوع الموضوعية والشكلية التى يسمح بها القانون( ) . $ 260 $ والذى لا يزال يفرق فى نظرنا بين الرسالة الموقعة والورقة العرفية المعدة للإثبات ، حتى فى ظل التقنين الجديد ، هو أن القاضى عند تفسيره للعبارات الواردة فى الرسالة الموقعة –إذا كانت هذه الرسالة لم تعد مقدماً للإثبات ويندر أن تعد لهذا الغرض فى غير المسائل التجارية - لابد أنه ملق بالا إلى أن كاتب هذه العبارات لم يصطنع الحيطة المألوفة عند من يقصد أن يرتبط بعباراته ارتباطاً قانونياً ، فيفسر الرسالة بما يتلاءم مع الجو الذى كتبت فيه . أما إذا كانت الرسالة غير موقعة ولكنها مكتوبة بخط المرسل ، فهى تصلح مبدأ ثبوت بالكتابة كما كان الأمر فى التقنين السابق . وصورة الرسالة لا حجية لها كصورة أية ورقة عرفية( ) . 133 - متى يجوز للمرسل إليه أن يحتج بالرسالة : من حق المرسل إليه أن يقدم الرسالة إلى القضاء ليستخلص منها دليلا لصالحه ضد المرسل متى كانت له مصلحة مشروعة فى ذلك ( ) . فإذا تضمنت الرسالة اتفاقاً تم بينه وبين $ 261 $ المرسل ، أو التزاماً تعهد به المرسل ، أو مخالصة ، أو إبراء ، أو إقراراً ، أو نحو ذلك ، كان للمرسل إليه مصلحة مشروعة فى أن يقدم الرسالة دليلا على ما تقدم . وكذلك إذا تضمنت الرسالة جريمة فى حق المرسل غليه كتهديد أو احتيال أو قذف أو سب ، أو كانت دليلا على جريمة هو مجنى عليه فيها كجريمة الزنا ( ) ، كان له أن يقدمها إلى القضاء دليلا للإثبات . على ألا يكون فى كل هذا انتهاك لحرمة السرية . فإذا كانت هناك سرية تنتهك ، ولم ينبه المرسل غليه المرسل حتى ييسر له الإثبات من طريق آخر على النحو الذى سبق أن بيناه ، فلا يجوز للمرسل إليه أن يقدم الرسالة إلى القضاء ، وإن فعل جاز للمرسل أن يطلب استبعادها ، وله الرجوع على المرسل غليه بالتعويض ( ) . $ 262 $ وينتقل حق المرسل إليه فى الرسالة كدليل إثبات إلى ورثته من بعده . فلهم استعمالها كخلف له فى نفس الحدود التى يجوز فيها ذلك للمرسل إليه : لمصلحة مشروعة وبشرط عدم انتهاك حرمة السرية . وهذه الأحكام إنما هى تطبيق للقواعد العامة ، وكان معمولا بها فى ظل التقنين السابق . 134 - متى يجوز للغير أن يحتج بالرسالة : ولا يقتصر حق الاحتجاج بالرسالة على المرسل إليه وورثته ، بل يمتد هذا الحق إلى الغير ، وهو كل شخص غير المرسل إليه وورثته تكون له مصلحة مشروعة فى الاحتجاج بها . مثل ذلك أن تتضمن الرسالة إقراراً من المرسل يفيد الغير ، أو تتضمن اشتراطا لمصلحة هذا الغير . ذلك أن حق الاحتجاج بالرسالة ليس مستمداً من أنها ملك للمرسل إليه ومن أنه فى الاحتجاج بها إنما يستعمل ملكه ، ولكنه مستمد من أن الرسالة تنطوى على دليل إثبات ، فمن كان فى حاجة إلى هذا الدليل لإثبات دعواه أمام القضاء جاز له أن يطلب تقديم الرسالة . ويتبين من ذلك أن حق الاحتجاج بالرسالة مستمد ، لا من حق الملك ، بل من الحق فى الإثبات وهو الحق الذى رسمنا مداه فيما تقدم( ) . وهو حق ضيق فى التشريع المصرى . فقد رأينا أن تقنين المرافعات الجديد ( م 253 ) يجيز للخصم – وهو هنا الغير – أن يطلب إلزام خصمه – وهو هنا المرسل إليه إذا كانت الدعوى قائمة بينه وبين الغير – بتقديم أية ورقة منتجة فى الدعوى ، ومن ذلك الرسالة التى تتضمن دليلا لمصلحة الغير ، إذا كانت الرسالة محررة لمصلحة الخصمين أو كانت مثبتة لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة أو استند إليها خصمه فى أية مرحلة من مراحل الدعوى . ويجب فوق ذلك ألا يكون فى $ 263 $ تقديم الرسالة انتهاك لحرمة السرية ، وإلا وجب أيضاً استئذان المرسل قبل تقديمها ، هذا ما لم يكن المرسل نفسه هو الخصم الذى طلب تقديم الرسالة . وهذا كله ول كانت الرسالة فى يد المرسل إليه كما هو الغالب . ولكنها قد تقع فى يد الغير الذى له مصلحة مشروعة فى الاحتجاج بها . فإن وقعت فى يده بطريقة غير مشروعة ، كأن كان قد أخذها خلسة أو احتيالا ( ) ، فلا يجوز له تقديمها بتاتاً ، وإذا قدمها وجب استبعادها . أما إذا وقعت فى يده بطريقة مشروعة ( ) ، فلا يجوز له كذلك تقديمها إلا بإذن المرسل إليه مالك الرسالة ، ما لم يكن له فيها حق الإثبات فى الأحوال التى قدمناها فيجوز له تقديمها بغير إذن المرسل إليه ( ) . وفى جميع الأحوال لا يجوز تقديم الرسالة إذا كان فى تقديمها انتهاك لحرمة السرية إلا بعد استئذان المرسل ( ) ، . ولا تعتبر الرسالة سرية لمجرد أنها موجهة لشخص غير الذى يحتج بها ( ) ، بل السرية ترجع إلى موضوع الرسالة نفسه ، وقاضى الموضوع هو الذى يقدر ذلك ( ) . 135 - قوة البرقية فى الإثبات : والبرقية قوتها فى الإثبات كقوة الرسالة الموقعة ، بشرط أن يكون أصل البرقية المودع فى مكتب التصدير موقعاً عليه $ 264 $ من المرسل . ذلك أن البرقية هى أصل وصورة . فالأصل يكتبه المرسل عادة بخطه ويوقعه ، وهو يحفظ فى مكتب التصدير لمدة معينة هى ثلاثة أشهر من تاريخ صدور البرقيات الداخلية وعشرة شهور من الشهر التالى لصدور البرقيات الخارجية وخمسة عشر شهراً من الشهر التالى لصدور البرقيات اللاسلكية ( ) . والصورة يكتبها عامل البرق الذى يتلقى البرقية فى مكان وصولها ، ويرسل بها إلى المرسل إليه . فلا يكون إذن فى حيازة المرسل إليه كدليل للإثبات إلا هذه الصورة . وهى فى ذاتها ، كصورة لورقة عرفية ، ليست لها قيمة فى الإثبات . وإنما تفترض مطابقتها للأصل ما دام الأصل لا يزال موجوداً بمكتب التصدير . فإذا ادعى المرسل أن هذه المطابقة غير متوافرة ، فعليه أن يطلب من \" مصلحة التلغرافات \" تقديم الأصل ، وتضاهى عليه الصورة . فإن تحقق التطابق ، أن للبرقية حجية الورقة العرفية : من حيث صحة صدورها من مرسلها إلى حد الإنكار ، ومن حيث صحة الوقائع الواردة بها إلى حد إثبات العكس ، ومن حيث قيام التصرف القانونى الذى تشهد به مع جواز دفعه بجميع الدفوع الموضوعية والشكلية ، وكذلك من حيث جواز تمسك المرسل إليه وتمسك لغير بالبرقية على النحو الذى بسطناه فى الرسالة . ولكن هذه الحجية مستمدة ، لا من الصورة ، بل من الأصل الذى وجدت الصورة مطابقة له . ويعتبر تاريخ البرقية تاريخاً ثابتاً ، لأن خاتم المكتب الذى يختم به الأصل يحمل تاريخ الإرسال ويمكن التأكد من صحة التاريخ بالرجوع إلى دفتر معد لذلك ( ) . فإذا لم تكن الصورة مطابقة للأصل ، فالعبرة بالأصل الموقع من المرسل لا بالصورة التى يكون التحريف قد تسرب إليها من عامل البرق . أما إذا كان الأصل الموقع عليه قد أعدم بعد انقضاء المدة المعينة( ) ، $ 265 $ أو كان غير موجود بأن سرق أو احترق أو ضاع أو فقد لأى سبب آخر ، فلا عبرة بالصورة ، لأن الحجية إنما هى كما قدمنا مستمدة من الأصل . ولا تصلح الصورة فى هذه الحالة إلا لمجرد الاستئناس ، وهذا ما تنص عليه صراحة الفقرة الثالثة من المادة 396 وقد تقدم ذكرها . ولا تعتبر الصورة مبدأ ثبوت بالكتابة لأنها ليست بخط المرسل ، ولا يعتد بأنها صدرت من موظف عام لأنه ليس من شأنه أن يتحقق من شخصية مرسل البرقية ، ويقع كثيراً أن يكتب البرقية ويتولى إرسالها شخص غير صاحبها( ) . بقيت حالة ما إذا كان الأصل غير موقع عليه من المرسل . وهذه تخضع للقواعد العامة ، إذ لم يرد نص خاص فى شأنها . وتقضى القواعد العامة فى هذه الحالة أن تكون العبرة بالأصل لا بالصورة كما قدمنا . فإذا لم يوجد الأصل عبر الموقع ، فالصورة لا تصلح إلا لمجرد الاستئناس وفى كثير من الحذر لأن الأصل لم يوقع عليه . وإذا وجد الأصل غير الموقع ، فهو أيضاً لا يكون دليلا كاملا لانعدام التوقيع ، ولكنه قد يكون مبدأ ثبوت بالكتابة إذا كان مكتوباً بخط المرسل( ) . $ 266 $ على أن الأحكام نفسها التى أوردها التقنين الجديد فى شأن البرقيات ليست إلا تطبيقاً للقواعد العامة ، وقد كان معمولا بها فى ظل التقنين السابق دون نص( ) . المبحث الثانى دفاتر التجار 136 - النصوص القانونية : تنص المادة 397 من التقنين على ما يأتى : \" 1 - دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار ، غير أن البيانات المثبتة فيها عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضى أن يوجه اليمين المتممة إلى أى من الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة \" . \" 2 - وتكون دفاتر التجار حجة على هؤلاء التجار ، ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه \" ( ) . $ 267 $ ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق . ولكن التقنين التجارى أشتمل على نصوص طبقها القضاء واستخلص منها الأحكام التى تضمنتها المادة 397 من التقنين المدنى الجديد ، فيما عدا حكماً واحداً استحدثته هذه المادة وهو الحكم الخاص بالبيانات الواردة فى دفاتر التاجر متعلقة بما ورده لغير التاجر ، وقد نقل هذا الحكم عن المادة 1329 من التقنين المدنى الفرنسى . ويقابل هذا النص فى التقنينات العربية : فى قانون البينات السورى المواد 14 و 17 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 458 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المواد 170 – 172 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة 384 ( ) ، $ 268 $ ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادتين 1329 و 1330( ) . المطلب الأول الدفاتر التجارية 137 - مسألتان : نبحث هنا : ( أولا ) ما هى الدفاتر التجارية وكيف تنظم ( ثانياً ) متى يجوز للقاضى الأمر بتقديمها ومتى يجوز له الأمر بالإطلاع عليها . $ 269 $ 138 - ما هى الدفاتر التجارية وكيف تنظم : لا نطيل فى بحث هذه المسألة فهى من مسائل القانون التجارى . وبحسبنا هنا أن نذكر أن التقنين التجارى أوجب على التجار ، تنظيما لحساباتهم وتيسيراً عليهم فى الإثبات ، أن يمسكوا دفاتر معينة كانت ، بحسب المواد 11 - 13 من التقنين التجارى التى ألغاها القانون رقم 388 لسنة 1953 ، ما يأتى ( ) : ( 1 ) دفتر اليومية : ( Livre - Journal ) : كانت المادة 11 من التقنين التجارى تنص على أنه \" يجب على كل تاجر أن يكون له دفتر يومية يشتمل على بيان ما له وما عليه من الديون يوماً فيوماً ، وعلى بيان أعمال تجارته ، وبيان ما اشتراه أو باعه أو قبله أو أحاله من الأوراق التجارية ، وعلى بيان جميع ما قبضه وما دفعه . ويكون مشتملا أيضاً على المبالغ المنصرفة على منزله شهراً فشهراً إجمالا بغير بيان لمفرداتها \" . ونرى من ذلك أن دفتر اليومية هذا يدون فيه التاجر كل العمليات التى يجريها فى يومه ، دون تمييز بين ما هو متعلق بتجارته وما هو غير متعلق بها ، حتى الهبات والصدقات والتبرعات ، وحق المبالغ المنصرفة على منزلة وإن كان يذكرها إجمالا شهراً فشهراً . ولكن أهم ما يدون فى دفتر اليومية هو ما يتعلق $ 270 $ بأعمال التجارة ، فيدون التاجر ، يوماً فيوماً ، ما اشتراه أو باعه ، وما قبضه أو دفعه ، وما استجده من حقوق أو استحدثه من ديون ، وما قبله من الأوراق التجارية أو أحاله منها ، وكل بيان بأى عمل تجارى آخر أجراه . ( 2 ) دفتر المراسلات ( Livre - copie des lettres ) : وكانت المادة 12 من التقنين التجارى تنص على أنه \" يجب على التاجر أن يقيد فى دفتر مخصوص صور ما يرسله من الخطابات المتعلقة بالأشغال ، وأن يجمع ما يرد إليه منها فى كل شهر ويضعه فى ملف على حدته \" . والأمر هنا مقصور على المراسلات المتعلقة بأعمال التجارة؛ دون المراسلات المتعلقة بالشؤون الخاصة . فيقيد التاجر فى دفتر المراسلات صور جميع المراسلات التى أصدرها متعلقة بعمله التجارى ، سواء كانت خطابات أو برقيات أو قوائم ( Factures ) أو تذاكر نقل ( lettres de voiture ) أو تذاكر شحن ( Connais – sements ) أو غير ذلك . ويحتفظ بما يتلقاه من مراسلات ، أى بالأصول ذاتها ، جامعاً ما يرد إليه منها كل شهر فى ملف على حدة ( en liasse ) . وهذه المراسلات –ما أصدره وما تلقاه - قد تكون مصدراً لإثبات كثير من العقود والأعمال التجارية . ( 3 ) دفتر الجرد ( livre des inventaires ) : وكانت المادة 13 من التقنين التجارى تنص على أنه \" يجب على كل تاجر أن يجرد كل سنة أمواله المنقولة والثابتة ، ويحصر ما له وما عليه من الديون ، ويقيد صورة قائمة الجرد المذكور فى دفتر بعد ذلك زيادة على الدفترين المذكورين فى المادتين السابقتين \" . فالجرد إذن هو حصر سنوى لأموال التاجر المنقولة والثابتة ، وكذلك حصر سنوى لما للتاجر وما عليه من الديون . وتقيد صورة من قائمة هذا الجدر فى دفتر الجرد( ) . $ 271 $ وكانت المادة 14 من التقنين التجارى تنص على أنه \" يجب أن تكون هذه الدفاتر خالية م كل فراغ أو بياض أو كتابة فى الحواشى ، عدا ما يترك من البياض فى الدفتر الذى تقيد فيه صور الخطابات بطريق الطبع . ويلزم قبل بدء الكتابة فى اليومية ودفتر الجرد أن تنمر كل صحيفة منهما ، وتوضع على كل ورقة بدون مصاريف علامة المأمور الذى تعينه المحكمة الابتدائية لذلك ، وفى آخر كل سنة يضع هذه المأمور أيضاً فى الدفترين المذكورين وفى دفتر صور الخطابات التأشير اللازم بحضور التاجر الذى يقدمها ، بدون أن يجوز للمأمور المذكور بأى وسيلة كانت الإطلاع على مضمون الدفاتر المقدمة له ولا حجزها عنده \" . وقد قصد بتنمير الصفحات منع التاجر من إعدام بعض هذه الصفحات ، ومن وضع علامة ( Paraphe ) المأمور –ويكون غالباً رئيس قلم الكتاب بالمحكمة - عليها منع التاجر من تحشير صفحات جدد إلا إذا زور علامة المأمور فيعاقب على جريمة التزوير ، ومن وضع التأشير فى نهاية الدفتر منع التاجر من إضافة صفحات جديدة إلا إذا عرض نفسه هنا أيضاً لعقوبة التزوير . وتنص المادة 15 من التقنين التجارى على أن \" الدفاتر التى يجب على من يشغل بالتجارة اتخاذها لا تكون حجة أمام المحاكم ما لم تكن مستوفية للإجراءات السالف ذكرها \" . فإذا استوفت الدفاتر التجارية هذه الإجراءات ، كانت منتظمة ، وكان لها من الحجية ما سنذكره فيما يلى . على أن الدفاتر غير المنتظمة ، وهى التى لم تستوف هذه الإجراءات كلها أو بعضها ، لا يزال لها بعض الحجية كما سنرى . هذا وقد ألغى المشرع المصرى ، بمقتضى القانون رقم 388 لسنة 1953 المنشور فى الوقائع المصرية ( العدد 64 مكرر الصادر فى 6 أغسطس سنة 1953 ) ، المواد 11 - 14 من التقنين التجارى وهى المواد التى تقدم ذكرها ، واستبدال بها نصوصاً جديدة تنظم دفاتر التجار تنظيما أدق وأكثر مسايرة للنظم الحديثة فى إدارة الأعمال . وقد أصبح بموجب هذا القانون الجديد واجباً على التاجر أن يمسك من الدفاتر التجارية العدد الذى تستلزمه طبيعة تجارته وأهميتها ، بحيث $ 272 $ لا يقل عدد هذه الدفاتر عن اثنين : ( 1 ) دفتر اليومية الأصلى وتقيد فيه جميع العمليات المالية التى يقوم بها التاجر وكذلك مسحوباته الشخصية . ويتم هذا القيد يوماً فيوماً . ويجوز استعمال دفاتر يومية مساعدة ، ويكتفى فى هذه الحالة بتقييد إجمالى للعمليات فى دفتر اليومية الأصلى فى فترات منتظمة من واقع هذه الدفاتر . ( 2 ) دفتر الجرد : وتقيد فيه تفاصيل البضاعة الموجودة فى آخر السنة المالية ، أو بيان إجمالى عنها إذا كانت التفاصيل واردة بدفاتر وقوائم مستقلة . وعند ذلك تعتبر هذه الدفاتر والقوائم جزءاً متمما للدفتر المذكور . ويحتفظ التاجر بصور من المراسلات والبرقيات التى يصدرها وبأصول ما يرد إليه منها ، ويقوم هذا مقام دفتر المراسلات . وقد استبقى قانون سنة 1953 تنمير الصفحات وتوقيع الموثق الواقع فى دائرة اختصاصه المحل التجارى ( بدلا من رئيس قلم كتاب المحكمة ) على كل ورقة( ) . $ 273 $ فالقانون التجارى إذن ألزم التجار اتخاذ دفاتر منتظمة يسجلون فيها ما لهم من الحقوق وما عليهم من الديون ، ويقيدون جميع ما يرتبط بأعمالهم التجارية . وقد جعل لعدم انتظام هذه الدفاتر جزائين : جزاء مدنياً هو سلب هذه الدفاتر من كثير من قوتها فى الإثبات ، وجزاء جنائياً إذا أفلس التاجر ودفاتره غير منتظمة( ) . 139 - تقديم دفاتر التجار والإطلاع عليها : ولما كان من أهم أغراض دفاتر التجار هو أن تكون أدلة للإثبات ، فقد نص التقنين التجارى على وسيلتين لتحقيق هذا الغرض : أولاهما تقديم هذه الدفاتر ( Representation ) والأخرى الإطلاع عليها ( Communication )( ) . أما التقديم ، فقد نصت عليه المادة 18 من التقنين التجارى على الوجه الآتى : \" يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها فى أثناء الخصومة بتقديم الدفاتر لتستخرج منها ما يتعلق بهذه الخصومة \" . وهذه الوسيلة جائزة فى جميع المنازعات التجارية والمدنية ، سواء كان الخصم الآخر تاجراً أو غير تاجر ، لإطلاق النص . $ 274 $ وللمحكمة أن تلجأ إليها من تلقاء نفسها دون طلب من الخصوم . والغرض منها محدود : هو أن تطلع المحكمة –دون الخصوم - على دفاتر التاجر ، لا فى جميع أجزائها ، بل فى الجزء الذى وردت فيه البيانات المتعلقة بالخصومة . وقد تطلع المحكمة على هذا الجزء بنفسها ، أو بواسطة خبير تندبه لذلك وهو الغالب . ويقع إطلاع المحكمة أو الخبير على الدفتر بحضور التاجر صاحبه وتحت رقابته . ويجوز للمحكمة ، إذا كانت الدفاتر التى أمرت بتقديمها فى مكان بعيد ، أن تطلب من أقرب محكمة القيام بهذه المهمة ( Commission Rogatoire ) فتقوم بها وتحرر تقريراً بذلك ترسله إلى المحكمة الأولى ( ) . وأما الإطلاع ، فقد نصت عليه المادة 16 من التقنين التجارى على الوجه الآتى : \" لا يجوز للمحكمة ، فى غير المنازعات التجارية ، أن تأمر بالإطلاع على الدفترين المتقدم ذكرهما (اليومية والمراسلات) ولا على دفتر الجرد إلا فى مواد الأموال المشاعة أو مواد التركات وقسمة الشركات وفى حالة الإفلاس . وفى هذه الأحوال يجوز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها بالإطلاع على تلك الدفاتر \" . والإطلاع أوسع مدى من التقديم ، وأشد خطراً . فيستطيع هذا أن يطلع على جميع محتوياتها بما قد تشتمل عليه من أسرار . ولكنه أضيق نطاقاً : فإنه إذا جاز للمحكمة أن تأمر بالإطلاع من تلقاء نفسها دون طلب من الخصم وهذه هى الحال فى التقديم ، فإنها لا تأمر بذلك إلا فى المنازعات التجارية وفى بعض المنازعات المدنية . وينتقد فقهاء القانون التجارى إطلاق حرية المحكمة فى الأمر بالإطلاع فى جميع المنازعات التجارية ، لأن فى الإطلاع إفشاء لسر التاجر ، وكان الواجب فى نظرهم أن يلتزم المشرع المصرى نص المادة 14 من التقنين المدنى الفرنسى وهى لا تجيز الإطلاع إلا فى مواد التركات والذمم المشتركة الناشئة عن الزواج بمقتضى نظام اختلاط الأموال وقسمة الشركات والإفلاس( ) . ولكن لا مناص من احترام النص الصريح ، وأجازه الأمر بالإطلاع : ( أولا ) فى جميع المنازعات التجارية . ( ثانياً ) فى بعض المنازعات $ 275 $ المدنية ، وهذه هى : ( 1 ) مواد الأموال المشاعة : والنص الفرنسى لهذه العبارة هو : Communaute أى نظام اختلاط الأموال ، وليس الشيوع ( indivision ) . فإذا نزوج . فإذا نزوج التاجر على مقتضى نظام اختلاط الأموال ( regime de communaute ) ، ودخل متجره فى الذمة المشتركة ، ثم انحلت رابطة الزوجية ووجبت تصفية هذه الذمة ، جاز للمحكمة أن تأمر بإطلاع الخصم –الزوجة أو ورثتها أو الزوج أو ورثته - على الدفاتر التجارية ليقرر نصيبه من الذمة المشتركة( ) . ( 2 ) مواد التركات : فإذا توفى التاجر وقام نزاع بين ورثته – على تقسيم التركة ، جاز للمحكمة إلزام الورثة الذين يحوزون دفاتر مورثهم التجارية بإطلاع بقية الورثة عليها ، حتى يستطيع كل منهم أن يقدر نصيبه من التركة . وهذا الحق مقصور على الورثة والموصى لهم بحصة من التركة ، دون الموصى له بعين معينة أو الأجنبى . ( 3 ) قسمة الشركات : فإذا انحلت الشركة ، جاز للمحكمة أن تأمر بإطلاع كل شريك على الدفاتر التجارية للشركة ليتبين مقدار نصيبه . وهذا الحق مقصور على الشركاء ، فلا يشمل دائنى الشركة . وقد نصت المادة 519 من التقنين المدنى الجديد ، بالنسبة إلى الشركاء المدنية ، على أن \" الشركاء غير المديرين ممنوعون من الإدارة ، ولكن يجوز لهم أن يطلعوا بأنفسهم على دفاتر الشركة ومستنداتها ، وكل اتفاق على غير ذلك باطل \" . ويسرى هذا النص على الشركاء المتضامنين والشركاء موصين فى شركات التوصية البسيطة والشركات عموماً فى شركات المحاصة ، أما الشركاء المساهمون سواء فى شركات المساهمة أو شركات التوصية بالأسهم فلا يجوز لهم طلب الإطلاع على دفاتر الشركة لكثرة عددهم ولتفادى تعطيل أعمال الشركة أو ذيوع أسرارها ، ومع ذلك يجوز للمحكمة استثناء أن تأمر بإطلاع الشريك المساهم على دفاتر الشركة متى كانت له مصلحة جدية فى هذا الإطلاع ( ) . ونصت المادة 691 من التقنين المدنى الجديد على أنه \" 1 . إذا نص العقد على أن يكون للعامل فوق الأجر المتفق عليه أو بدلا منه حق فى جزء من أرباح رب العمل ، أو فى نسبة مئوية من جملة الإيراد أو من مقدار الإنتاج أو من قيمة ما يتحقق من وفر أو ما شاكل ذلك ، وجب على رب العمل أن يقدم إلى العامل بعد كل $ 276 $ جرد بياناً بما يستحقه من ذلك . 2 - ويجب على رب العمل فوق هذا أن يقدم إلى العامل ، أو إلى شخص موثوق به يعينه ذوو الشأن أو يعينه القاضى ، المعلومات الضرورية للتحقق من صحة هذا البيان ، وأن يأذن له فى ذلك بالإطلاع على دفاترة \" . ومن ذلك نرى أن حق إطلاع الشركاء على دفاتر الشركة ثابت لهم فى أحوال ثلاثة : إذا انحلت الشركة ، أو وهى قائمة للشركاء غير المديرين ، أو عند اشتراط أن يكون للعامل جزء من الأرباح أو الإيراد أو مقدار الإنتاج أو نحو ذلك . 4 - حالة الإفلاس . فللسنديك الحق فى الإطلاع على دفاتر المفلس حتى يتمكن من تأدية مهمته . ولا يجوز للدائن ، بصفته الفردية ، أن يطلب هذا الإطلاع ، إلا إذا عين مراقباً – هذا ويمكن الآن إضافة حالة خامسة ، إذ يجوز لمصلحة الضرائب الإطلاع على دفاتر الممولين لتقدير الضريبة على الأرباح التجارية والصناعية ( قانون رقم 14 لسنة 1939 )( ) . وإذا أمرت المحكمة بتقديم أو بالإطلاع عليها ، وامتنع الخصم من تنفيذ أمر المحكمة ، فإن المادة 257 من تقنين المرافعات الجديد تجيز للمحكمة أن تستخلص من هذا الامتناع معنى الاعتراف بالدين . وكذلك يجوز للمحكمة أن تجبر الخصم على التنفيذ بطريق التهديد المالى ( Astreintes )( ) . المطلب الثانى قوة الدفاتر التجارية فى الإثبات 140 - حجية الدفاتر التجارية : لدفاتر التجار حجية فى الإثبات حددها $ 277 $ القانون . وتتلخص هذه الحجية فى مسألتين : ( 1 ) دفتر التاجر حجة عليه . ( 2 ) وقد يكون حجة له . 141 - دفتر التاجر حجة عليه : رأينا أن الفقرة الثانية من المادة 397 من التقنين المدنى تقضى بأن \" تكون دفاتر التجار حجة على هؤلاء التجار ، ولكن إذا كانت هذه الدفاتر منتظمة فلا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلا لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد منه ما كان مناقضاً لدعواه \" . فالقاعدة الجوهرية فى هذه المسألة إذن أن دفتر التاجر حجة عليه . ذلك أن هذا الدفتر هو بمثابة إقرار منه مكتوب . والتاجر إما أن يكون قد كتبه بخطه أو بإملائه ، أو فى القليل كتب الدفتر بإشرافه وتحت رقابته ، فهو صادر منه على كل حال . ونم ثم يكون هذا الدفتر حجة عليه ، سواء كان خصمه تاجراً فى نزاع تجارى أن يرد فى دفتر يومية التاجر أو فى دفتر المراسلات بيان بأن تاجر جملة ورد له مقداراً معيناً من البضاعة بسعر معين ، فهذا البيان حجة على التاجر صاحب الدفتر لمصلحة تاجر الجملة ، وسنرى أن دفتر تاجر الجملة فى مثل هذا النزاع قد يضاهى هو أيضاً على دفتر التاجر الأول . ومثل أن يكون الخصم تاجراً فى نزاع مدنى أن يرد فى دفتر اليومية مثلا بيان عن صفقة عقدها التاجر مع تاجر مثله وقبل فيها شراء عقار بثمن معين ، فهذا البيان يكون حجة على التاجر المشترى لمصلحة التاجر البائع ، والنزاع هنا مدنى لأن يتعلق بشراء عقار فى غير عمل تجارى . ومثل أن يكون الخصم غير تاجر أن يرد فى دفتر يومية التاجر مثلا بيان بتوريد سلعة بثمن معين إلى عميل له غير تاجر ، فهذا البيان حجة على التاجر ، وليس حجة على العميل إلا إذا توافرت شروط معينة سيأتى ذكرها فيما يلى . على أننا إذ نقرر أن دفتر التاجر حجة عليه على النحو الذى قدمناه ينبغى ألا نغفل أن فى هذا خروجاً على القواعد العامة فى الإثبات من ناحيتين : ( 1 ) أن دفتر التاجر ورقة عرفية غير موقعة من التاجر ، بل يغلب ألا تكون مكتوبة بخطه ، وقد يقع فيه من الأخطاء ما لا قبل للتجار بملافاته . ( 2 ) أن هذا $ 278 $ الدفتر هو فى حوزة التاجر ، ويلزمه القانون كما رأينا أن يقدمه ليستخلص منه دليل ضده ، فهو إذن يجبر على أن يقدم دليلا على نفسه . من أجل هذا روعى هذا الدليل أمران : ( الأمر الأول ) أنه جوازى للقاضى ، فله أن يأخذ به وله أن يطرحه . والمادة 17 من التقنين التجارى ، وسيرد ذكرها ، صريحة فى معنى الجواز( ) . والقاضى يأخذ بهذا الدليل إذا وقع فى نفسه أنه ارتفع عن الشبهات ، كأن تكون الدفاتر منتظمة ، وأن يكون الدفتر الذى ورد فيه الدليل من الدفاتر الإلزامية التى تمكن مضاهاتها بنظائرها عند التاجر الآخر ، وأن يلمس القاضى العناية والدقة فى إمساك الدفتر ، بل قد يكون البيان مكتوباً بخط التاجر نفسه . على أنه يجب ألا يفهم من ذلك أن الدفتر إذا كان اختيارياً ( ) ولم يكن مكتوباً بخط التاجر لا يستخلص القاضى منه دليلا ضده ، فإن هذا جائز ، وتقدير الأمر مرده إلى القاضى نفسه ومبلغ اقتناعه بقوة الدليل . بل إن الدفاتر قد لا تكون منتظمة ، وبالرغم من أن المادة 15 من التقنين التجارى تقضى بأن الدفاتر لا تكون حجة أمام المحاكم ما لم تكن مستوفية للإجراءات ( ) ، فإن القاضى قد يقتنع بالبيان الوارد فى الدفتر لأنه لا يشعر بأى افتعال بل يبعث على الاطمئنان ، فيأخذ بهذا الدليل( ) . $ 279 $ وكل ما يترتب على عدم انتظام الدفتر قانوناً هو أن القاضى يستطيع أن يجزئ الدليل . فإذا كان قد ورد فى دفتر غير منتظم أن التاجر استورد بضاعة معينة وقد دفع ثمنها ، فهذا البيان دليل ضده على أنه استورد البضاعة ، ولكن يجوز لمن ورد البضاعة أن يستبعد من هذا الدليل ما يتعلق بدفع الثمن ، فيكون بذلك قد أثبت من الدفتر نفسه أن البضاعة وردت ، وعلى التاجر صاحب الدفتر أن يثبت أن الثمن قد دفع . أما لو كان الدفتر منتظما ، فقد قضت المادة 397 من التقنين المدنى بأنه لا يجوز لمن يريد أن يستخلص منه دليلا لنفسه أن يجزئ ما ورد فيه ويستبعد ما كان مناقضاً لدعواه . ففى المثل المتقدم ، فى حالة انتظام الدفتر ، يجب على من ورد البضاعة أن يأخذ البيان الوارد فى الدفتر كاملا ، فيكون هذا البيان دليلا على توريد البضاعة وعلى دفع الثمن فى وقت واحد . فإن أنكر مورد البضاعة أنه قبض الثمن ، فعليه هو –لا على التاجر صاحب الدفتر المنتظم - أن يثبت ذلك( ) . ( والأمر الثانى ) أن القاضى إذا رأى أن يأخذ بالدليل المستخلص من الدفتر ، فإن لصاحب الدفتر ، ولو كان دفتره منتظما ، أن يثبت عكس ما ورد فيه ، وذلك بجميع الطرق حتى بالبينة أو بالقرائن . ولا يعترض على هذا الحكم بأنه لا يجوز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة ، فإن الوارد بالدفتر ليس دليلا كاملا لأنه ورقة عرفية غير موقعة كما قدمنا ، وإنما هو قرينة قابلة لإثبات العكس ، هذا إلى أنه إذا كان النزاع تجارياً فإن جميع طرق الإثبات جائزة فيه( ) . $ 280 $ 142 - قد يكون دفتر التاجر حجة له : الأصل أن الشخص لا يجوز له أن يصطنع دليلا لنفسه ، حتى لو كان تاجراً ، وحتى لو كنت دفاتره منتظمة . فكل ما ورد فى دفتر التاجر ، كقاعدة عامة ، لا يصلح أن يكون دليلا له لأنه صادر منه . بل هو لا يكون مبدأ ثبوت بالكتابة لأنه غير صادر من خصمه . وإنما يكون دليلا ضده هو على النحو الذى قدمناه . ومع ذلك فقد أباح القانون أن يكون دفتر التاجر حجة له استثناء فى حالتين اثنتين : ( الحالة الأولى ) فى الدعاوى التجارية ما بين تاجر وتاجر ( ) . وقد رأينا أن فى هذه الدعاوى يكون دفتر التاجر حجة عليه ، لا فيها فحسب بل وفى الدعاوى التجارية ما بين تاجر وغير تاجر وفى الدعاوى المدنية إطلاقاً . فإذا وقفنا من هذه الأنواع الثلاثة عند الدعاوى التجارية ما بين تاجر وتاجر ، وقررنا أن دفتر التاجر يكون حجة عليه ، وجب أن نستكمل الحكم فنقرر أن دفتر التاجر –فى الدعاوى التجارية ما بين تاجر وتاجر - كما يكون حجة عليه قد يكون حجة له . وتنص المادة 17 من التقنين التجارى فى هذا الصدد على ما يأتى : \" ويجوز للقضاة قبول الدفاتر التجارية لأجل الإثبات فى دعاوى التجار المتعلقة بمواد تجارية إذا كانت تلك الدفاتر مستوفية للشروط المقررة قانوناً \" . ففى المثل الذى قدمناه إذا ورد فى دفتر يومية التاجر أو فى دفتر المراسلات مثلا بيان بأن تاجر جملة ورد له مقداراً معيناً من البضاعة بسعر معين ، فهذا البيان كما قدمنا حجة على التاجر صاحب الدفتر لو كان هو الذى ينكر وقوع الصفقة أو لا يسلم بكمية البضاعة أو بمقدار الثمن . وقد يكون هذا البيان نفسه حجة له على تاجر الجملة لو أن هذا التاجر الأخير هو الذى ينكر شيئاً من ذلك . والأخذ بهذا الدليل على هذا النحو متروك لتقدير القاضى ، فإن النص لا يوجب الأخذ به بل يقول : \" يجوز للقضاة قبول الدفاتر التجارية \" . ومما ييسر على القاضى الأخذ بهذا الدليل حجة للتاجر أن الدعوى تجارية $ 281 $ ما بين تاجر وتاجر ، فعند تاجر الجملة هو أيضاً دفاتر تجارية ورد فيها البيان الوارد فى دفاتر التاجر الأول . فما على القاضى إلا أن يضاهى ما بين الدفاتر . فإن تطابقت اطمأن إلى هذا التطابق فى الأخذ بالدليل . وإن لم تتطابق ، فإن كانت دفاتر أحد التاجرين منتظمة رجح أن يأخذ القاضى بها . ومع ذلك قد يأخذ بالدفاتر غير المنتظمة فى هذا البيان بالذات ، ويرجحها على الدفاتر المنتظمة . وإن كانت دفاتر كل من التاجرين منتظمة أو غير منتظمة ، كان القاضى حراً فى أن يأخذ بدفاتر هذا أو بدفاتر ذاك ، وقد لا يأخذ بهذه ولا بتلك ، ويتلمس الدليل من طريق آخر ( ) . ويلاحظ فيما قدمناه أمران : ( 1 ) أن القاضى قد يأخذ بدفتر غير منتظم لتاجر حجة له ، مع أن المادة 17 من التقنين التجارى تشترط لجواز قبول الدفاتر للإثبات أن تكون منتظمة . وقد قدمنا أن هذا الشرط لم يراع عند ما أخذ القاضى بالدفتر غير المنتظم حجة على التاجر ، فلا يراعى هنا أيضاً عند أخذه بالدفتر غير المنتظم حجة للتاجر متى رأى أن البيان يبعث على الاطمئنان ولا يشعر بأى افتعال ، فإن كل هذه البيانات ليست إلا قرائن بسيطة لا تقيد القاضى فى الأخذ بها . ( 2 ) ولما كانت البيانات قرائن بسيطة ، فإنه يجوز دائماً ، عند أخذ بيان فى دفتر تاجر حجة له ، أن يثبت خصمه عكس هذا البيان بجميع الطرق ، حتى بالبينة والقرائن لما قدمناه من الاعتبارات . ( الحالة الثانية ) فى دعوى التاجر على غير التاجر بالنسبة إلى البيانات الواردة فى دفتر التاجر عما ورده لغير التاجر . وقد رأينا أن الفقرة الأولى من المادة 397 تقول فى هذا الصدد ما يأتى : \" دفاتر التجار لا تكون حجة على غير التجار ، غير أن البيانات المثبتة فيما عما ورده التجار تصلح أساساً يجيز للقاضى أن يوجه اليمين المتممة إلى أى من الطرفين وذلك فيما يجوز إثباته بالبينة \" . $ 282 $ فالأصل إذن ألا يكون دفتر التاجر حجة له ، لا على التاجر ، ولا على غير التاجر من باب أولى ( ) . على أنه كما جاز استثناء أن يكون دفتر التاجر حجة له على التاجر فيما قدمناه ، يجوز كذلك استثناء أن يكون دفتر التاجر حجة له على غير التاجر ولكن بشروط أشد ، إذ يجب توافر الشروط الآتية : ( 1 ) أن يكون محل الالتزام سلعة وردها التاجر لعميله غير التاجر ، كالخباز يورد الخبز \" والبقال \" يورد \" خزين \" المنزل ( ) . ( 2 ) أن يكون الالتزام مما يجوز إثباته بالبينة بالنسبة إلى العميل غير التاجر ، أى لا تجاوز قيمته عشرة جنيهات . وهذا الشرط أضافته لجنة المراجعة ، فقد كان المشروع التمهيدى لا يشتمل عليه محتذياً فى ذلك التقنين الفرنسى ( م 1329 ) . وقانون البينات السورى ( م 14 ) لا يشتمل هو أيضاً على هذا الشرط . ( 3 ) أن يكمل الدليل باليمين المتممة يوجهها القاضى إلى التاجر الذى يحتج بدفتره ، فلا تجوز التكملة هنا بالبينة أو بالقرائن ( ) . فإذا توافرت هذه الشروط ، فإنه يبقى بعد ذلك أمران : ( 1 ) أن الأخذ بهذا الدليل جوازى للقاضى ، فله أن يأخذ به أو لا يأخذ ، كما هى الحال فى سائر الأدلة التى تستخلص من دفاتر التجار . وهو لا يأخذ به غالباً إذا كان الدفتر غير منتظم . ( 2 ) أن للقاضى أن يسمح لغير التاجر بنقض الدليل المستخلص ضده من دفتر التاجر ، ويكفى فى هذا النقض البينة أو القرائن . بل إن للقاضى بأن يستنبط من القرائن فى نقض هذا الدليل ما يكتفى معه بتوجيه اليمين المتممة $ 283 $ إلى غير التاجر لا إلى التاجر ، لتفنيد الدليل لا لتأييده ( ) . ويلاحظ أن هذا الحكم وحده –دون سائر الأحكام التى قدمناها - هو الذى استحدثه التقنين المدنى الجديد ، نقلا عن التقنين المدنى الفرنسى ( ) . المبحث الثالث الدفاتر والأوراق المنزلية 143 - النصوص القانونية : تنص المادة 398 من التقنين المدنى على ما يأتى : \" لا تكون الدفاتر والأوراق المنزلية حجة على من صدرت منه إلا فى الحالتين الآتيتين \" : \" أ - إذا ذكر فيها صراحة أنه استوفى ديناً \" . \" ب - إذا ذكر صراحة أنه قصد بما دونه فى هذه الأوراق أن تقوم مقام $ 284 $ السند لن أثبتت حقاً لمصلحته () \" . ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق . ويقابل النص فى التقنين المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 18 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 459 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى المادة 169 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 385( ) . ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1331( ) . $ 285 $ ويتبين من هذه النصوص أن الدفاتر والأوراق المنزلية لا تكون بوجه عام حجة لصاحبها . ولكنها قد تكون حجة عليه . فعندنا مسائل ثلاث : ( 1 ) ما هى الدفاتر والأوراق المنزلية . ( 2 ) الدفاتر والأوراق المنزلية لا تكون حجة لصاحبها . ( 3 ) الدفاتر والأوراق المنزلية قد تكون حجة على صاحبها . 144 - ما هى الدفاتر والأوراق المنزلية : الدفاتر والأوراق المنزلية تشمل ما ألف الناس تدوينه فى مذكرات خاصة عن شؤونهم المالية و المنزلية : ما قبضوه أو دفعوه من مال ، وما أنفقوا على معيشتهم ، وما قاموا به من ضروب التعامل ، وما ارتبطوا به من التزامات ، وما لهم من حقوق عند غيرهم وما عليهم من ديون ، وما ينوون القيام به من أعمال ومشروعات . وليس لهذه الدفاتر والأوراق المنزلية شكل خاص أو أغراض معينة أو أسماء معروفة كما رأينا ذلك فى دفاتر التجار . ولا يلتزم أحد بتدوين هذه الدفاتر والأوراق أو بحفظها كما يلتزم التجار بإمساك الدفاتر التجارية على النحو الذى بيناه . فتارة تكون الأوراق المنزلية دفاتر كاملة منظمة كدفاتر الحساب ، وهذه تبعث عادة على الاطمئنان عند تقدير قوتها فى الإثبات . وطوراً تكون فى صورة \" أجندات \" ويوميات . وأخرى تكون فى صورة مذكرات بعضها يكتب فى دفاتر وبعضها فى أوراق منثورة . وهذه الدفاتر والأوراق قد تكون موقعة من صاحبها ، والغالب ألا تكون موقعة . والأصل أن صاحبها يكتبها بخطه ، ولكن قد يعهد فى كتبابتها إلى أمين سر خاص أو إلى كاتب فى خدمته . وقد تكتب بالمداد أو بالرصاص أو بالآلة الكاتبة . والبارز فى شأنها أنها دفاتر وأوراق خاصة كتبها صاحبها ، دون أن يتقيد بشكل معين ، محتفظاً بها للرجوع إليها عند الاقتضاء( ) . $ 286 $ 145 - الدفاتر والأوراق المنزلية لا تكون حجة لصاحبها : والأصل أن أحداً لا يستطيع أن يصطنع دليلا لنفسه . ونم ثم لا تكون هذه الدفاتر والأوراق المنزلية حجة لصاحبها ، إذ هى صادرة منه . بل هى لا تكون مبدأ ثبوت بالكتابة لمصلحته ، لأنها غير صادرة من خصمه . فإذا قدم الدائن دليلا على حقه دفتراً منزلياً أثبت فيه هذا الحق ، أو قدم المدين دليلا على براءة ذمته من الدين ورقة منزلية أثبت فيها أنه وفى به ، فلا يجوز أن يؤخذ هذا دليلا لا على وجود الحق ولا على براءة الذمة ، بل لا يجوز اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة كما قدمنا ( ) . ويترتب على ذلك أن المدين إذا دفع بتقادم الدين ، فلا يجوز لدائنه أن يتمسك بانقطاع التقادم بحجة أنه أثبت فى أوراقه المنزلية أن المدين كان يقوم بدفع أقساط الدين أو بدفع فوائده مما يعد اعترافاً بالدين قاطعاً للتقادم ( ) . على أنه قد يقع أن يكون ما دون فى الأوراق المنزلية قرينة قضائية على صحة ادعاء الدائن ، كما لو كان طبيباً واعتاد أن يدون فى مذكراته الخاصة على نحو منظم ما يقوم به نم زيارات للمرضى ، ولو فيما يجاوز نصاب البينة لقيام المانع الأدبى . ولا تعدو القرينة هنا أن تكون قيمة قضائية يؤخذ بها أو لا يؤخذ ، وهى على كل حال قابلة لإثبات العكس ( ) . ثم إنه يجوز أن يقبل الخصم الاحتكام $ 287 $ برضاه إلى ما دون فى مذكرات خصمه وأوراقه المنزلية ، فإذا كانت هذه المذكرات والأوراق قد دونت بقدر كاف من العناية والدقة جاز أن تكون دليلا لصاحبها( ) . وليس فى كل ما قدمناه إلا تطبيق للقواعد العامة لا حاجة فيه إلى نص . ولم يشتمل التقنين القديم ولا التقنين الجديد ( ) على نص فى ذلك . فالأحكام فى هذه المسألة واحدة فى ظل التقنيين . 146 - الدفاتر والأوراق المنزلية قد تكون حجة على صاحبها : أما أن تكون الدفاتر والأوراق المنزلية حجة على صاحبها ، فهذا جائز من ناحيتين : ناحية تطبيق القواعد العامة وناحية وجود نص خاص يقضى بذلك . ولكن قد نتساءل –قبل الدخول فى هذه التفصيلات - كيف يتأتى أن يبرز الشخص دفاتر وأوراقاً منزلية تكون حجة عليه ، وهو لا يجبر أن يقدم دليلا على نفسه؟ يحدث ذلك ، بحكم القانون ، فى الحالات التى يجوز فيها للخصم إلزام خصمه بتقديم أية ورقة منتجة فى الدعوى تكون تحت يده . ويتحقق هذا فى حالة ما إذا كانت الأوراق المنزلية مشتركة بين الخصمين كما هو الأمر فى التركات والشركات ، وفى حالة ما إذا كان الخصم قد استند إليها فى أية مرحلة $ 288 $ من مراحل الدعوى ( م 253 من تقنين المرافعات ) . ويحدث ذلك أيضاً ، بحكم الواقع ، فى محضر حصر التركة ، إذ يدون فى المحضر عادة ما ورد من بيانات فى دفاتر المورث وأوراقه المنزلية عما له من حقوق وما عليه من ديون وعن بعض التفصيلات التى تتعلق بتركته . وفى غير ذلك لا يجوز إلزام الشخص بتقديم دفاتره وأوراقه المنزلية أو الأمر بالإطلاع عليها ، كما جاز فى دفاتر التجار على ما رأينا ( ) . فإذا تقدمت الأوراق المنزلية إلى القضاء عن طريق من الطرق المتقدمة ، فإن القواعد العامة تقضى بأن ما ورد فيها من البيانات قد يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضد صاحبها إن كانت قد كتبت بخطه . وقد يعتبرها القضاء دليلا كاملا إذا كانت تحمل توقيع صاحبها وكانت لا تدع مجالا للتشكك فى صحتها . فالأمر متروك لتقدير القضاء ، إذ قد لا يطمئن القاضى إلى حجية ورقة منزلية لم تعد للإثبات وقد وقعها صاحبها على عجل أو عن خطأ أو قبل أن يتم الأمر الذى ورد البيان فى شأنه ( ) . وفى كل هذا لا فرق ما بين التقنين الجديد والقديم ( ) . ولكن التقنين الجديد استحدث –فوق ما تقدم ذكره - نصاً يقضى بأن الدفاتر والأوراق المنزلية تكون حجة على من صدرت منه فى حالتين : ( 1 ) إذا ذكر فيها صراحة أنه استوفى دينا . ( 2 ) وإذا ذكر صراحة أنه قصد بما دونه $ 289 $ فى هذه الأوراق أن تقوم مقام السند لمن أثبتت حقاً لمصلحته ( ) . والجديد فى هذا النص أنه ليس من الضرورى أن تكون الأوراق وفى هاتين الحالتين تحمل توقيع صاحبها ، وإلا جاز أن يكون ذلك دليلا كاملا بالتطبيق للقواعد العامة من غير حاجة إلى نص خاص . بل ليس من الضرورى أن تكون هذه الأوراق مكتوبة بخط صاحبها ، ويكفى أن تكون مكتوبة بخط أمين سره أو كاتب عنده أو مدير لأعماله ، بل قد تكون مكتوبة بخط المدين الذى كتب البيان لصالحه إذا كان قد فعل ذلك تحت بصر الدائن وبموافقته . وبالرغم من أن الأوراق غير موقعة ولا مكتوبة بخط صاحبها ، فهى تصلح مع ذلك أن تكون دليلا كاملا ضده باستيفاء الدين أو بالمديونية . وهذا هو وجه الاستثناء من القواعد العامة ، ومن ثم قامت الحاجة إلى نص خاص ينشئ هذا الحكم . ولابد فى تطبيق هذه الاستثناء من أن يذكر صاحب الأوراق صراحة أنه استوفى الدين إذا كان دائناً ، أو أنه قصد أن يعترف بدين عليه لا يوجد به سند فى يد الدائن وأن تقوم الأوراق مقام هذا السند غير الموجود إذا كان مديناً . ولا يكفى أن يفهم ذلك ضمناً من البيان الذى يكتبه ولو كان موقعاً منه ( ) . وإذا ذكر صراحة أنه استوفى الدين ، ثم محا ما كتبه أو شطبه بحيث أصبح غير مقروء ، فإن حجية البيان تزول . أما إذا بقى البيان المشطوب مقروءاً ، فإنه يستمر حافظا لحجيته . وهذا بخلاف البيان الذى يذكر فيه صاحبه صراحة أنه يعترف بدين عليه وقد قصد أن تقوم الأوراق مقام السند ، فإن محو هذا البيان أو شطبه يزيل حجيته ، سواء أصبح البيان غير مقروء أوب قى مقروءاً . والفرق بين الحالتين أن الاعتراف بالدين أمر ذو خطر ، فأى محو أو شطب يلحقه يكفى لإزالة حجيته حتى لو بقى مقروءاً بعد المحو أو الشطب ( ) . وإذا كان البيان $ 290 $ المكتوب تتعارض أجزاؤه وينقض بعضها بعضاً ، كان على القاضى أن يفسره بما يزل هذا التعارض ( ) . ولا تجوز تجزئة البيان والأخذ بجزء منه دون جزء ، فإذا جاء فى البيان أن الدائن قد استوفى الدين مقاصة فلا يجوز أن يتمسك المدين بأن الدين قد استوفى نقداً ، بل يجب أن يستبعد البيان بجملته ويتقدم لإثبات أنه وفى الدين نقداً( ) . على أن الحجية التى أضفاها القانون على البيان الوارد فى الأوراق المنزلية ليست مطلقة . بل يجوز لصاحب هذه الأوراق أن يثبت أن البيان الوارد فيها غير صحيح ، وأنه إنما كتب خطأ أو قبل أن يتم الأمر الذى ورد البيان فى شأنه أو نحو ذلك . ويجوز إثبات ذلك بجميع الطرق ، حتى بالبينة أو بالقرائن . ولا يقال هنا إنه لا يجوز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة ، فإن البيان المكتوب ليس ورقة عرفية موقعة ولمي عرض مقدماً للإثبات ، فيجوز إثبات عكسه بغير الكتابة . وسنعود إلى هذه المسألة بتفصيل أوفى( ) . المبحث الرابع التأشير ببراءة ذمة المدين 147 - النصوص القانونية : تنص المادة 399 من التقنين المدنى على ما يأتى : \" 1 - التأشير على سند بما يستفاد منه براءة ذمة المدين حجة على الدائن $ 291 $ إلى أن يثبت العكس ، ولو لم يكن التأشير موقعاً منه ، ما دام السند لم يخرج قط من حيازته \" . \" 2 - وكذلك يكون الحكم إذا أثبت الدائن بخطه دون توقيع ما يستفاد منه براءة ذمة المدين فى نسخة أصلية أخرى للسند أو فى مخالصة ، وكانت النسخة أو المخالصة فى يد المدين \" ( ) . ويقابل هذا النص فى التقنين المدنى السابق المادة 230 / 295( ) . $ 292 $ ويقابل فى التقنين المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى المادة 19 ، وفى التقنين المدنى العراقى المادة 460 ، وفى تقنين الموجبات والعقود اللبنانى المادة 167 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 386( ) – ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1332( ) . 148 - حالتان : ويستخلص من نص التقنين الجديد –وقد احتذى فيه نص التقنين المدنى الفرنسى - أن التأشير على سند بما يفسر براءة ذمة المدين ، دون توقيع من الدائن ، يكون قرينة على الوفاء . وهى بعد قرينة قابلة لإثبات العكس . والذى يقف بالدائن عادة عن التوقيع هو أن يكون الوفاء جزئياً . فيدفع المدين الفوائد أو قسطاً من الدين ، ومن ثم يكتفى الدائن بالتأشير بذلك إما فى سند الدين الذى بيده ، وإما فى نسخة أصلية أخرى للسند فى يد المدين ، وإما فى مخالصة يحتفظ بها المدين ليؤشر فيها الدائن تباعاً بما يقوم به المدين من دفعات متوالية( ) . ولا يوقع الدائن هذا التأشير ببراءة ذمة المدين ( ) انتظاراً $ 294 $ للوفاء ببقية الدين ، فإذا تم الوفاء بالدين كله أعطى المدين مخالصة نهائية ، أو سلمه سند الدين ( ) . على أن هذا لا يمنع من أن يكون التأشير ببراءة ذمة المدين من الدين كله . وقد رأينا أن نص التقنين الجديد يميز بين حالتين : ( 1 ) التأشير على سند فى يد الدائن . ( 2 ) التأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين . فنبحث كلا منهما . $ 295 $ المطلب الأول التأشير على سند فى يد الدائن 149 - شرطان : يشترطن حتى تتوافر الحجية للتأشير على سند فى يد الدائن ، شرطان : ( 1 ) أن يكون هناك تأشير ببراءة ذمة المدين على سند الدين . ( 2 ) أن يبقى السند دائماً فى حيازة الدائن . 150 - الشرط الأول – تأشيرة ببراءة ذمة المدين على سند الدين : يجب أن يكون التأشير مكتوباً فى سند الدين ذاته . فإذا كتب فى روق أخرى غير هذا السند ، فى صورة للسند أو فى ورقة مستقلة عنه ، لم تقم قرينة الوفاء . ذلك أن أصل السند هو الذى يحتج به الدائن ، ويطالب المدين بمقتضاه . فالتأشير ببراءة ذمة المدين فى هذا الأصل بالذات يمنع الدائن أن يبرز السند لمطالبة المدين به دون أن يكون التأشير ببراءة ذمة المدين ثابتاً فى نفس السند الذى يطالب به . أما إذا كتب التأشير فى صورة للسد أو فى ورقة مستقلة عنه ، فإنه يسهل على الدائن إخفاء هذه أو تلك ، ثم يطالب المدين بمقتضى السند الأصلى وهو لا يحمل أى تأشير . ولهذا يحرض المدين على أن يكون التأشير فى سند الدين ذاته . ومن هنا تقوم قرينة الوفاء . ويكتب التأشير فى أى مكان من السند ، فى ذيله أو على هامشه أو فى ظهره أو فى أى مكان آخر ( ) . $ 296 $ ويكون مضمون هذا التأشير هو براءة ذمة المدين . وأية عبارة تفيد هذا المعنى تكفى ، فلا يشترط لفظ معين . فالتأشير بأن ذمة المدين قد برئت من الدين ، أو أبرئت ، أو أن الدين قد انقضى ، أو أنا لمدين قد قام بالوفاء ، أو أنه قد تخالص ، أو أنه قام بوفاء مبلغ كذا ، أو بوفاء قسط معين ، أو نحن ذلك من العبارات التى تفيد براءة ذمة المدين براءة كلية أو جزئية ، كل هذا يصلح أن يكون تأشيراً بالمعنى المقصود . ولا يكون التأشير موقعاً من الدائن كما قدمنا ، وإلا لصلح أن يكون دليلاً كاملاً دون حاجة إلى نص . وكونه غير موقع من الدائن هو الذى يكشف عن وجه الاستثناء فى هذه المسألة ، إذ يكون القانون قد جعل من ورقة صادرة من شخص معين دليلاً كاملاً على هذه الشخص مع أن الورقة غير موقعة منه . بل ليس ضرورياً أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن . وهذا هو أيضاً حكم التقنين المدنى السابق ( م 230 / 295 ) ( ) . أما التقنين المدنى الفرنسى ( م 1332 فقرة أولى ) فقد اشترط أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن ( ) . ولم ير التقنين المدنى المصرى الجديد – أسوة بالتقنين المدنى المصرى القديم – أن يضع هذا $ 297 $ الشرط ، وذلك لعدم انتشار الكتابة انتشاراً كافياً . ومن ثم يصح أن يكون التأشير مكتوباً بخط أجنبى ، بل بخط المدين نفسه ، ما دام السند فى حيازة الدائن كما سيأتى . ولكن إذا لم يكن من الضرورى أن يكون التأشير مكتوباً بخط الدائن ، فإنه يجب على الأقل أن يكون مكتوباً بإملائه أو بموافقة منه حتى يكون صادراً عنه ويكون هناك محل لقيام القرينة على الوفاء . ويفرض دائماً أن التأشير قد كتب برضاء الدائن ، حتى يثبت هو أنه كتب بغير رضائه . وسواء كتب التأشير بخط الدائن أو كتب بخط غيره ، فقد يحدث أن هذا التأشير يمحى أو يشطب ( ) . فهل تزول قوة التأشير فى الإثبات بهذا المحو أو الشطب ، أو هى تبقى بالرغم من ذلك؟ انقسم الفقه الفرنسى فى هذه المسألة ( ) . وقد $ 298 $ أثيرت المسألة فى لجنة المراجعة فرؤى تركها للقواعد العامة . ويبدو أن التأشير الممحو أو المشطوب يجب أن يبقى حافظاً لقوته فى الإثبات ، فتقوم قرينة الوفاء بالرغم من المحو أو الشطب . والدائن هو الذى يثبت أن القرينة فى الحقيقة غير قائمة ( ) ، بأن يثبت أن المحو أو الشطب كان بسبب مشروع ، كأن يكون قد كتب التأشير مقدماً متوقعاً الوفاء فلم يتم ، فمحا التأشير تبعاً لذلك . ولو قلنا بالرأى الآخر ، وبأن التأشير تزول قوته بالمحو أو الشطب ، لسهل على الدائن بعد التأشير ببراءة ذمة المدين فى سنده بيده وفى حيازته أن يمحو هذا التأشير أو يشطبه ( ) . 151 - الشرط الثانى - بقاء الند دائماً فى حيازة الدائن : ويجب حتى تقوم قرينة الوفاء أن يكون سند الدين الذى يحمل التأشير باقياً فى يد الدائن ، لم يخرج قط من حيازته . فإذا كان قد خرج من حيازته ولو لحظة واحدة ، منع ذلك من قيام قرينة الوفاء ، إذ يحتمل أن التأشير – وقد رأينا أنه لا يشترط فيه أن يكون بخط الدائن – قد كتب بخط أجنبى أو بخط المدين نفسه فى هذه اللحظة بالذات التى خرج فيها السند من حيازة الدائن . فإذا ما استرد الدائن حيازة السند ، لم تبق له حيلة فى التأشير إلا المحو أو الشطب ، وقد رأينا أنهما لا يزيلان قرينة الوفاء ( ) . $ 299 $ وقد كان التقنين المدنى السابق لا يشترط هذا الشرط ، وهو فى الوقت ذاته لا يشترط – كما رأينا – أن يكون التأشير بخط الدائن . فقد كانت المادة 230 / 295 من هذا التقنين ، وقد سبق ذكرها ، تجرى على الوجه الآتى : \" التأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين منه يكون حجة على الدائن ولو لم يكن ممضى منه ، إلا إذا أثبت الدائن خلاف ذلك () \" . ومن ثم كان الخطر كبيراً فى ظل هذا التقنين السابق من قيام قرينة الوفاء على غير أساس من الواقع . فكان لا يبقى أمام الدائن إلا دحض القرينة بالدليل العكسى بعد قيامها . والظاهر أنه كان يكفيه فى ذلك أن يثبت أن السند قد خرج من حيازته فترة من الزمن ، حتى ينتقل عبء الإثبات إلى المدين ليثبت أن التأشير لم يكتب فى اللحظة التى خرج منه سند الدين من حيازة الدائن ( ) . ولما كان التقنين الجديد قد استحدث شرط بقاء السند فى حيازة الدائن ، فالعبرة بتاريخ خروج السند $ 300 $ من حيازة الدائن لمعرفة القانون الذى يسرى . فإن كان السند قد خرج من حيازة الدائن قبل يوم 15 من أكتوبر سنة 1949 ، فالتقنين القديم هو الذى يسرى ، ولا يمنع خروج السند من حيازة الدائن أن تقوم قرينة الوفاء وفقاً لهذا التقنين . وإن كان السند قد خرج من حيازة الدائن فى تاريخ غير سابق على 15 من أكتوبر سنة 1949 ، فالتقنين الجديد هو الذى يسرى ، وتسقط قرينة الوفاء . وفى جميع الأحوال التى يسرى فيها التقنين الجديد ، يفترض دائماً أن السند لم يخرج من حيازة الدائن . فإذا ادعى هذا أنه خرج من حيازته فى أية لحظة ، فعليه عبء إثبات ذلك . وعلى هذا الوجه يتيسر إثبات واقعة مطلقة كالواقعة التى نحن بصددها ( ) . وإذا تمكن الدائن من إثبات أن السند خرج من حيازته فإنه يكون بذلك قد أثبت عدم قيام قرينة الوفاء ، ولم يقتصر على دحضها بالدليل العكسى بعد قيامها ( ) . 152 - حجية التأشير على السند إذا توافر الشرطان : وردت الفقرة الأولى من المادة 399 من التقنين المدنى نصاً خاصاً يقرر حجية هذا التأشير . ولكن قبل أن نعرض لهذا النص الخاص ، نبادر إلى القول إن التأشير على سند الدين بما يفيد براءة ذمة المدين قد تكون له حجية معينة إذا طبقت القواعد العامة فى الإثبات بقطع النظر عن هذا النص الخاص . فهو إذا كان مكتوباً بخط الدائن . أمكن أن يعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ضده ، ولو لم يتوافر فيه الشرطان اللذان تقدم ذكرهما . مثل ذلك أن يكتب الدائن بخطه التأشير ببراءة ذمة المدين فى ورقة مستقلة عن سند الدين أو فى صورة لهذا السند ، أو أن يكتب هذا التأشير بخطه فى سند الدين ذاته ولكن يخرج هذا السند من حيازته . ففى هذه الأحوال لا يكون التأشير دليلاً كاملاً ضد الدائن ، لأن الشرطين اللذين تطلبهما القانون فى ذلك لم يتوافرا . ولكن هذا التأشير ، ما دام أنه مكتبو بخط الدائن ، يصح اعتباره $ 301 $ مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمله المدين بالبينة أو بالقرائن ليثبت أنه قد وفى الدين ( ) . أما إذا توافر الشرطان على النحو الذى تقدم ذكره ، فإن التأشير على سند الدين يكون حجة كاملة على الدائن ، ولا حاجة للمدين باستكمالها ليثبت أنه وفى الدين . ويقع عبء الإثبات هنا على الدائن لا على المدين ، فهو الذى عليه أن يدحض قرينة الوفاء التى قامت باستيفاء التأشير لشرطيه ، فإذا لم يدحضها بالدليل العكسى فقد تم للمدين إثبات أنه قد قام بوفاء الدين . وعندنا أن حجية التأشير تقوم على أساس ورقة عرفية غير موقعة ، هى هذا التأشير ذاته . ولا يمنع ذلك من القول بأن هذه الورقة العرفية يستخلص القانون منها قرينة على وفاء الدين ، وهى قرينة قابلة لإثبات العكس . فإذا نحن قلنا إن القرينة هنا قرينة قانونية بسيطة ، وقلنا إنها فى الوقت ذاته تقوم على ورقة عرفية غير موقعة ، فلا تعارض ما بين القولين . فجميع الأوراق العرفية غير الموقعة – دفاتر التجار والأوراق المنزلية وغيرها – هى فى هذا الوضع : أوراق عرفية غير موقعة تستخلص منها قرائن قانونية بسيطة ( ) . فمتى وجد التأشير على سند الدين مستوفياً لشرطيه ، استخلصت منه قرينة قانونية بسيطة على وفاء المدين بالدين . وكان التأشير حجة على الدائن ، ولكنها حجة قابلة للدحض . ذلك أن علة الاعتداء بهذا التأشير هى أن الدائن يقر فى سند الدين ذاته أن استوفى حقه ، وهذا الإقرار هو بمثابة \" إقرار غير قضائى لا يمكن استبعاده من السند الذى يتقدم به لاستيداء حقه \" ( ) . ولكن يجوز مع ذلك هذا الإقرار غير مطابق للواقع . وتورد المذكرة الإيضاحية $ 302 $ للمشروع التمهيدى مثلاً لذلك فيما \" لو سلم الدائن السند لوكيل فوضه فى استبقاء الدين ، فهو يؤشر على هذا السند بالتخالص قبل أن يسلمه لوكيله ، ويقوم هذا برده إليه بما سبق أن دون فيه من تأشيرات فيما إذا تخلف المدين عن الوفاء عند المطالبة () . فيرجع سند الدين فى هذه الحالة وهو يحمل تأشير الدائن ببراءة ذمة المدين ، دون أن يكون الدائن قد استوفى الدين . ومن ذلك نرى أن القرينة هنا قد يقوم من الواقع دليل على عكسها . ومن أجل ذلك عندما أقام القانون هذه القرينة ، جعل حجيتها قابلة للدحض () . فيجوز للدائن ، بالرغم من التأشير ببراءة ذمة المدين ، أن يقيم الدليل على العكس ، أى على أن ذمة المدين لا تزال مشغولة بالدين . وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، حتى بالبينة أو بالقرائن . ولا يعترض $ 303 $ عليه أنه يثبت ما يخالف الكتابة بغير الكتابة ، فإن التأشير الذى يثبت عكسه هنا هو ورقة عرفية غير موقعة يجوز إثبات عكسها بجميع الطرق () ، وسيأتى تفصيل ذلك . المطلب الثانى التأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين 153 - شرطان:يشترط هنا أيضاً ، حتى تتوافر الحجية للتأشير على سند أو مخالصة فى يد المدين ، شرطان:(1) أن يكون هناك بخط الدائن تأشير ببراءة $ 304 $ ذمة المدين على نسخة أصلية أخرى لسند الدين أو على مخالصة (2) أن تقع نسخة السند أو المخالصة فى حيازة المدين . 154 - الشرط الأول – تأشير بخط الدائن على نسخة أصلية للسند أو على مخالصة بباءة ذمة المدين:يجب أن يكون التأشير هنا مكتوباً إما فى نسخة أصلية لسند الدين تكون بيد المدين وإما فى مخالصة يحتفظ بها المدين . والنسخة الأصلية (double) لسند الدين ليست صورة (copie) للسند ، بل هى أصل (original) كسند الدين ذاته . ويفهم من ذلك أن سند الدين كتب من نسختين أصليتين إحداهما بيد الدائن والأخرى بيد المدين . وفى هذه النسخة الأصلية الأخرى التى بيد المدين يقع تأشير الدائن . وفى هذا المعنى تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى:\" ويراعى أن المشروع قد عنى فى النص باستظهار ما يقصد بكلمة نسخة ، فليس يقصد بها مجرد صورة أخرى من سند الدين ، وإنما شفعت هذه الكلمة بنعت أصلية \" تعييناً لدلالة المقصود \" ( ) . غنى عن البيان أن عبارة \" النسخة الأصلية \" قد تسربت إلى التقنين المصرى من التقنين المدنى الفرنسى ، إذ يشترط هذا التقنين الأخير أن يكون سند العقد الملزم للجانبين من نسخ أصلية متعددة كما رأينا . فقى عقد البيع توجد نسخة من العقد فى يد الباع ونسخة أخرى فى يد المشترى . فإذا دفع المشترى قسطاً من الثمن ، أشر البائع فى نسخة المشترى ببراءة ذمة المدين من هذا القسط . وهذا ما يقع أيضاً فى مصر بحكم الضرورة لا بمقتضى النص ، بل كان النص موجوداً كما رأينا فى المشروع الأول الذى سبق المشروع التمهيدى . ويصح أن يقع التأشير ، لا على النسخة الأخرى لسند الدين ، بل على مخالصة أعدت لتسجيل ما يقوم المدين بدفعه واحتفظ بها المدين إثباتاً لهذا الوفاء ( ) . ويتبين من ذلك أن التأشير إذا وقع على صورة للسند أو على رقة أخرى $ 305 $ مستقلة عن نسخة السند ، وأمكن اعتبار هذه أو تلك بمثابة مخالصة أعدت لتسجيل ما يقوم المدين بدفعه ، كان التأشير صحيحاً وقامت قرينة الوفاء ( ) . ويكتب التأشير فى أى مكان من الورقة ، وبأية عبارة تفيد معنى براءة الذمة ، ولا يكون موقعاً عليه من الدائن ، وذلك كله على النحو الذى قدمناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن . ولكن التأشير هنا يجب أن يكون بخط الدائن ، وهذا على خلاف ما قررناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن من جواز أن يكون هذا التأشير بخط غير خطه . وهذا هو أيضاً حكم التقنين المدنى الفرنسى ( م 1332 ) ، بل إن هذا التقنين يشترط كما رأينا أن يكون التأشير دائماً بخط الدائن ، سواء وقع على سند فى حيازة المدين أو قع على سند فى حيازة الدائن . أما التقنين المدنى المصرى السابق فالأرجح أنه لم يكن يدخل فى حسابه ، عندما أورد المادة 230 / 295 ، إلا التأشير على سند فى حيازة الدائن ، وقد ترك التأشير بخط الدائن على سند فى حيازة المدين تسرى عليه القواعد العامة ، وسنعود إلى هذه المسألة بعد قليل . واشتراط أن التأشير على سند فى حيازة المدين يكون بخط الدائن أمر واضح ، إذا لو سمح القانون أن يكون التأشير بخط غير الدائن ، لسهل على المدين ، والسند فى حيازته ، أن يستكتب أى شخص عبارة الإبراء ، فتقوم قرينة الوفاء على غير أساس من الواقع . فقوة القرينة إذن هى فى أن التأشير بالإبراء قد كتب بيد الدائن واحتفظ به المدين . وإذا أنكر الدائن خطه ، وجب على المدين أن يلجأ إلى إجراءات تحقيق الخطوط لإثبات أن التأشير بخط الدائن ( ) . فإذا ما ثبت ذلك ، جاز للدائن بعد $ 306 $ هذا أن يسلك طريق الطعن بالتزوير ( ) . وإذا محى التأشير أو شطب ، زالت قوته فى الإثبات . ذلك أن السند موجود فى حيازة المدين ، فلا يمكن حمل المحو أو الشطب إلا على أن الوفاء لم يتم ، فمحا الدائن التأشير أو شطبه ، وقبل منه المدين ذلك بأن احتفظ بالسند فى يده والتأشير فيه ممحو أو مشطوب ( ) . وهذا بخلاف ما رأيناه فى المحو أو الشطب عندما يكون السند فى حيازة الدائن ، فقد تقدم أن الفقه الفرنسى منقسم فى هذه المسألة ، ورجحنا الرأى القائل بأن المحو أو الشطب لا يزيل قوة الإثبات التى للتأشير . 155 - الشرط الثانى – وقوع نسخة السند أو المخالصة فى حيازة المدين : والأصل أن نسخة السند أو المخالصة التى أشر عليها الدائن بخطه تكون فى حيازة المدين . ولكن لا يشترط هنا أن تكون باقية دائماً فى حيازته ، بل يكفى أن تكون قد وقعت فى حيازته ولو خرجت بعد ذلك من يده . ذلك أن التأشير يجب أن يكون بخط الدائن كما قدمنا ، فوقوع هذا التأشير بخط الدائن فى حيازة المدين ولو لحظة واحدة يكفى لقيام قرينة الوفاء . ومتى قامت القرينة على هذا الوجه ، كان للدائن أن يدحضها كما سنرى . والذى يقع عادة أن المدين يبرز الورقة التى تحمل تأشير الدائن بخطه ليحتج بها . فيكون بذلك قد أثبت أنها قد وقعت فى حيازته . أما إذا لم تكن الورقة فى يده ، واستطاع أن يحصل على أمر بتقديمها فقدمت ، فعليه أن يثبت أنها وقعت فى حيازته وقتاً ما حتى تقوم قرينة الوفاء . 156 - حجية التأشير إذا توافر الشرطان : هنا أيضاً نبادر إلى القول إن هذا التأشير ، ولو لم يتوافر شرطاه ، له حجية معينة إذا طبقت القواعد العامة $ 307 $ فى الإثبات ، بقطع النظر عن نص المادة 399 من التقنين المدنى . فهو ما دام مكتوباً بخط الدائن يصح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة ، ولو لم يتوافر فيه ما قدمناه من الشروط الأخرى . مثل ذلك أن يكتب التأشير فى نسخة أصلية ثالثة ليست فى حيازة الدائن ولا فى حيازة المدين ، أو أن يعجز المدين عن إثبات أن الورقة التى كتب فيها التأشير قد وقعت فى حيازته ، أو نحو ذلك . ففى هذه الأحوال لا يصلح التأشير دليلاً كاملاً ، ولكن يصح أن يكون مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة أو بالقرائن . أما إذا توافر الشرطان على النحو الذى تقدم ذكره ، فإن التأشير يكون دليلاً كاملاً ضد الدائن ، ولا حاجة للمدين باستكماله ليثبت أنه وفى الدين ، وذلك بمقضتى نص خاص هو نص المادة 399 . وحجية التأشير تقوم هنا أيضاً على أساس ورقة عرفية غير موقعة هى هذا التأشير ذاته ، على النحو الذى قدمناه فى التأشير على سند فى حيازة الدائن . ثم إن علة الاعتداد بالتأشير هنا هى أن هذا التأشير قد كتب بخط الدائن نفسه ، وقد ترك الورقة التى تحمل التأشير فى يد المدين ، فتركه إياها فى يد من له مصلحة فى الاحتجاج بها قرينة على أنه استوفى الدين . فالتأشير فى هذه الحالة \" يكون فى الواقع بمثابة مخالصة تبقى فى يد المدين \" ( ) . ولكن هذه القرينة ، هنا أيضاً ، قد يقوم من الواقع دليل على عكسها ( ) . فقد يتصور – كما تقو المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدى – \" أن يكون الدائن قد سلم المخالصة $ 308 $ لوكيل مفوض فى استيفاء الدين ، ولما كان من واجب مثل هذا الوكيل أن يرد إلى الموكل المخالصة التى تسلمها إذا لم يتم له استيفاء الدين ، فالمفروض أن الدائن يحتفظ بهذه المخالصة لأنه لم يستوف حقه من المدين \" ( ) . فإذا سلم الوكيل ، بالرغم من ذلك ، المخالصة للمدين ولم يستوفى منه الدين ، وعجز عن استرداد المخالصة ، فإنها ، وهى تحمل تأشير الدائن ، تكون فى يد المدين دون أن يكون هذا قد برئت ذمته . وفى هذا دليل من الواقع يدحض القرينة . من أجل ذلك عندما أقام القانون هذه القرينة ، جعل حجيتها هنا أيضاً قابلة للدحض . فيجوز للدائن ، بالرغم من تأشيره بخطه ببراءة ذمة المدين ،أن يقيم الدليل على العكس ، فيثبت أن ذمة المدين لا تزال مشغولة بالدين . وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ، حتى بالبنية أو بالقرائن . ذلك أن التأشير الذى يثبت عكسه هو ورقة عرفية غير موقعة يجوز إثبات عكسها بجمع الطرق ، وقد تقدم بيان ذلك . 157 - التأشير على سند فى حيازة المدين فى التقنين المدنى السابق : قدمنا أن المادة 230 / 295 من التقنين المدنى السابق كانت تنص على أن \" التأشير على سند الدين بما يفيد براءة المدين منه يكون حجة على الدائن ولو لم يكن ممضى منه ، إلا إذا أثبت الدائن خلاف ذلك \" . وكان بعض الفقهاء فى مصر ( ) يذهب إلى أن هذا النص يشمل الحالتين اللتين وردتا بعد ذلك فى المادة 399 من التقنين المدنى الجديد : حالة التأشير على سند فى حيازة الدائن وحالة التأشير على سند فى حيازة المدين . ولكن يصعب القول إن المقصود من عبارة \" سند الدين \" التى وردت فى نص التقنين السابق هو سند آخر غير السند الذى يحتفظ الدائن به عادة فى حيازته ، وأن هذه العبارة مقصود بها أيضاً \" نسخة أصلية $ 309 $ أخرى للسند \" . فالأرجح أن يكون المقصود هو النص على حالة واحدة من الحالتين ، هى حالة التأشير على سند الدين وهو فى حيازة الدائن ، وأن الحالة الأخرى قد تركت للقواعد العامة تسرى عليها . ويزيد هذا الترجيح قوة أن نلاحظ أن نص التقنين المدنى السابق لم يشترط أن يكون التأشير بخط الدائن ، مع أن قرينة الوفاء فى التأشير على سند فى حيازة المدين إنما تستمد من أن هذا التأشير يكون بخط الدائن . وهذا الرأى الذى نرجحه هو الرأى الذى سار عليه الفقه فى مصر ( ) . ومن ثم يكون التقنين المدنى الجديد قد استحدث حكماً لم يكن موجوداً فى التقنين القديم ، بأن جعل للتأشير بخط الدائن على سند فى حيازة المدين حجية كاملة ، ولم يقتصر على اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة كما تقضى بذلك القواعد العامة فى الإثبات . فإذا أشر الدائن بخطه على سند فى حيازة المدين ببراءة ذمته ، فإن كان التأشير قد كتب فى تاريخ سابق على يوم 15 من شهر أكتوبر سنة 1949 فإن التقنين القديم هو الذى يسرى ، ولا يكون هذا التأشير إلا مبدأ ثبوت بالكتابة . أما إذا كان التأشير قد كتب فى تاريخ بعد ذلك ، فإن التقنين الجديد يسرى فى هذه الحالة ، ويعتبر التأشير دليلاً لا حاجة إلى استكماله بدليل آخر ، على النحو الذى بيناه فيما تقدم . $ 310 $ الباب الثانى طرق الإثبات ذات القوة المحدودة البينة والقرائن القضائية 158 - طرق الإثبات ذات القوة المحدودة – اليمين المتممة ( إحالة ) : قدمنا أن طرق الإثبات ذات القوة المحدودة هى البينة والقرائن القضائية واليمين المتممة . ونبادر إلى القول أن اليمين المتممة ، لشدة اتصالها باليمين الحاسمة ، ستعاجل معها فى موضع آخر . ونستبقى هنا للبحث البينة والقرائن القضائية . 159 - تعادل البينة والقرائن القضائية من حيث قوة الإثبات : وقد جعل القانون البينة والقرائن القضائية طريقين متعادلين من حيث قوتهما القانونية فى الإثبات . فما يمكن إثباته بأحد الطريقين يستطاع إثباته بالطريق الآخر . وكلا الطريقين أضعف من الكتابة ذات القوة المطلقة فى الإثبات . وقد رأينا أن البينة والقرائن القضائية لا تكون طرقاً أصلية فى الإثبات إلا فى نطاق محدود . وتكون ، غير ذلك ، طرقاً تكميلية عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة ، وطرقاً بديلة عند وجود مانع يحول دون الحصول على دليل كتابى أو يحول دون تقديمه بعد الحصول عليه . ويتبين من كل ذلك أن البينة والقرائن ذات قوة محدودة فى الإثبات . فنبحث أولاً ما هى البينة والقرائن . ثم نبين بعد ذلك قوتهما المحدودة . الفصل الأول البينة والقرائن القضائية الفرع الأول البينة ( أو الشهادة ) 160 - معنيان للبينة : البينة لها معنيان : ( 1 ) معنى عام ، وهو الدليل أياً كان ، كتابة أو شهادة أو قرائن . فإذا قلنا : البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ، فإنما نقصد هنا البينة بهذا المعنى العام . ( 2 ) معنى خاص ، وهو شهادة الشهود دون غيرها من الأدلة . وقد كانت الشهادة فى الماضى هى الدليل الغاب ، وكانت الأدلة الأخرى من الندرة إلى حد أنها لا تذكر إلى جانب الشهادة ، فانصرف لفظ \" البينة \" إلى الشهادة دون غيرها . ونقصد هذا المعنى الخاص عندما نقول : مالاً تزيد قيمته على عشرة جنيهات يجوز إثباته بالبينة والقرائن . وإذا قلنا البينة ، قلنا نقصد معناها الخاص ، ونقصرها على الشهادة . ونتكلم هنا : ( أولاً ) فى أنواع البينة . ( ثانياً ) فى سلطة القاضى الواسعة فى تقدير البينة . ( ثالثاً ) فى القواعد التى تتبع فى سماع البينة . المبحث الأول أنواع البينة 161 - الشهادة ( temoignage ) : الأصل فى الشهادة أن تكون شهادة مباشرة ، فيقول الشاهد ما وقع تحت بصره أو سمعه . فالذى يميز الشاهد إذن هو أنه يشهد على وقائع عرفها معرفة شخصية ( ex propriis sensibus ) . وهو يحصل $ 312 $ معرفته الشخصية للواقعة ، إما لأنه رآها بعنيه ، كما إذا كان قد شهد حادثا من حوادث السيارات فجاء إلى مجلس القضاء يشهد بما رأى . وإما لأنه سمعها بأذنه ، كما إذا كان قد حضر مجلس العقد وسمع البائع يتعاقد مع المشترى ، فجاء إلى مجلس القضاء يشهد بما سمع . وإما لأنه رأى وسمع ، كما إذا سمع المقرض يتعاقد مع المقترض ورآه يعطيه مبلغ القرض ( ) . وتكون الشهادة عادة شفوية ، يدلى بها الشاهد فى مجلس القضاء مستمداً إياها من ذاكرته . وقد نصت المادة 216 من تقنين المرافعات على أن \" تؤدى الشهادة شفاهاً ، ولا تجوز الاستعانة بمفكرات مكتوبة إلا بإذن المحكمة أو القاضى المنتدب ، وحيث تسوغ ذلك طبيعة الدعوى \" . ومع ذلك فقد نصت المادة 205 من تقنين المرافعات على أن \" من لا قدره له على الكلام يؤدى الشهادة ، إذا أمكن أن يبين مراده ، بالكتابة أو بالإشارة \" . ويدعى الشاهد عادة إلى مجلس القضاء ليقول ما رآه أو سمعه من الوقائع المتعلق بالدعوى . ومع ذلك قد يكتفى ، فى ظروف استثنائية ، بتلاوة شهادته المكتوبة أو بضم هذه الشهادة المكتوبة إلى ملف القضية للاعتداد بها ( ) . وإذا كانت الشهادة المباشرة هى الصورة الغالبة للشهادة ، فإنه يوجد مع ذلك إلى جانبه : ( 1 ) الشهادة السماعية ( temoignage indirect ) ( 2 ) والشهادة بالتسامع ( commune renommee ) ( 3 ) والشهادة بالشهرة العامة ( acte de notoriete ) . 162 - الشهادة السماعية : أى الشهادة غير المباشرة ، وتسمى أيضاً $ 313 $ بالشهادة فى الدرجة الثانية ( ) ( temoignage du second degre ) . وتختلف عن الشهادة الأصلية أو الشهادة المباشرة أو الشهادة فى الدرجة الولى – وهى الشهادة التى سبق ذكرها – فى أن الشاهد هنا يسهد بما سمع رواية عن غيره ، ومن ثم كانت الشهادة سماعية . والشاهد ، سواء كانت شهادته أصلية أو سماعية ، يشهد عن واقعة معينة بالذات . ولكنه فى الشهادة الأصلية يشهد أنه رأى هذه الواقعة بعينه إن كانت مما يرى ، أو سمعها بأذنه إن كانت مما يسمع . أما فى الشهادة السماعية ، هو يشهد أنه سمع الواقعة يرويها له شاهد يكون هو الذى رآها بعينه أو سمعها بأذنه . مثل ذلك أن يشهد شخص أمام القضاء أنه سمع شخصاً آخر يروى له حادث السيارة وقد رآه بعينيه ، أو سمع شخصاً آخر يورى له التعاقد على البيع أو على القرض وقد سمعه بأذنه . فالشهادة السماعية هى إذن شهادة على الشهادة ( ) . والشهادة السماعية جائزة حيث تجوز الشهادة الأصلية ( ) . ويقدر القاضى قيمتها كما يقدر الشهادة الأصلية . وقد يراها تعدل الشهادة الأصلية فى القيمة . ولكن الغالب أن تكون الشهادة السماعية دون الشهادة الأصلية من حيث اقتناع القاضى بها ( ) . $ 314 $ 163 - الشهادة بالتسامع : والشهادة بالتسامع غير الشهادة السماعية . فهى شهادة بما تتسامعه الناس ( oui - dire ) ، لا تنصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات ، بل على الرأى الشائع فى جماهير الناس عن هذه الواقعة . وقد رأينا الشهادة السماعية تنصب على الواقعة المراد إثباتها بالذات ، ولكن لا على أن الشاهد رآها بعينه أو سمعها بأذنه ، بل على أنه سمعها تروى له ممن رآها بعينه أو سمعها بأذنه . فالشهادة السماعية يمكن إذن تحرى مبلغ الصدق فيها ، وصاحبها يحمل مسئولية شخصية فيما سمعه بنفسه عن غيره من الرواية عن واقعة معينة بالذات . أما الشهادة بالتسامع فصاحبها لا يروى عن شخص معين ولا الواقعة بالذات ، بل يشهد بما تتسامعه الناس عن هذه الواقعة وما شاع بين الجماهير فى شأنها ، فهى غير قابلة للتحرى ولا يحمل صاحبها مسئولية شخصية فيما شهد به ( ) . ومن ثم كانت الشهادة بالتسامع غير مقبولة إلا فيما نص عليه القانون . وقد نص التقنين المدنى الفرنسى على قبول الشهادة بالتسامع فى حالتين : ( 1 ) حالة الزوجة ، بعد انتهاء النظام المشترك للأموال ( communaute ) بينها وبين زوجها ، وهى تريد تمييز مالها الخاص ( patrimoine propre ) عن المال المشترك ( patrimoine commun ) ، وذلك إذا لم يوجد محضر جرد ( م 1415 وم 1504 مدنى فرنسى ) . ( 2 ) حالة ورثة أى من الزوجين ، بعد موته ، يريدون تحديد المال المشترك ( patrimoine commun ) فى مواجهة الزوج الآخر الذى ظل باقياً على قيد الحياة ، وذلك أيضاً إذا لم يوجد محضر جرد ( م 1442 مدنى فرنسى ) . ويذهب فريق من الفقهاء الفرنسيين إلى قصر قبول الشهادة بالتسامع على هاتين $ 315 $ الحالتين دون غيرهما ( ) . ويرى بعض آخر أن يقيس عليهما كل حالة أخرى يراد فيها إثبات منقولات بأعيانها فى مواجهة من كان مكلفاً بحصرها فى محضر جرد وقصر فى ذلك ( ) . أما فى مصر فالقضاء المختلط كان بوجه عام لا يقبل الشهادة بالتسامع فى المسائل المدينة ( ) . أما فى المسائل التجارية ، وكذلك فى الأحوال التى يقبل فيها الإثبات بالبينة أو بالقرائن ، فتقبل الشهادة بالتسامع على سبيل الاستئناس وباعتبار أنها مجرد قرينة بسيطة لا يؤخذ بها إلا فى كثير من الحذر والاحتياط ( ) . وفى الفقه الإسلامى لا تقبل الشهادة إلا فى مسائل معينة ، عدوا منها خمساً هى الشهادة بالنسب وبالموت وبالنكاح وبالدخول وبولاية القاضى ، ثم أضافوا إليها خمساً هى أصل الوقف وشرائطه والعتق والولاء والمهر ( ) . ولا نرى ما يمنع من الأخذ بأحكام الفقه الإسلامى فى هذه المسألة تطبيقاً للفقرة الثانية من المادة الأولى من التقنين المدنى ، وهى تقضى بأنه $ 316 $ \" إذا لم يوجد نص تشريعى يمكن تطبيقه ، حكم القاضى بمقتضى العرف ، فإذا لم يوجد ، فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية \" . $ 317 $ وإذا قبلت الشهادة بالتسامع ، فهى كالشهادة الأصلية والشهادة السماعية تضع فى سماعها للقواعد التى تخضع لها الشهادة بوجه عام ( ) . 164 - الشهادة بالشهرة العامة : أما الشهادة بالشهرة العامة فليست بشهادة بالمعنى الصحيح . بل هى ورقة مكتوبة ، تحرر أمام جهة رسمية ، تدون فيما وقائع معينة ، تشهد بها شهود يعرفون هذا الوقائع عن طريق الشهرة العامة . وفى مصر يمكن اعتبار إعلام الوراثة ومحضر حصر التركة وتقرير غيبة المفقود من قبيل هذه الأوراق . فهى تحرر أمام جهات رسمية ، المحكمة الشرعية أو مندوب من المحكمة الحسبية أو غير ذلك ، وتدون فيها أسماء الورثة أو أعيان التركة أو واقعة غياب المفقود ، وذلك بناء على شهادة طائفة من الناس يشهدون وفقاً لما عرفوه عن طريق الشهرة العامة وفى فرنسا ينص القانون على جواز استعمال مثل هذه الأوراق كأدلة . من ذلك أنه إذا تعذر على أحد الزوجين عند عقد زواجه أن يحصل على شهادة ميلاده ، كان له أن يقدم عوضاً عنها شهادة تحمل اسمه ولقبه وصناعته ومحل $ 318 $ إقامته وتاريخ ميلاده بقدر الإمكان وغير ذلك من البيانات بناء على أقوال شهود ثلاثة يعرفون ذلك عن طريق الشهرة العامة ويدلون بشهادتهم عنها أمام قاضى الصلح ( انظر م 71 من التقنين المدنى الفرنسى ) . ومن ذلك أيضاً إجراءات إعلان غيبة المفقود ، تتضمن تحقيقاً تأمر المحكمة بإجرائه فى مواجهة النيابة العامة ، قد تسمع فيه شهود يدلون بما عرفوه من طريق الشهرة العامة عن ظروف اختفاء المفقود ، ثم يصدر بعد ذلك حكم بإعلان غيبته ( ) . ويكشف العمل فى فرنسا عن كثرة الأحوال التى يلتجأ فيها إلى الحصول على وثائق تقوم على أساس الشهادة بالشهرة العامة ، وذلك فوق الأحوال التى نص عليها القانون . مثل ذلك الإعلام بثبوت الوراثة يدون فيه عدد الورثة وصفاتهم إذا لم يوجد محضر جرد . ومثل ذلك أيضاً الشهادة التى تسجل أن الميت قد مات دون وارث له حق محفوظ فى التركة ( heritier a reserve ) ( ) . فالشهادة بالشهرة العامة تفترض وجود موظف عام ، موثق أو قاض أو نحو ذلك ، تدلى أمامه الشهود بمعلوماتهم عن الواقعة المراد إثباتها . ويجب أن يكون للشهود معرفة شخصية بهذه الواقعة ، ولكن لا عن طريق محدد ، بل عن طريق الشهرة العامة ( ) . فالمعرفة الشخصية بالواقعة ، لا الشهرة العامة فى ذاتها ، هى التى تقوم عليها قوة الإثبات فى هذه الشهادة . والشهرة العامة إنما تجعل منها شهادة جماعية ( temoignage collectif ) عن طريق تحقيق سريع أمام قاض أو موظف عامة بإجراءات لا تختلف إلا من ناحية الشكل عن إجراءات التحقيق المعتاد ( ) . وللشهادة بالشهرة العامة قوة فى الإثبات يحدده القانون فى كل حالة على حده . $ 319 $ المبحث الثانى سلطة القاضى الواسعة فى تقدير البينة 165 - البينة أضعف من الكتابة : قدمنا أن الشهادة كانت فى الماضى من أقوى الأدلة ، بل كانت هى الدليل الغالب فى وقت لم تكن فيه الكتابة منتشرة ، وكانت الأمية متفشية ، وكان العلم بالرواية واللسان لا بالكتابة والقلم ، حتى كانت الشهادة هى التى تستأثر باسم \" البينة \" دلالة على أن لها المقام الأول فى البينات ( ) . فلما انتشرت الكتابة ، وتقلص ظل الأمية ، بدأت الكتابة تسود ، ثم أخذت المكان الأول فى الإثبات ، ونزلت البينة إلى المكان الثانى لما تنطوى عليه من عيوب ظاهرة . فالبينة تقوم على أمانة الشهود ، والشهود حتى إذا هم لم يكذبوا معرضون للنسيان ، ثم إن الدقة تنقصهم . هذا إلى أنه إذا أفسح المجال للإثبات بالبينة ، وأصبح اعتماد القضاء عليها ، كثرت القضايا الكيدية لسهولة الحصول على شهود زور يشهدون بالباطل . أما الكتابة فكفتها راجحة ، ومتى كانت بعيدة عن التزوير ، فهى أدق أداء وأكثر ضبطاً للواقع . ثم هى لا يرد عليها النسيان ، فهى دليل هيئ مقدماً ليحيط بالواقعة المراد إثباتها إحاطة شاملة ، لأنها إنما أعدت لهذا الغرض ( ) . $ 320 $ من أجل ذلك أنزل القانون البينة دون منزلة الكتابة ، لا فحسب من ناحية أن جعل البينة ذات قوة محدودة فى الإثبات ، بل أيضاً بأن جعل للقاضى بالنسبة إلى البينة سلطة تقدير واسعة ، هى أكبر بكثير من سلطته بالنسبة إلى الكتابة ( ) . فالقاضى ينظر ، أولاً ، هل الإثبات بالبينة فى الأحوال التى يجيزها القانون مستساغ؟ فإذا كان مستساغاً نظر ، ثانياً ، هل الوقائع المراد إثباتها بالبينة متعلقة بالحق المدعى به ومنتجة فى إثباته؟ وهو فى ذلك يتمتع بسلطة تقدير أوسع مما له فى الإثبات بالكتابة . فإذا ما قدر بعد كل ذلك أن يسمع البينة ، كان له ، أخيراً ، سلطان واسع فى تقدير ما إذا كانت البينة التى سمعها مقنعة فى الإثبات . 166 - تقدير ما إذا كان الإثبات بالبينة مستساغاً : قد يكون الإثبات بالبينة جائزاً قانوناً ، ولكن يبقى بعد ذلك للقاضى سلطة تقديرية فى السماح به . فقد يكون فى القضية من القرائن والأدلة الأخرى ما يغنى عن البينة . وعلى النقيض من ذلك قد تكون الوقائع المراد إثباتها بعدية الاحتمال بحيث لا يرى القاضى سبيلاً إلى الاقتناع بالبينة فى إثباتها ( ) . وقد تكون هذه الوقائع $ 321 $ قد طال عليها العهد بحيث يتعذر إثباتها بالبنية فى جميع هذه الأحوال يرى القاضى أن البينة غير مستساغة ، فلا يسمح بها بالرغم من أن القانون يجيزها فى الإثبات ( ) . ومن ثم نرى أنه لا يكفى أن يجيز القانون الإثبات بالبينة فى بعض الأحوال ، بل يجب أيضاً أن يكون الإثبات بالبينة مستساغاً حسب تقدير القاضى . ولا يخضع $ 322 $ القاضى فى تقديره هذا لرقابة محكمة النقض ( ) . 167 - تقدير ما إذا كانت الوقائع متعلقة بالحق ومنتجة فى الإثبات : هنا أيضاً يتمتع القاضى بسلطة تقدير واسعة لا يتمتع بها فى الإثبات بالكتابة . ذلك أن الكتابة المعدة للإثبات تشتمل عادة على الوقائع المتعلقة بالحق المدعى به والتى تكون منتجة فى الإثبات ، لأنها إنما أعدت للوفاء بهذه الأغراض . فلا يكون هناك للقاضى مجال واسع فى تقدير ذلك . أما فى الإثبات بالبينة فيتسع المجال للقاضى فى تقدير ما إذا كانت الوقائع التى استدعيت الشهود من أجلها متعلقة بالدعوى ومنتجة فى الإثبات . فإن الغالب أن تكون الشهود لم تعد للشهادة من قبل ، فإذا توخوا الأمانة فى شهادتهم فهم لا يشهدون إلا على الوقائع التى يتفق أن يكونوا قد رأوها أو سمعوها ، وهذه الوقائع قد تكون متعلقة بالحق المدعى به ، وقد لا تكون متعلقة به . وإذا كانت متعلقة ، فقد تكون منتجة فى الإثبات أو لا تكون . كل هذا متروك لتقدير القاضى ، وهو فى هذا التقدير يتمتع بسلطة واسعة لا يخضع فيها لرقابة محكمة النقض ( ) ، كما قدمنا عند الكلام فى الشروط الواجب توافرها فى الواقعة التى تكون محلاً للإثبات . 168 - تقدير ما إذا كانت البينة كافية : ثم إن القاضى ، إذا رأى الإثبات بالبينة مستساغاً ، وقدر أن الوقائع المراد إثباتها متعلقة بالحق المدعى به ومنتجة فى الإثبات ، وسمع الشهود فى هذه الوقائع ، فإن له بعد ذلك كله سلطة واسعة فى تقدير ما إذا كانت شهادة هؤلاء الشهود كافية فى إثبات هذه الوقائع . وهو فى ذلك لا يتقيد بعدد الشهود ، ولا بجنسهم ، ولا بسنهم . فقد يقنعه شاهد واحدا ، ولا يقنعه شاهدان أو أكثر . قد يصدق المرأة ، ولا يصدق الرجل . $ 323 $ وقد تكون شهادة صبى صغيراً أبلغ فى إقناعه من شهادة رجل كبير ( ) . وقد كان للشهادة فى القديم نصاب محدد : رجلان ، أو رجل وامرأتان ، أو شهود أربعة ، أو نحو ذلك ( ) . فزال هذا النصاب ، لا فى المسائل الجنائية فحسب ، بل أيضاً فى المسائل المدنية والتجارية . وكذلك زالت ضرورة تزكية الشهود ، فلم يعد الشاهد يزكيه شاهد آخر ، بل الذى يزكيه هو مبلغ ما يبعثه فى نفس القاضى من الاطمئنان إلى دقته ، والثقة فى أمانته ( ) . $ 324 $ والقاضى يقدر ما إذا كانت البينة كافية . وله فى ذلك سلطان كامل ، لا يخضع هنا أيضاً لرقابة محكمة النقض ( ) . ويتبين مما تقدم أن البينة حجة ليست مقيدة فحسب ، بل هى أيضاً غير ملزمة وغير قاطعة . ولكنها حجة متعدية ، أى أن الوقائع التى تثبت بطريقها تعتبر ثابتة ، لا على من أقيمت فى مواجهته فحسب ، بل أيضاً بالنسبة إلى جميع من يتأثر بالحكم الذى صدر فى الدعوى . المبحث الثانى القواعد التى تتبع فى سماع البينة 169 - من مباحث قانون المرافعات : أما القواعد التى تتبع فى سماع الشهود فهى من مباحث قانون المرافعات . ونجتزئ هنا ببيان كيف تحال القضية إلى التحقيق لسماع الشهود ، وكيف تسمع الشهود ، متوخين الإيجاز . 170 - كيف تحال القضية إلى التحقيق لسماع الشهود : فى الأحوال التى يجيز فيها القانون الإثبات بالبينة ، ويرى القاضى أن هذا الإثبات مستساغ على النحو الذى بيناه ، يجوز للمحكمة ، من تلقاء نفسها متى رأت فى ذلك فائدة $ 325 $ للحقيقة أو بناء على طلب الخصم ، أن تأمر بالإثبات بالبينة ( ) . والحكم الذى يصدر بإحالة القضية إلى التحقيق لسماع الشهود يجب أن يبين فى منطوقه كل واقعة من الوقائع المأمور بإثباتها ، واليوم الذى يبدأ فيه التحقيق ، والميعاد الذى يجب أن يتم فيه ( م 189 - 191 مرافعات ) . وهذا هو ما يسمى بالتحقيق الفرعى ( enquete incidente ) . 171 - كيف تسمع الشهود : يكون التحقيق – سماع الشهود – أمام المحكمة . ويجوز لها ، إذا خيف التعطيل ، أن تندب أحد قضاتها لإجرائه ( م 193 مرافعات ) . والإذن لأحد الخصوم فى إثبات واقعة بشهادة الشهود يقتضى دائماً أن يكون للخصم الآخر الحق فى نفيها بهذا الطريق ( م 192 مرافعات ) . وفى هذا ضمان كبير اتخذ ضد تحيز الشهود أو ضعف ذاكرتهم أو عدم دقتهم عن طريق إيجاد $ 326 $ ضرب من التوازن بين شهود الإثبات وشهود النفى ( ) . وتقضى المادة 194 من تقنين المرافعات بأن التحقيق يستمر إلى أن يتم سماع جميع شهود الإثبات والنفى فى الميعاد ، ويجرى سماع شهود النفى فى نفس الجلسة التى سمعت فيها شهود الإثبات إلا إذا حال دون ذلك مانع . ويلاحظ أن تقنين المرافعات الجديد استوحى نظام المرافعات الشرعية فى حصر الدليل ، فأوجب أن يكون للتحقيق ميعاد لا يجوز مدة أكثر من مرة واحدة ( م 195 مرافعات ) ، ولم يجز سماع شهود بناء على طلب الخصوم بعد انقضاء ميعاد التحقيق ، وإن جاز ذلك بأمر المحكمة ( م 196 مرافعات ) ( ) . ولابد من تحليف الشاهد اليمين قبل أداء الشهادة ، وإلا كان التحقيق باطلاً ( م 212 مرافعات ) ( ) . وإذا رفض الشاهد الحضور امتنع بغير برر قانونى عن أداء اليمين أو عن الإجابة ، حكم عليه بغرامة ، ويجوز للمحكمة إصدار أمر بإحضاره ( م 199 وم 201 مرافعات ) . ولا يجوز رد الشاهد ولو لكان قريباً أو صهراً لأحد الخصوم ، إلا أن يكون غير قادر على التمييز بسبب حداثة أو هرم أو مرض أو لأى سبب آخر ( م 203 مرافعات ) . وتثبت إجابات الشهود فى المحضر . ولا يجوز للشاهد أن يفشى سر وظيفته أو سر مهنته إلا بإذن خاص ، ولا لأحد الزوجين أن يفشى سر الزوجية ولو بعد انقضائها بغير رضاء الزوج الآخر ( م 206 - 209 مرافعات ) . وبمجرد انتهاء التحقق والفراغ من سماع الشهود تحدد أقرب جلسة لنظر $ 327 $ الدعوى ( م 221 مرافعات ) ( ) . الفرع الثانى القرائن القضائية 172 - النصوص القانونية : تنص المادة 407 من التقنين المدنى على ما يأتى : \" يترك لتقدير القاضى استنباط كل قرينة لم يقررها القانون . ولا يجوز الإثبات بهذه القرائن إلا فى الأحوال التى يجيز فيها القانون الإثبات بالبينة () \" . ولا مقابل لهذا النص فى التقنين المدنى السابق . ولكن المادة 215 / 280 من هذا التقنين كانت تبيح الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زادت قيمته على عشرة جنيهات . وكذلك كانت المادة 117 / 282 تبيح الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زادت قيمته على عشرة جنيهات إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة . فدل ذلك على أن البينة والقرائن متلازمان ، فما يجوز إثباته بالأولى يجوز إثباته بالثانية ، وهذا بالرغم من أن بعض النصوص كانت تكتفى بذكر البينة دون القرائن ( م 220 - 221 / 285 - 286 ) . $ 328 $ ويقابل هذا النص فى التقنينات المدنية العربية الأخرى : فى قانون البينات السورى م 92 : وفى التقنين المدنى العراقى المادة 505 ، وفى تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى م 310 ، وفى التقنين المدنى للمملكة الليبية المتحدة المادة 395 ( ) . ويقابل فى التقنين المدنى الفرنسى المادة 1353 ( ) . 173 - تعريف القرينة – نوعان من القرائن : عرفت المادة 1349 من التقنين المدنى الفرنسى القرائن بوجه عام بأنها هى \" النتائج $ 329 $ التى يستخلصها القانون أو القاضى من واقعة معلومة لمعرفة واقعة مجهولة \" \" Les presomptions sont des consequences que la loi ou le magistrate tire d\'un fait connu a un fait inconnu \" فهى إذن أدلة غير مباشرة ، إذ لا تقع الإثبات فيها على الواقعة ذاتها مصدر الحق ، بل على وقاعة أخرى إذا ثبتت أمكن أن يستخلص منها الواقعة المراد إثباتها . وهذا ضرب من تحويل الإثبات ( deplacement de preuve ) من محل إلى آخر ، وسنعود إلى ذلك فيما بعد . مثل ذلك أن تكون الزوجية قرينة عى الصورية ، فالواقعة المعلومة هى قيام الزوجية بين المتعاقدين ، ويستدل القاضى من هذه الواقعة الثابتة على الواقعة المراد إثباتها ، وهى صورية العقد المبرم ما بين الزوجين . ومثل ذلك أيضاً أن يكون وجود سند الدين فى يد المدين قرينة على الوفاء ، فالواقعة المعلومة هى وجود سند الدين فى يد المدين ، ويستدل القاضى من هذه الواقعة على واقعة الوفاء . ومثل ذلك أخيراً أن يكون التصرف فى مرض الموت قرينة على التصرف وصية ، فالواقعة المعلومة هى إبرام التصرف فى مرض الموت ، ويستدل القاضى منها على أن هذا التصرف وصية . والقرائن ، كما قدمنا ، إما قرائن قانونية أو قرائن قضائية . فالقرائن القانونية ( presomptions legales, presomptions de droit ) هى التى ينص عليها القانون . وهى ليست طريقاً للإثبات ، بل هى طريق يعفى من الإثبات ، فسنبحثها إذن مع الإقرار واليمين . والقرائن القضائية ( presomptions juduciaires, presomptions du fait de l\'homme,presomptions simples) هى التى تترك لتقدير القاضى يستخلصها من ظروف القضية وملابساتها ، وهى وحدها موضع هذا البحث . ونبحث:(أولاً) عناصر القرينة القضائية وسلطة القاضى فى تقديرها (ثانياً) تكييف القرائن بوجه عام وتحولها من قرائن قضائية إلى قرائن قانونية . المبحث الأول عناصر القرينة القضائية وسلطة القاضى فى تقديرها 174 - عنصران للقرينة القضائية:للقرينة القضائية عنصران:$ 330 $ (1) واقعة ثابتة يختارها القاضى من بين وقائع الدعوى ، وتسمى هذه الواقعة بالدلائل أو الأمارات (indices) . وهذا هو العنصر المدى للقرينة . (2) عملية استنباط يقوم بها القاضى ، ليصل من هذه الواقعة الثابتة إلى الواقعة المراد إثباتها . وهذا هو العنصر المعنوى للقرينة . 175 - واقعة ثابتة يختارها القاضى:قد يستخلص القاضى الدليل – إذا لم يوجد إقرار أو يمين أو قرينة قانونية – لا من ورقة مكتوبة ، ولا من بينة تسمع ، ولكن من ظروف القضية وملابستها ، أو كما يقول التقنين المدنى العراقى (م 505) من قرائن يستخلصها من ظروف الدعوى بعد أن يقتنع بأن لها دلالة معينة . وسبيله إلى ذلك أن يختار بعض الوقائع الثابتة أماه فى الدعوى . قد يختارها من الوقائع التى كانت محل مناقشة بين الخصوم . وقد يختارها من ملف الدعوى ، ولو من تحقيقات باطلة . بل قد يختارها من أوراق خارج الدعوى ، كتحقيق إدارى أو محاضر إجراءات جنائية ولو كانت هذه المحاضر قد انتهت بالحفظ () . وقد تكون الواقعة التى اختارها القاضى ثابتة بالبينة () أو بورقة مكتوبة () ، $ 331 $ أو بيمين نكل الخصم عن حلفها () ، أو بإقرار من الخصم () ، أو بقرينة أخري دلت علي الواقعة التي تستنبط منها القرينة () ، أو بجملة من الطرق مجتمعه () . $ 332 $ يقف القاضي إذن عند واقعة يختارها تثبت عنده ، ولتكن واقعة قرض ثبتت بورقة مكتوبة أو ببينة أو بقرينة أو بغير ذلك . والقاضي حر في اختيار الواقعة التي يقف عندها ، إذ يراها أكثر مواتاة للدليل وأيسر في استنباط القرينة . 176 - استنباط الواقعة المراد إثباتها من الواقعة الثابتة:ويبدأ بعد ذلك أشق مجهود يبذله القاضي في استخلاص الدليل . إذ عليه أن يستنبط من هذه الواقعة الثابتة الدليل عل الواقعة التي يراد إثباتها ، فيتخذ من الواقعة المعلومة قرينة علي الواقعة المجهولة . ففي المثل المتقدم لا يكون القاضي متعنتا إذا هو استخلص من واقعة القرض التي اختارها أن المقترض كان في حاجة إلي المال عندما عقد القرض ، فإذا أدعي أنه اشتري ، بعد القرض بأيام قليلة وقبل أن يفي بالقرض ، دارا من المقرض بثمن يزيد كثيرا علي مبلغ القرض ، ودفع له الثمن في الحال ، كانت هذه الوقائع متعارضة مع دلالة الواقعة الثابتة . فإذا طعن شخص في عقد البيع الصادر من المقرض إلي المقترض بأنه بيع صوري ، أو دفع بصورية دفع الثمن ، كان للقاضي أن يستخلص من واقعة القرض وحاجة المقترض إلي المال وتعارض هذه الحاجة مع دفعه ثمنا كبيراً يزيد كثيراً علي مبلغ القرض ، كان له أن يستخلص من كل ذلك قرينة علي أن المقترض لم يدفع إلي المقرض ، فتكون هذه القرينة القضائية دليلا علي الصورية . $ 333 $ سلطة القاضي وساعة في التقدير:وقد رأينا فيما تقدم أن للقاضي سلطة واسعة في استنباط القرائن القانونية . فهو حر في اختيار واقعة ثابتة ، من بين الوقائع المتعددة التي يراها أمامه ، لاستنباط القرينة منها ، ثم هو واسع السلطات في تقدير ما تحمله هذه الواقعة من الدلالة ، وهذا هو الاستنباط . وفيه تختلف الأنظار ، وتتفاوت المدارك . فمن القضاة من يكون استنباطه سليما فيستقيم له الدليل ، ومنهم من يتجافي استنباطه مع منطق الواقع . ومن ثم كانت القرينة القضائية من أسلم الأدلة من حيث الواقعة الثابتة التي تستنبط منها القرينة ، ومن أخطرها من حيث صحة الاستنباط واستقامته () . والقاضي ، فيما له من سلطان واسع في التقدير ، قد تقنعه قرينة واحدة قوية الدلالة ، ولا تقنعه قرائن متعددة إذا كانت هذه القرائن ضعيفة متهافتة () . وأما ما يذكره التقنين المدني الفرنسي (م 1353) من وجوب اجتماع قرائن قوية الدلالة دقيقة التحديد ظاهرة التوافق ، فليس إلا من قبيل توجيه القاضي () . ويبقي حق التقدير النهائي في ذلك له . ولا تعقب عليه محكمة النقض في $ 334 $ هذا التقدير () ، ما دامت القرينة التي اعتبرها دليلا علي ثبوت الواقعة تؤدي عقلا إلي ثبوتها () . 178 - لا يجوز أن يثبت بالقرائن القضائية إلا ما يجوز إثباته بالبينة:ونري مما تقدم أن الإثبات بالقرائن القضائية لا يخلو من الخطر فالقاضي ، كما رأينا ، يتمتع في استنباط القرينة القضائية بحرية واسعة ، في ميدان تتفاوت فيه الأفهام ، وتتباين الأنظار . فليس ثمة من استقرار كاف في وزن الدليل ، وما يراه قاض قرينة منتجة في الإثبات لا يري قاض آخي فيه شيئا . من أجل ذلك كانت القرينة القضائية ، كدليل إثبات ، دون منزلة الكتابة ، فهي تتساوي في منزلتها مع البينة () . ولا يجوز الإثبات بقرينة قضائية إلا $ 335 $ حيث ييجوز الإثبات بالبينة () . (م 407 مدني) () . $ 336 $ ولا يفوتنا هنا أن نشير إلي ما سبق أن ذكرناه في عبء الإثبات من أن هذا العبء ينتقل في الواقع من خصم إلي خصم وفقا للقرائن القضائية التي يستخلصها القاضي من ظروف الدعوي . فالقاضي يأخذ بالقرائن القضائية ، لا للإثبات الكامل فحسب ، بل أيضا لنقل عبء الإثبات من جانب إلي جانب ، ثم لرده إلي الجانب الأول () . والقرينة القضائية كالبينة حجة متعدية غير ملزمة ، وهي أيضا كالبينة غير قاطعة ، غذ هي دائما تقبل إثبات العكس ، إما بالكتابة أو بالبينة أو بقرينة مثلها أو بغير ذلك ، فهي من هذه الناحية كالقرينة القانونية غير القاطعة . المبحث الثاني تكييف القرائن بوجه عام وتحولها من قرائن قضائية إلي قرائن قانونية 176 - تكييف القرائن بوجه عام:القرينة ليست إلا نقل الإثبات من الواقعة المراد إثباتها بالذات إلي واقعة أخري قريبة منها ، إذا ثبتت اعتبر ثبوتها دليلا علي صحة الواقعة الأولي . ويقلو بارتان في هذا المعني:\" تقتضي طبيعة الأمور أن نستبدل بإثبات الواقعة مصدر الحق المدعي به ، وهي واقعة يتعذر إثباتها ، إثبات واقعة أخري قريبة منها ( voisin ) ومتصلة بها ( connexe ) ويطلب الخصم من القاضي أن يستخلص من صحة الواقعة الثانية ، عن طريق استنباط يطول أو يقصر ، صحة $ 337 $ الواقعة الأولي التي لا يتمكن من إثباتها بطريق مباشر ، فيتحول محل الإثبات علي نحو ما وهذا ما اقترح تسميته بتحول الإثبات ( deplacement de prevue ) وهو من الخصائص الجوهرية للإثبات القضائي \" () . ففي القرينة القضائية القاضي هو الذي يختار هذه الواقعة القريبة المتصلة بالواقعة المراد إثباتها . أما في القرينة القانونية فالقانون هو الذي يتولي هذا الاختيار () . وهذه الواقعة القريبة المتصلة - وهي الأمارة (indice) - لا تعطي للقاضي إلا علما ظنيا . وبالاستنباط ينتقل القاضي من العلم الظني إلي العلم اليقيني (de la vraisemblanca a la certitude) ، ومن الراجح إلي المحقق (de la probabilite au reel) () . 180 - تحول القرائن القضائية إلي قرائن قانونية:يقول بارتان هنا أيضا:\" أن القرينة القانونية ليست في الواقع من الأمر إلا قرينة قضائية قام القانون بتعميمها وبتنظيمها \" (La presumption legale n est au fand qu une presumption de fait generalisee et systematisee par la loi) وهذا صحيح من حيث التكييف والتأصيل . فالقرينة القانونية ليست في الأصل إلا قرينة قضائية تواترت واضطرد وقوعها ، فاستقر عليها القضاء . ومن ثم لم تصبح هذه القرينة متغيرة الدلالة من قضية إلي أخري ، فرأي المشرع في اضطرادها واستقرارها ما يجعلها جديرة بأن ينص علي توحيد دلالتها ، فتصبح بذلك قرينة قانونية () . $ 338 $ والأمثلة علي ذلك كثيرة ، نذكر بعضها:يشترط في نجاح الدعوي البوليصية في المعاوضات أن يكون المدن معسراً ، وأن يكون هناك تواطؤ بين المدين ومن تصرف له . فكان إعسار المدين تقوم عليه ، في ظل التقنين المدني السابق ، قرينة قضائية ، تحولت في التقنين المدني الجديد إلي قرينة قانونية ، إذ تنص المادة 239 من هذا التقنين علي أنه \" إذا ادعي الدائن إعسار المدين ، فليس عليه إلا أن يثبت مقدار ما في ذمته من ديون ، وعلي المدين نفسه أن يثبت أن له ما لا يساوي قيمة الديون أو يزيد عليها \" . وكانت هناك ، في ظل التقنين السابق ، سلسلة من القرائن القضائية تقوم دليلا علي غش المدين وتواطئه مع من تصرف له بعوض . وقد تحولت هذه القرائن القضائية إلي قرائن قانونية في التقنين المدني الحالي ، إذ تنص المادة 238 من هذا التقنين علي أنه \" إذا تنص المادة 238 من هذا التقنين علي أنه \" إذا كان تصرف المدين بعوض اشترط لعدم نفاذه في حق الدائن أن يكون منطويا علي غش من المدين ، وأن يكون من صدر له التصرف علي علم بهذا الغش . ويكفي لاعتبار التصرف منطويا علي الغش أن يكون قد صدر من المدين وهو عالم أنه معسر ، كما يعتبر من صدر له التصرف عالما بغش المدين إذا كان قد علم أن هذا المدين معسر \" . وجري القضاء ، في ظل التقنين المدني السابق ، علي اعتبار الوفاء بقسط من الأجرة قرينة قضائية علي الوفاء بالأقساط السابقة ( ) . واضطرد هذا القضاء واستقر ، فارتفعت هذه القرينة القضائية في التقنين المدني الجديد إلي منزلة القرينة القانونية ، إذ نصت المادة 587 من هذا التقنين علي أن \" الوفاء بقسط من الأجرة قرينة علي الوفاء بالأقساط السابقة علي هذا القسط ، حتي يقوم الدليل علي عكس ذلك \" . وقد يقع ، علي النقيض من ذلك ، أن قرينة قانونية تنزل إلي قرينة قضائية ، $ 339 $ كما وقع في القرينة المستفادة من وجود سند الدين في يد المدين .فقد كان التقنين المدني السابق ( م 219 / 284 )يجعله قرينة قانونية علي الوفاء ، إلي أن يقيم الدائن دليل علي العكس ( م 220 / 285 ) ولن يستبق التقنين المدني الجديد هذا النص ، نزلت هذه القرينة القانونية إلي مرتبة القرينة القضائية . وبالرغم من أن القرينة القضائية والقرينة القانونية من طبيعة واحدة من حيث التكييف والتأصيل ، إلا أنهما تختلفان من حيث مهمة كل منهما . فالقرينة القضائية طريق إيجابي من طرق الإثبات أما القرينة القانونية فهي ، كما قدمنا ، إعفاء من الإثبات ، مؤقت أو دائم وفقا لما إذا كانت القرينة تقبل إثبات العكس أو لا تقبل ذلك ( ) . $ 340 $ الفصل الثاني قوة البينة والقرائن في الإثبات 181 - قوة مطلقة وقوة محدودة : تقضي المادة 400 من التقنين المدني بأن التصرف القانوني ، في غير المواد التجارية ، لا يجوز إثباته بالبينة إذا زادت قيمته علي عشرة جنيهات أو كان غير محدد القيمة . فالقوة المحدودة في الإثبات للبينة والقرائن إنما هي في ميدان التصرفات القانونية المدنية . ويستخلص من ذلك أن للبينة والقرائن قوة مطلقة في الإثبات خارج هذا الميدان . فتكون لها هذه القوة المطلقة في الوقائع القانونية المادية ( faits juridiques materiels ) وفي التصرفات القانونية التجارية ( actes juridiques commerciaux ) . الفرع الأول قوة الإثبات المطلقة للبينة والقرائن المبحث الأول الوقائع القانونية المادية 182 - طبيعة الوقائع المادية تستعصي علي فرض الكتابة للإثبات : هناك فرق واضح بين التصرف القانوني والواقعة المادية . فالتصرف القانوني إرادة تتجه إلي إحداث أثر قانوني معين فيرتب القانون عليها هذا الأثر ، ولما كانت هذه الإرادة لها مظهر خارجي هو التعبير ، فإن القانون اقتضي ألا يكون إثبات هذا التعبير ، كقاعدة عامة ، إلا عن طريق الكتابة ، وذلك لاعتبارين أساسيين : ( 1 ) لأن التعبير عن إرادة تتجه لإحداث أثر قانوني أمر دقيق ، قد يغم علي الشهود فلا يدركون معناه ، ولا يؤدون الشهادة $ 341 $ فيه بالدقة الواجبة ، وسنعود إلي هذا الاعتبار عند الكلام في إثبات التصرف القانوني . ( 2 ) والتصرف القانوني ، فوق ذلك ، هو الذي تستطاع تهيئة الدليل الكتابي ( prevue preconstituee ) عليه وقت وقوعه ، ومن ثم كان اشتراط الكتابة لإثباته أمرا ميسوراً . أما الواقعة المادية فلا يقوم في شأنها أي من الاعتبارين المتقدمين . فهي تحدث ، وتراها الناس ، فلا تختلف أفهامهم كثيرا في روايتها كما وقعت ، إذ هي ليست من الدقة والتعقيد بالمنزلة التي رأيناها للتصرف القانوني . وهب أن واقعة مادية كانت من الدقة بحيث تختلف أفهام الناس في إدراكها ، فهل يكون ميسوراً تسجيلها بالكتابة عند وقوعها؟ قليل من الوقائع هو الذي يتيسر فيه ذلك . وقد عمد المشرع إلي الخطير من هذه الوقائع ، كالميلاد والموت ، فأوجب تسجيله بالكتابة علي نحو خاص ( ) . أما الكثرة الغالبة من الوقائع المادية التي تحدث آثاراً قانونية فلا يتيسر إثباتها بالكتابة . فيكفي إذن إثباتها بالبينة وبالقرائن . بل بنفتح في إثباتها جميع أبواب الإثبات ، وبخاصة باب المعاينة فهو من أرحب الأبواب للوقوف عليها ( ) . 183 - أنواع الوقائع المادية : والوقائع المادية التي تحدث آثاراً قانونية كثيرة متنوعة . $ 342 $ منها ما يكون مصدراً للالتزام ، كالعمل غير المشروع ( ) . والبناء والغراس في الإثراء علي حساب الغير ، والقيان بأعمال مادية في الفضالة ، والجوار والقرابة في الالتزامات القانونية . ومنها ما يكون سببا لكسب الحقوق العينية ، كالموت والميلاد في الميراث ( وهذان يراعي في إثباتهما أوضاع خاصة كما قدمنا ) ، والحيازة ، والاستيلاء ، والبناء والغراس في الالتصاق ، ومضي الزمن في التقادم ، والجوار في الشفعة . ومنها ما يحدث آثاراً قانونية أخري ، كانتزاع الحيازة في قطع التقادم ، واستعمال حقوق الارتفاق بعد تركها ، وتنفيذ الالتزامات عن طريق أعمال مادية ( ) . والعمل بالإعسار أو بالفقه( ) أو بالعيوب الخفية أو بالبيع في $ 343 $ الشفعة ( ) أو بغير ذلك من الوقائع ( ) ، والتواطؤ ، والغلط والتدليس ( ) والإكراه والاستغلال ، والعرف إذا كان ملحوظا في العقد . فالقاعدة العامة في هذه الوقائع المادية ، التي أوردنا بعض أمثلة منها ، أنه يجوز إثباتها بجميع الطرق ، ومنها البينة والقرائن . فللبينة والقرائن إذن ، في ميدان الوقائع المادية ، قوة مطلقة في الإثبات تستوي في ذلك مع الكتابة ، بل قد تزيد عليها من ناحية الحاجة إليها . 184 - وقائع مادية تستوقف النظر : وهناك حالات للوقائع المادية تحتاج إلي إمعان في النظر . فهناك وقائع مختلطة ( faits mixtes ) ، يقوم فيها العمل المادي إلي جانب التصرف القانوني ، وذلك كالوفاء والإقرار ، فهذه حكمها في الإثبات حكم التصرفات القانونية لا تثبت فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة . أما الاستيلاء $ 344 $ فواقعة مختلطة ، ولكن يغلب فيها طابع العمل المادي ، ومن ثم تثبت بالبينة والقرائن . وهناك وقائع مركبة ( faits complexes ) ، كالشفعة وهذه تجتمع فيها جملة من الوقائع : الجوار وهو واقعة مادية تثبت بجميع الطرق ، وبيع العين المشفوع فيها وهو بالنسبة إلي الشفيع واقعة مادية أيضا تثبت بجميع الطرق ، وإرادة الأخذ بالشفعة وهذا تصرف قانونية لا يثبت إلا بالكتابة بل لا بد من طريق خاص في التعبير عن الإرادة هنا بينه القانون . والحيازة واقعة مادية ( ) ، ولكن قد يداخلها تصرف قانوني . فإذا أراد المالك أن يثبت أن الحائز للعين هو مستأجر منه ، وجب عليه أن يثبت عقد الإيجار بالكتابة إذا زاد علي النصاب . أما إذا أراد إثبات أن الحائز لا يقوم بأعمال الحيازة لحسابه الشخصي بل باعتباره مستأجراً فلا يستطيع التملك بالتقادم ، كان كل من الحيازة والإيجار واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( ) . $ 345 $ والغير في التصرف القانوني يجوز له إثبات هذا التصرف بجميع الطرق لأنه ليس طرفا فيه ، فهو بالنسبة إليه واقعة مادية ( ) . وحتي فيما بين المتعاقدين قد يقع ليس فيما إذا كان المطلوب إثباته تصرفا قانونيا فلا يثبت إلا بالكتابة ، أو واقعة مادية فتثبت بجميع الطرق ( ) . $ 346 $ وفي الإخلال بالتزام عقدي ، يجوز إثبات العمل المادي الذي كون واقعة $ 347 $ الإخلال بجميع الطرق لأنه واقعة مادية ( ) . أما العقد الذي أخل به فهو تصرف قانوني ، لا يجوز إثباته فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة . وفي التبديد وغيره من الجرائم التي تستند إلي عقود مدنية ، لا يجوز إثبات هذه العقود فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة . ومن ثم نري أن الإخلال بالتصرف القانوني قد يكون واقعة مادية ، وأن الجريمة قد تنطوي علي تصرف قانوني ( ) . $ 348 $ وقطع التقادم إذا تم بواقعة مادية ، كالعودة إلي استعمال حق الارتفاق ، يثبت بجميع الطرق وإذا تم بتصرف قانوني ، كالاعتراف بحق الارتفاق أو دفع الفوائد والأقساط ، فلا يجوز الإثبات فيما زاد علي النصاب إلا بالكتابة ( ) . والشركة الفعلية ( societe de fait ) واقعة مادية يجوز إثباتها بجميع الطرق ( ) . ودفع غير المستحق تصرف قانوني يجب إثباته بالكتابة فيما زاد علي النصاب ( ) . وأعمال الفضالة بالنسبة إلي رب العمل وقائع مادية يجوز لهذا إثباتها بجميع الطرق ، حتي لو كان من بين هذه الأعمال تصرف قانوني قام به الفضولي . ولا يجوز إثبات هذا التصرف القانوني ، فيما بين الفضولي ومن تعاقد معه ، إلا بالكتابة فيما زاد علي النصاب ( ) . $ 349 $ المبحث الثاني التصرفات القانونية التجارية 185 - جواز الإثبات بالبينة بالقرائن في التصرفات القانونية التجارية : رأينا أن المادة 400 من التقنين المدني تستثني المواد التجارية من وجوب الإثبات بالكتابة إذا زادت قيمة التصرف علي عشرة جنيهات . فالتصرف القانوني التجاري إذن يجوز إثباته بالبينة وبالقرائن ، حتي لو كانت قيمته تزيد علي عشرة جنيهات أو كان غير محدد القيمة . وقد كانت المادة 234 / 299 من التقنين المدني السابق تنص علي هذا الحكم فتقول : \" عقود البيع والشراء وغيرها من العقود في المواد التجارية يجوز إثباتها ، بالنسبة للمتعاقدين وغيرهم ، بكافة طرق الثبوت ، بما فيها الإثبات بالبينة وبقرائن الأحوال \" . واكتفي التقنين المدني الجديد باستبعاد المواد التجارية في المادة 400 من وجوب الإثبات بالكتابة علي النحو الذي قدمناه ، فلم يورد نصا يقابل المادة 234 / 299 من التقنين المدني السابق تجنبا للتكرار . والسبب في إباحة الإثبات بالبينة وبالقرائن في المسائل التجارية ، أيا كانت قيمة التصرف القانوني ، هو ما يقتضيه التعامل التجاري من السرعة وما يستلزمه من البساطة . وما يستغرقه من وقت قصير في تنفيذه ( ), علي أن هناك من المسائل التجارية ما لا يستقيم إلا بالكتابة مثل ذلك الأوراق التجارية ، لم يقتصر القانون فيها علي اشتراط الكتابة ، بل اشترط في الكتابة أن تستوفي شروطا معينة . كذلك فعل في المسائل التجارية التي تستغرق وقتا طويلا وتنطوي علي أهمية خاصة ، كما هو الأمر في عقود الشركات التجارية ( م 40 - 46 تجاري ) ، وفي عقود بيع السفن ( م 3 بحري ) ، وفي إيجارها ( م 91 بحري ) ، وفي التأمين عليها أو علي البضائع ( م 174 بحري ) ، وفي القروض البحرية ( م 150 بحري ) $ 350 $ علي أن الإثبات بالبينة وبالقرائن في المسائل التجارية أمر جوازي للقاضي ، كما هو شأن الإثبات بالبينة وبالقرائن في أية مسألة أخري . فقد رأينا ان القاضي يقدر ما إذا كان الإثبات بالبينة وبالقرائن مستساغا ، ثم يقدر بعد ذلك ما إذا كانت البينة أو القرائن المقدمة للإثبات بهما غير مستساغ . وله أن يقدر أن هذا الإثبات لابد من تعزيزه بالكتابة ، وبخاصة بما هو مدون في الدفاتر التجارية لاسيما إذا كانت التصرفات المراد إثباتها ذات قيمة كبيرة أو كانت مما يصعب ضبطه بغير الكتابة وله سلطة واسعة في تقدير ما إذا كانت البينة أو القرائن المقدمة للإثبات كافية لاقناعة بصحة الواقعة المدعي بها ( ) . ويجوز لأصحاب الشأن ، علي كل حال ، أن يتفقوا علي أن يكون الإثبات فيما بينهم في المسائل التجارية بالكتابة ، فتكون الكتابة عندئذ واجبة لأن إباحة الإثبات بالبينة وبالقرائن في التصرفات التجارية ليست قاعدة من النظام العام ، فيجوز الاتفاق علي ما يخالفها ، وسنعود إلي هذه المسألة . $ 351 $ 186 - العبرة بنوع التعامل وصفة الخصوم لا بالمحكمة المختصة : والقانون التجاري هو الذي يبين متي يعتبر التصرف القانوني تجاريا ، فيجوز إثباته بالبينة أو بالقرائن أيا كانت قيمته ( ) . وقد يقع التصرف القانوني بين شخصين ويعتبر بالنسبة إلي كل منهما تصرفا مدنيا ، كالمزارع يبيع جزءاً من محصوله إلي المستهلك . فالإثبات هنا لا يجوز أن يكون بالبينة أو بالقرائن إلا فيما لا يجاوز النصاب . وقد يقع التصرف بين شخصين ويعتبر بالنسبة إلي كل منهما تصرفا تجاريا ، كصاحب المصنع يبيع سلعته من التاجر . فالإثبات يجوز أن يكون هنا بالبينة أو بالقرائن ، أيا كانت قيمة التصرف . وقد يقع التصرف بين شخصين فيكون بالنسبة إلي أحدهما تصرفا مدنيا وبالنسبة إلي الآخر تصرفا تجاريا ، كالمزارع يبيع محصوله من التاجر ، وكالمستهلك يشتري من تاجر التجزئة ، وكعقد النشر بين المؤلف والناشر ، وكعقد النقل بين المسافر أو صاحب البضاعة وأمين النقل ، وكعمليات المصارف بين العميل والمصرف . وهذا ما يسمي بالتصرف المختلط . ففي هذه الحالة تسري القواعد المدنية في الإثبات علي من كان التصرف مدينا بالنسبة إليه ، فلا يجوز بالبينة أو بالقرائن إثبات تسليم الثمن إلي المزارع ولا تسليم السلعة إلي من اشتري من تاجر التجزئة ولا تسليم الأرباح إلي المؤلف ولا تسليم البضاعة إلي صاحبها من أمين النقل ولا العمليات المصرفية ضد العميل إلا فيما لا يجاوز النصاب . وتسري القواعد التجارية في الإثبات علي من كان التصرف تجاريا بالنسبة إليه ، فيمكن إثبات تسليم المحصول للتاجر ، وتسليم الثمن لتاجر التجزئة ، ومقدار أرباح المؤلف ضد الناشر ، وتسليم البضاعة لأمين النقل ، والعمليات المصرفية ضد المصرف ، بالبينة أو بالقرائن ، أيا كانت قيمة الالتزام ( ) . $ 352 $ والعربة بنوع التعامل لا بالمحكمة المختصة . فقد يطرح نزاع تجاري أمام محكمة $ 353 $ المدنية ، فنتبع قواعد الإثبات التجارية . وقد يطرح نزاع مدني أمام محكمة تجارية ، فنتبع قواعد الإثبات المدنية ( ) . 187 - جميع المسائل التجارية يجوز إثباتها بالبينة وبالقرائن ، حتي فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها : ومتي ثبت للتصرف الصفة التجارية علي الوجه الذي قدمناه ، جاز إثباته ، كما سبق القول ، بالبينة وبالقرائن ، أيا كانت قيمة التصرف ، حتي لو كان الأمر يتعلق بجريمة تنطوي علي عقد مدني كجريمة التبديد ، فيجوز إثبات عقد الودية مثلا بجميع الطرق أيا كانت قيمة الشيء المودع ( ) . ومن باب أولي يجوز إثبات الوقائع المادية في المسائل التجارية بجميع طرق الإثبات . مثل ذلك أن يصاب عامل في مصنع ، فلهذا العامل أن يثبت مسئولية صاحب المصنع بجميع الطرق . بل يجوز أيضا ، إذا كان التصرف القانوني التجاري ثابتا بالكتابة ، إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها بالبينة وبالقرائن ( ) . وسنعود إلي هذه المسألة في موضع آخر . $ 354 $ الرفع الثاني قوة الإثبات المحدودة للبينة والقرائن 188 - القاعدة العامة والاستثناءات : رأينا فيما تقدم أن للبينية والقرائن قوة مطلقة في إثبات الوقائع المادية والتصرفات القانونية التجارية . وتبقي ، بعد ذلك ، التصرفات القانونية المدنية . وهذه ليس للبينة والقرائن فيها إلا قوة إثبات محدودة وقد وضع القانون في ذلك قاعدة عامة ، ثم أورد عليها استثناءات معينة . $ 355 $ أما القاعدة فهي ذات شقين : ( أولا ) لا يجوز إثبات التصرفات القانونية المدنية ، إذا زادت قيمته علي عشرة جنيهات ، إلا بالكتابة . ( ثانياً ) وحتي إذا كان التصرف القانوني المدني لا تزيد قيمته علي شعرة جنيهات ، فإنه إذا كان ثابتا بالكتابة ، لم يجز إثبات ما يخالف هذه الكتابة أو ما يجاوزها إلا بالكتابة . ونري من ذلك أن هذه القاعدة العامة تضيق من نطاق الإثبات بالبينة والقرائن ، وتجعل قوة هذين الطريقين في الإثبات محدودة فلا يجوز أن تثبت بهما التصرفات المدنية التي تزيد قيمتها علي عشرة جنيهات ، بل وتلك التي لا تزيد قيمتها علي هذا المقدار إذا كانت مكتوبة ويراد إثبات ما يخالف الكتابة أو يجاوزها ، وغني عن البيان أن هذا الميدان الذي استبعد فيه الإثبات بالبينة وبالقرائن ذو نطاق واسع ، فهو يستغرق الكثرة الغالبة من التصرفات المدنية التي تكون عادة محلا للتقاضي . ومن ثم كانت البينة والقرائن ذات قوة في الإثبات جد محدودة في ميدان التصرفات القانونية المدنية . علي أن هذين الطريقين تعود لهما المطلقة في الإثبات في الاستثناء الذي أورده القانون علي القاعدة العامة التي أسلفناها . وهو استثناء له أيضا شقان : ( أولا ) يجوز مع ذلك الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زاد علي عشرة جنيهات أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها إذا كان هناك مبدأ ثبوت بالكتابة . ( ثانياً ) ويجوز أيضا الإثبات بالبينة وبالقرائن فيما زاد علي عشرة جنيهات أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها إذا وجد مانع من الحصول علي الكتابة أو من تقديمها بعد الحصول عليها . ونري من ذلك أن البينة والقرائن ، وقد كانت قوتهما محدودة في القاعدة العامة ، انطلقنا في الاستثناء ، وأصبح من الجائز إثبات جميع التصرفات المدنية بهما عند وجود مبدأ ثبوت بالكتابة أو عند قيام المانع ( ) . ونبحث الآن القاعدة العامة ثم الاستثناءات . $ 356 $ المبحث الأول القاعدة العامة 189 - الأصل التاريخي لهذه القاعدة : نبتت هذه القاعدة في القانون الفرنسي القديم ، وقد كان هذا القانون كغيره من القوانين القديمة ( ) ، يجعل البينة هي الأصل في الإثبات ، فيجوز إثبات أي التزام بها أيا كانت قيمته ( ) . وبقيت هذه الحال سائدة إلي أن انتشرت الكتابة ، وبدأ الناس يألفون تدوين عقودهم ومعاملاتهم . فصدر قانون في فبراير سنة 1566 ، سمي \" أمر مولان \" ( Ordonnance Moulins ) ، تقضي المادة 56 منه بوجوب تدوين المعاملات $ 357 $ التي تزيد قيمتها علي مائة جنيه فرنسي في ورقة رسمية أمام موثق العقود ، وذلك نظراً للشكوي التي ترددت من عيوب الإثبات بالشهادة . وهذه الورقة هي وحدها التي تكون دليلا للإثبات ، دون أن تقبل البينة فيما يجاوز هذا الدليل الكتابي ، أو فيما يدعي أنه اتفق عليه قبل كتابة الدليل أو في أثناء كتابته أو بعد الكتابة ( avant icelui lors et depuis ) ولا يخل هذا الحكم بجواز إثبات التعامل في ورقة عرفية . وبعد مائة عام من صدور هذا الأمر صدر أمر آخر يؤكده في سنة 1667 ، وهو قانون لويس الرابع عشر في الإصلاح القضائي ، ويقضي بوجوب تدوين المعاملات التي تزيد قيمتها علي مائة جنيه ، ولو كانت ودائع اختيارية ، في أوراق رسمية أو عرفية . ولا يقبل الإثبات بالبينة لما يخالف ما اشتملت عليه هذه الأوراق أو يجاوزه ، ولا لما يدعي أنه اتفق عليه قبل الكتابة أو في أثنائها أو بعدها ، ولو لم تجاوز القيمة مائة جنيه ، دون أن يخل ذلك بما قد جري العمل عليه أمام القضاة والقناصل في المسائل التجارية ( ) . وبقي هذا النص معمولا به في القانون الفرنسي القديم . ثم نقله التقنين المدني الفرنسي نقلا يكاد يكون حرفيا ، فنصت المادة 1341 من هذا التقنين علي أنه \" يجب إعداد ورقة رسمية أو عرفية لإثبات الأشياء التي تزيد قيمتها علي مائة وخمسين فرنكا ، ولو كانت ودائع اختيارية ولا تقبل البينة فيما يخالف أو يجاوز مشتملات هذه الأوراق ، أو فيما يدعي أنه وقع قبل كتابتها أو في أثناء الكتابة أو بعدها ، $ 358 $ ولو كانت القيمة تقل عن مائة وخمسين فرنكا . وهذا كله دون إخلال بأحكام قوانين التجارة () \" . وقد جعل قانون نابليون نصاب البينة مائة وخمسين فرنكا ، وكانت في القانون الفرنسي القديم مائة جنيه وقيمتها كانت تبلغ نحوا من ألفين من الفرنكات . وقد نزل نصاب البينة إلي هذا المقدار نظراً لزيادة انتشار الكتابة كما قال جوبير ( jaubert ) في تقريره عن هذا النص( ) .ثم نقصت قيمة الفرنك فصدر قانون أول أبريل سنة 1928 يرفع نصاب البينة إلي خمسمائة فرنك . ثم هبطت قيمة الفرنك بعد ذلك هبوطا جسيما ، فصدر قانون 21 فبراير سنة 1948 يرفع النصاب مرة أخري إلي خمسة آلاف من الفرنكات وفي مصر قرر نصاب البينة منذ التقنين المدني السابق بعشرة جنيهات . ولم يتغير هذا النصاب في التقنين الجديد ، وإن كانت قيمة العملة قد نزلت نزولا كبيراً ، للمعادلة ما بين هذا النزول الكبير وزيادة انتشار الكتابة . ونري مما تقدم أن \" أمر مولان \" كان هو نقطة التحول عن البينة إلي الكتابة . وقد ذكر الأمر لهذا التحول سببين : ( أولهما ) ما تنطوي عليه الشهادة من خصر ، ليس فحسب من حيث فساد ذمة الشهود ، بل أيضا من حيث ضعف ذاكرتهم واحتمال تطرق السهو النسيان إليها . ( والثاني ) ما يستتبع السماح بالبينة في الإثبات من كثرة القضايا التي ترفعها الناس اعتمادا علي سهولة اصطياد الشهود وشرائهم عند الضرورة ، وما يترتب علي ذلك من ازدحام المحاكم بالقضايا وتراكم هذه القضايا وتعقدها وطول إجراءاتها . ويضيف \" بارتان \" سببا ثالثاً هو ما ينطوي $ 359 $ عليه التصرف القانوني من دقة تضييق بها الشهادة . فالشهود قد يستطيعون رواية مادية ، أما أن يرددوا عبارات تم بها التصرف القانوني ترديداً صادقا أمنيا بهذا ما ينوء به كاهل الكثرة الغالبة من الشهود ( ) . 190 - هل تعتبر هذه القاعدة العامة بشقيها من النظام العام : بقي ، قبل الدخول في تفصيلات هذه القاعدة العامة ، أن نبين هل هي تعتبر $ 360 $ من النظام العام . فإنها إذا اعتبرت كذلك ، لم يجز الاتفاق علي أن يكون الإثبات بالكتابة فيما لا تزيد قيمته علي عشرة جنيهات ، ولا أن يكون الإثبات بالبينة فيما تزيد قيمته علي عشرة جنيهات أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها . ثم يكون للمحكمة أن تقضي بهذه الأحكام من تلقاء نفسها ، ولا تعتد بنزول الخصوم عنها ، ويجوز التمسك بها لأول مرة أمام محكمة النقض . ونبحث هذه المسألة الهامة في القانون الفرنسي ، ثم في القانون المصري . القانون الفرنسي : الفقه والقضاء في فرنسا مختلفان فيما إذا كانت هذه القاعدة تعتبر من النظام العام . فالفقه الفرنسي يذهب إلي وجوب اعتبارها من النظام العام ( ) . كما يبدو من الأسباب التي ذكرت في أمر مولان ( Moulins ) وهو أول سند تشريعي لهذه القاعدة . والفقه ، وهو يأخذ في شبه إجماع ( ) . بهذا الرأي ، يستند إلي الحجتين الآتيتين : ( أولا ) أن القانون في تنظيمه طرق الإثبات إنما يبغي الوصول إلي خير الحلول لحسم النزاع ما بين الأفراد ، ومن ثم فهو يمس تنظيم القضاء نفسه ، وتنظيم القضاء يعتبر من النظام العام ( ) . ( ثانياً ) أن $ 361 $ الاعتبار الأساسي الذي استند إليه المشرع في تحريم البينة إلا في حدود ضيقة هو أن السماح بها يفسح المجال للإكثار من رفع القضايا وازدحام المحاكم بها اعتماداً علي تصيد الشهود وشرائهم عند الاقتضاء ، وهذا الاعتبار تعتبر من النظام العام أنه بالنظام العام ( ) . ويرتب الفقه الفرنسي علي أن القاعدة تعتبر من النظام العام أنه لا يجوز الاتفاق علي الإثبات بالبينة أو بالقرائن فيما تزيد قيمته علي النصاب ، أو فيما يخالف الكتابة أو يجاوزها ولو لم تزيد قيمته علي النصاب . كذلك لا يجوز الاتفاق علي الإثبات بالكتابة فيما لا تزيد قيمته علي النصاب ( ) . ويستوي في ذلك أن يكون